د.عبدالإله آل سودا
كان مِنْ خَبَري في إعدادي لرسالة الماجستير والدكتوراه أنْ وَظَّـفْتُ منهجين نقديين: المنهج الأسلوبي في رسالة الماجستير، والمنهج الموضوعاتي في رسالة الدكتوراه. ولا أزعم أنني بَـرَعْتُ في تطبيق المنهجين؛ فلربما تَخَـلَّلَ التطبيق شيءٌ من القصور. وما أزعُمُه حَقًّا، هو أنني كنت مستمتعًا أثناء قراءتي للكتب النقدية التي شَرَحَت المنهجين.
في هذه السلسلة سأعرض لما فهمتُه منهما، مع استئناسي ببعض المراجع التي أنعشتُ بها ذاكرتي، وقَوَّمْتُ بها ما لعل بُعد العهد عَاجَهُ وأمالَه.
حين يقرأ المرء نصًا أدبيًا للمرة الأولى، يبدو له في ظاهره مجموعة من الكلمات والجمل والصور والأفكار والعواطف والأحداث، تتوالى على الصفحة وتنتظم في قصيدة أو قصة أو رواية. غير أن النقد الحديث قام، في جانب كبير منه، على الشك في كفاية هذا الظاهر؛ فالنص لا يقول كل شيء على سطحه، وما يبدو عناصر متفرقة قد يكون محكومًا في العمق بنظام لا يظهر إلا بعد القراءة والتحليل. ومن هنا نشأت مناهج متعددة تحاول الانتقال من المرئي إلى غير المرئي، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن العلامات المتناثرة إلى القانون الذي ينظمها. ولعل الأسلوبية والموضوعاتية من أكثر هذه المناهج دلالة على هذا المسعى؛ لأن كلتيهما تبدأ من أشياء يستطيع القارئ رؤيتها في النص، لكنها لا تقف عندها، وإنما تتخذ منها طريقًا إلى شيء أعمق؛ إذِ الأسلوبية تبحث عن النظام الكامن وراء طرائق القول، والموضوعاتية تبحث عن النظام الكامن وراء عالم الدلالة والتخييل.
ولهذا يمكن النظر إلى الأسلوبية بوصفها حلقة وصل بين علم اللغة والنقد الأدبي؛ حيث تنطلق من حقيقة بسيطة ذات نتائج بعيدة؛ هي أن الكاتب لا يكتب من فراغ، وإنما يكتب داخل لغة تقدم له عددًا هائلًا من الإمكانات، ثم هو يختار منها؛ يستطيع أن يسمي الشيء بهذه الكلمة أو بتلك، وأن يقدم عنصرًا أو يؤخره، وأن يحذف أو يذكر، وأن يستعمل الاسم أو الفعل، وأن يبني جملته على التقرير أو الاستفهام أو الشرط، وأن يعيد اللفظة أو يتجنب إعادتها، وأن يصف الشيء وصفًا مباشرًا أو ينقله إلى صورة مجازية. والأسلوب يتولد، في جانب مهم منه، من هذه الاختيارات.
من هنا كان «الاختيار» أحد المبادئ المركزية في التفكير الأسلوبي؛ فحين يختار المبدع لفظة من بين بدائل كان يمكن أن تحل محلها، لا يكفي أن نسجل اختياره، وإنما نسأل: لماذا هذه اللفظة دون غيرها؟ وما الذي أضافته إلى السياق؟ ثم تأتي مرحلة أخرى هي تأليف العناصر المختارة بعضها مع بعض على محور التركيب. فاللغة ليست مخزنًا من المفردات فحسب؛ إنها أيضًا نظام للعلاقات بينها. ومن التفاعل بين ما اختير وكيف نُظم يتشكل جانب أساسي من خصوصية الأسلوب.
لكن الاختيار لا يعني الانزياح دائمًا؛ فقد يختار الكاتب من إمكانات اللغة اختيارًا مألوفًا، وقد يختار ما يخالف المتوقع، وعندئذ نصل إلى واحد من أشهر مفاهيم الأسلوبية ألا وهو العدول أو الانزياح. والمقصود به، في أوسع معانيه، أن يترك التعبير الطريق الذي كان القارئ يتوقعه ويسلك طريقًا آخر، مستثمرًا إمكانات اللغة أو أعراف الأدب بطريقة تلفت الانتباه إلى القول نفسه. ولهذا ارتبط الانزياح بمفهوم خيبة التوقع أو كسر الانتظار.
غير أن الانزياح لا ينبغي أن يتحول إلى تعريف وحيد للأسلوبية؛ فليست كل سمة أسلوبية خرقًا لقاعدة، كما أن التوازي والاطراد والتكرار والانتظام قد تكون لها قيمة أسلوبية كبيرة من غير أن تمثل خروجًا نحويًا أو لغويًا. ثم إن الانزياح نفسه لا يكون مفهومًا إلا إذا عرفنا المعيار الذي وقع الانزياح عنه. وقد يكون ذلك المعيار قاعدة لغوية، أو استعمالًا شائعًا، أو عرفًا أدبيًا، أو تقليدًا جنسيًا، أو حتى توقعًا بناه النص ثم خالفه. فحين خرج أبو نواس مثلًا على تقاليد الوقوف على الأطلال لم يكن انزياحه عن قاعدة نحوية، وإنما عن نموذج أدبي استقر في أفق التلقي.
والأهم من الانزياح ذاته هو وظيفته؛ فالغرابة ليست قيمة أدبية في نفسها، والخروج عن المألوف لا يكون جمالًا لمجرد أنه خروج. مِـنْ أجْل ذلك، لا يكتمل التحليل الأسلوبي حين يقول إن الشاعر قدم ما حقه التأخير، أو كرر لفظة، أو أكثر من الشرط، أو استعمل التشبيه مرات كثيرة. فالسؤال النقدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك: لماذا فعل هذا؟ وماذا أحدث اختياره في بناء النص ودلالته وأثره؟
ولننظر في هذا السياق إلى بيت لمحمد الفايز من قصيدته «من بلاد الهولو»، التي تناولتها في رسالتي للماجستير «شعر محمد الفايز: دراسة أسلوبية»، يقول فيه مصورًا البحّار:
عيناه تحت دجى العباب نهارُ
ويداه تحت سرى الشراع منارُ
فلو اكتفينا بتحديد التشبيهين في البيت، لقلنا إن الشاعر شبه عيني البحّار بالنهار، ويديه بالمنار، ثم انتهينا إلى وصف بلاغي صحيح في حدوده، لكنه لا يكشف وحده عن خصوصية البناء الشعري. ذلك أن القيمة ال أسلوبية لا تكمن في وجود التشبيهين فحسب، وإنما في الطريقة التي أقام بها الشاعر علاقة متوازية بينهما، حتى غدا كل شطر يستدعي الآخر ويكمل دلالته.
وقد وقفت في دراستي الأسلوبية على هذا التوازي، وتتبعته من خلال الكلمات المتقابلة في الشطرين: «عيناه/يداه»، و«تحت/تحت»، و«دجى/سرى»، و«العباب/الشراع»، و«نهار/منار». فثمة انتظام صوتي وتركيبي ودلالي يجعل البيت قائمًا على بنيتين متجاوبتين، تتقابل فيهما أعضاء الجسد، وظروف المكان، ومفردات الظلام والبحر، وصورتا النور والهداية. ولا يقتصر هذا التجاوب على التشابه في ترتيب الكلمات، وإنما يمتد إلى العلاقات التي تنشأ بينها؛ فالعينان واليدان تنتميان إلى جسد البحّار، والدجى والسرى يستحضران الظلمة، والعباب والشراع ينتميان إلى العالم البحري، أما النهار والمنار فيلتقيان في دلالة الانكشاف والاهتداء.
من هنا تتضح الوظيفة الأسلوبية للتوازي؛ إذ يتحول التشبيهان إلى بناء متكامل يرسم البحّار في صورة الإنسان القادر على الإبصار والعمل في بيئة تحجب الرؤية وتهدد الحياة؛ فالعينان لا توصفان بالإضاءة لمجرد المبالغة في قوة البصر، واليدان لا توصفان بالمنار لمجرد الإشادة بالمهارة؛ وإنما تتعاضد الصورتان لتقديم شخصية تملك القدرة على مواجهة الظلام، ومعرفة الطريق، والتحكم في وسائل الإبحار. وهكذا يسهم انتظام التراكيب في إنتاج انتظام دلالي، ويصبح التوازي اللغوي وسيلة لبناء صورة إنسانية تتجاوز الوصف المباشر.
لكن البيت نفسه يسمح لنا بأن ننتقل إلى سؤال موضوعاتي مختلف؛ فالناقد الموضوعاتي لا يجعل التوازي بين «عيناه» و«يداه» أو بين «نهار» و«منار» غايته النهائية، وإنما يسأل عن القرابة التخيُّلية التي تجمع هذه العناصر، وعن طبيعة العالم الذي تتشكل فيه. لماذا يظهر البحّار في قلب الظلام، بينما تنبع من جسده صور النور؟ ولماذا يجتمع البحر، بما يوحي به من عمق وخطر، مع النهار والمنار، بما يحملانه من انكشاف وهداية؟ وما الذي تكشفه هذه العلاقات عن صورة الإنسان في عالم الشاعر؟
عندئذ نلاحظ أن البيت ينتظم حول تقابل تخييلي بين الظلام والنور، غير أن هذا التقابل لا يظل مجرد تضاد بين حالتين طبيعيتين؛ فالظلام يحيط بالبحّار من الخارج، في حين يتجسد النور في عينيه ويديه. وبذلك تصبح القدرة الإنسانية مصدرًا للضياء داخل عالم معتم. ومن هذه العلاقة يمكن أن تنشأ فرضية موضوعاتية تتعلق بالإنسان الذي يواجه عتمة العالم بما يمتلكه من خبرة وإرادة وقدرة على الفعل. وإذا وجدنا هذه العلاقة تتكرر في صور أخرى من شعر الفايز، أمكن أن نتحدث عن شبكة تخييلية تصل بين البحر والظلام والمكابدة والنور والبطولة.
وهنا يظهر الفرق بين المنهجين في صورة دقيقة؛ فالأسلوبي يبدأ من انتظام التشبيه والتوازي بين عناصر التركيب، ثم يفسر أثرهما في بناء صورة البحّار. أما الموضوعاتي فيبدأ من العلاقات التخيلية بين الظلام والنور والإنسان والبحر، ثم يحاول الكشف عن النظام الذي يجعل هذه الصور متجاوبة داخل التجربة الشعرية. وقد يستند الناقدان إلى الألفاظ نفسها، لكن اختلاف السؤال الذي يوجّه القراءة يؤدي إلى اختلاف طريقة تنظيم الشواهد والنتيجة التي يسعى إليها كل منهما.