أحمد بن عبدالرحمن السبيهين
نشرت مجلّة «الدوحة» في عام 1979 استطلاعًا فريدًا عن الحركة الفكرية والثقافية التي تحفل بها مدينة «الرياض»، وعلى الرغم من أن الاستطلاع كان بسيطًا ومُختصرًا، إلا أنه أعطى صورة بديعة للفعاليات الثقافية والأدبية والأكاديمية التي كانت تزخر بها المدينة في تلك الفترة.
وهنا نستعرض بعض أهم ما جاء في الاستطلاع، الذي بدأ بإعطاء نُبذة تاريخية عن «الرياض»، تعكس عراقتها ومجدها، ثم وصفٍ لمعالمها المدنية والمعمارية القائمة، وانتقل بعد ذلك إلى تغطيةٍ شاملة للحركة الثقافية ونشاطاتها المختلفة، ولقاءاتٍ مع أهم رموزها والمهتمّين بشؤونها.
فالرياض التي عاش في باديتها الشاعر الأموي «جرير» منذ نحو 1300 سنة، والذي كان من أشعر شُعراء زمانه، خاصّةً في مُساجلاته الهجائية الشهيرة مع الشاعرين «الفرزدق» و«الأخطل».
وهي مدينة «الأعشى»، الشاعر الجاهلي الذي أدرك الإسلام، ولُقّب بـ«صنّاجة العرب»؛ لجودة شِعره، ولكثرة ما تغنّت العرب به، وعاش في قرية «منفوحة» التي أصبحت الآن أحد أحياء «الرياض».
وإذا كان اسم هذه المدينة اليوم هو «الرياض»، فقد كان اسمها بالأمس «حَجْر اليمامة»، وسكنَتها قبيلة «طسم»، وكانوا قومًا مُتحضّرين، فجّروا العيون، وبنوا القصور والحصون، غير أن الزمن طمس معالم كلّ شيء، ولم يترك منها أي أثر.
وقد ظلّت المدينة القديمة قاعدةً «لليمامة» بعد بزوغ فجر الإسلام، وكان يسكنها «بنو حنيفة»، الذين عادوا بعد حروب «الرِدّة» إلى الإسلام. ولذلك، فعندما زارها الرحّالة «ابن بطوطة»، قال: «ثم سافرنا إلى مدينة اليمامة وتُسمّى حَجْرًا، وهي مدينة حسَنة خصيبة ذات أنهارٍ وأشجار، يسكنها طوائف من العرب أكثرُهم من بني حنيفة».
وفي مُنتصف القرن التاسع الهجري، حكَم المدينة «ابن درع»، الذي جاءه أحد رجال عشيرته، وهو «مانع بن ربيعة»، فمنحه قطعة كبيرة من الأرض، هي «الدرعيّة»، والتي أصبحت الآن أيضًا حيًّا من أحياء «الرياض»، فانتشرتْ فيها ذُريّته التي منها الأسرة المالكة السعودية.
وفي فترة قيام الدولة السعودية، اختفى اسم «حَجْر»، وظهرتْ مكانها عدّة قُرى تتخلّلها روضاتٌ من الحدائق تزدهر عقب سقوط الأمطار، ومن مجموع تلك الرياض أُطلق اسم المدينة.
كانت «الرياض» في الماضي تتكوّن من عدّة أحياء، مثل الظهيرة ودخنة والوسيطى وغيرها، وكان يُحيط بها سورٌ له خمسة أبواب، إلا أنه بزحف العُمران خارج المدينة أُزيل السور في عام 1950، وشُقّت الشوارع الواسعة، وأُنشئت مباني الوزارات الحديثة والعمائر الشاهقة، والحدائق والنوافير.
ولو تجوّلتَ في المدينة في الوقت الحاضر، لاكتشفتَ بها بعض بيوتٍ من الطين، وآثارًا باقية مثل قصر الحُكم، وسيتّضح لك أن أشهر مناطق المدينة «البطحاء»، التي كانت أرضًا خضراء ومجرًى للسّيل، أصبحت اليوم مركز المدينة والحركة التجارية والبنوك، وكذلك منطقة «الديرة» التي يوجد بها قصر الحُكم، ومكتب سمو الأمير (الملك) سلمان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض.
وإذا كان كلّ جديد في المدينة يشدّ الزوّار، فربما يُتاح لهم اكتشاف قلب المدينة النابض الذي يضجّ بالحياة الثقافية والأدبية.
فالمدينة تزخر بالصّحف والمجلّات، والكُتّاب والأدباء والمُثقّفين، ومنهم الشاعر «محمد المشعان»، الذي يعالج المشكلات والمظاهر الاجتماعية في قصائده التي يصوغها في صورة رُباعيات، تُنشر في الصحافة، ويتعامل معها بالنقد الساخر. ففي قصيدةٍ له، على سبيل المثال، يُعبّر فيها عن مُعاناة بعض المُتقاعدين، يقول:
ماذا أتى هؤلاء الشّيب من خطَلٍ؟
حتى يُقال لهُم: كُفّوا عن العمَلِ
ما زال فيهم بقايا للكفاحِ، وفي
أذهان بعضهمُ شيءٌ من الأملِ
والكُلّ منهم إلى الستّين قد وصلتْ
خُطاهُ، لم يشكُ في يومٍ من العِللِ
فلتَخبُروهم، وعند الفحصِ موعدهم
فقد نرى بطلًا يمتازُ عن بطلِ
وفي ندوة الشيخ «عبدالعزيز الرفاعي»، التي تُعقد في منزله كلّ يوم خميس، يلتقي المثقّفون ليُناقشوا قضايا حيوية، أو إصدارات أدبية أو فكرية جديدة.
ومن الوجوه الثقافية المتميّزة الشاعر الأستاذ «عبدالله العلي الزامل»، المُهتم بالأدب الشعبي عبر الصحافة والإذاعة والتلفزيون، والذي يرى أن «الرياض» أصبحت مجمعًا شعبيًّا لكلّ فنون المملكة: من العرضة النجدية (السعودية)، والمزمار والحوطي، والهجيني الذي كان العرب يتغنّون به على ظُهور الإبل، والسامري الذي يؤدّى في ليالي السّمر.
وفي جامعة «الرياض (الملك سعود)»، وحول حركة الترجمة، يرى الدكتور «عِزّت خطّاب»، عميد كليّة الآداب، أنه لا توجد حركة ترجمة بالمعنى المُتعارف عليه في البلاد العربية بشكلٍ عام، وإن كانت هناك مشروعات ستبدأ لترجمة المراجع الأكاديمية الهامّة في كلّ التخصّصات الجامعية، وترجمة أُمّهات الكُتب والعُلوم التطبيقية. والمطلوب هنا أن تتمّ التّرجمات بصورةٍ أمينة وبلُغةٍ عربية سليمة، لا أن تتمّ بتلك الصّور الممسوخة التي نرى الحال عليها، للأسف، في بعض الدول العربية!
ونعرف من رئيس النادي الأدبي في «الرياض»، الأستاذ «أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري»، أن النادي يتبنّى الآن تحقيق ما يقرب من عشرين مخطوطة في مجال إحياء التُّراث، من أهمّها خمس رسائل «لابن حزم»، كما يُعِدّ النادي موسوعة «الألفاظ المُصطلح عليها بين أهل الفُنون»، يُخطّط لها مُستشرقان إسبانيان مع مجموعة من أساتذة المملكة ومصر وسوريا.
وفي جمعيّة الثقافة والفنون، قال رئيسها الأستاذ «محمد الشدّي» إن هناك دراسة مُتكاملة ستُجرى عن إمكانية إقامة مهرجانات خاصّة بالشّعر والرقصات الشعبية.
وفي الجمعية أيضًا، يقوم الدكتور «محمد المفدّى»، الأستاذ بجامعة «الإمام محمد بن سعود»، بتحقيق الجُزء الأول من كتاب «تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد» لمحمد بن أبي بكر الدماميني.
وختامًا، نسأل الله تعالى أن يرحم من انتقلوا إلى جواره، وأن يُمتّع من بقي بالصحّة وطول العُمر على طاعته.