د.عبدالله الفايز
لا أعتقد أن الولايات المتحدة كانت ستُهين نفسها بتعيين شخصية متطرفة مثل الخميني على رأس إيران؛ فليس من المنطقي افتراض أنها اختارت بنفسها شخصية تتبنى خطاباً معادياً لها بهذا الوضوح. لكن ذلك يفتح باباً لتساؤل آخر: هل كان سبب التعيين هو اتفاق لم يعلن ووعد بتحقيق بعض أهداف امريكا واسرائيل في المنطقة، مع إعطاء إيران نصيبها من التوسع.
إن ما يبدو صراعاً بين القوى قد يكون، في بعض مراحله، جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لموازين النفوذ، ولا أستبعد أن تكون الولايات المتحدة قد وجدت نفسها مضطرة إلى التعامل مع صعود الخميني والثورة الإيرانية باعتبارهما واقعاً إستراتيجياً يمكن توظيفه لخدمة مصالحها ومصالح إسرائيل.
وأمريكا هي من صنعت القوة العسكرية الايرانية من أيام الشاه وضاعفتها بعد الخميني ومولته بالصواريخ في حرب العراق. لقد استفادت القوى الكبرى من التحولات التي أعقبت الثورة، وكيف أثرت سياسات طهران في إعادة تشكيل المنطقة، لتفاعل المصالح ولإضعاف المنطقة وخلق النزاعات والصراعات للتفرقة، وخاصة الدينية والتي هي قوة العرب. فدعمت التطرف والجماعات الارهابية بدعم من أمريكا.
ومن الصعب اختزال السياسة الأمريكية في قرارات رئيس واحد، أياً كان اسمه أو أسلوبه أو مدة حكمه. فالرئيس، ومنهم ترامب، والذي يراه الكثيرين غبياَ مع أنه استطاع تكوين امبراطورية مالية، قد يمتلك نفوذاً واسعاً وقد يستفيد هو وعائلته من الازمة، لكنه يعمل بتوجيه وقرارات من الحكومة العميقة والتي هي عادة من يرجح انتخاب الرئيس وتتلاعب في الاصوات. وضمن منظومة مؤسساتية وأمنية وعسكرية واقتصادية تضم عائلة روتشيلد والمجمع الصناعي والحربي وأجهزة الاستخبارات، ووزارة الدفاع، ومراكز صنع القرار، ومصالح الشركات الكبرى، وشبكات الضغط السياسي والاقتصادي. إن فهم السياسة الأمريكية يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من تصريحات الرئيس ومواقفه اليومية، إلى المصالح الاستراتيجية المستمرة التي قد تتجاوز الإدارات المتعاقبة. والأهم من وصفه بالغبي وبسذاجة، أن القرارات الاستراتيجية الكبرى لا تُفهم عادة من خلال شخصية الرئيس وحدها، والذي يحكم لمدة أربع سنوات بل من خلال السياسات والأهداف الأمريكية والتي وضعت لعقود سابقة وقادمة.
وأن ايران يجب أن نحذرها بان خدمة مصالح امريكا سراب وما تتفق عليه سيتم دفع ثمنه غاليا عليها. وهو ما أعتقد أن الاجتماع الأخير السعودي الباكستاني التركي هو جزء منه فتح أعين توعية إيران من بلاهتها وبأنه مصيرها هو مصير من قبلها من العملاء بعد انتهاء دورهم.، ومن أنذر فقد أعذر.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثر خطورة: هل يمكن أن تتعامل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مع الخسائر البشرية، بما فيها خسارة بعض القيادات والعناصر التابعة لها، باعتبارها تكلفة مقبولة إذا كانت النتائج النهائية تحقق أهدافاً استراتيجية أكبر؟ إن تاريخ الحروب والصراعات يبين أن الدول قد تقبل خسائر مؤلمة لتحقيق أهدافها، وأن حياة الأفراد قد تتراجع في حسابات بعض صناع القرار أمام اعتبارات الأمن والنفوذ والردع. لكن تعميم ذلك على جميع الأطراف. واكبر مثال هو عندما خدعت ايران حماس ودعمتها لاختراق حدود إسرائيل بعملية «طوفان القدس»، هي نظرة حولاء فالقدس تقع اأعلى شمالاَ. بينما أنا أسميها «إغراق وإبادة غزة».
الشاهد أن إسرائيل هي من خطط لذلك، وقبل أشهر، وسمحت بالاختراق بالرغم من أنها تملك أكبرجهاز مخابرات، وأعدت مخططات لإعادة تطويرغزة قبل أكتوبر بشهور.
لذلك لم يكن عند إسرائيل مانع من قتل ألف إسرائيلي مقابل ما تقوم به من إبادة مئات الآلاف وتهجير الملايين من الفلسطينين. هكذا حسابات الحرب. فالصراعات دائماً لتحقيق الأهداف التي تعلنها أطرافها، أم أن نتائجها قد تخدم أحياناً مصالح أوسع لا تظهر بوضوح في الخطاب السياسي؟ والتعارض العلني بين الدول لا يمنع أن تتقاطع نتائج سياساتها في بعض المراحل، كما أن الخصومة لا تعني بالضرورة أن كل طرف يخسر من كل خطوة يتخذها الطرف الآخر. وقد تستفيد قوة من نتائج لم تصنعها، ثم تعمل لاحقاً على احتواء الطرف الذي أسهم في إنتاجها.
من الواضح ان إيران، التي رفعت شعار مواجهة الولايات المتحدة لعقود، قد أدت عملياً دوراً ساهم في تحقيق بعض الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود اتفاق معلن أو تنسيق مباشر بين الطرفين؟ وماذا لو اقتربنا اليوم من مرحلة تنقلب فيها المعادلة، فتتحول إيران من قوة ساهم تمددها في إعادة تشكيل المنطقة إلى هدف لعملية تحجيم كبرى؟ فبدلاً من الاكتفاء بالشعارات المعلنة، ينبغي النظر إلى النتائج الفعلية.
لقد توسع النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وارتبط هذا التوسع بصراعات استنزفت موارد تلك الدول، وأضعفت مؤسساتها، وعمّقت انقساماتها الداخلية. وفي الوقت الذي كانت فيه طهران تقدم هذا التوسع باعتباره انتصاراً لمحور المقاومة، كانت النتيجة أن عدداً من الدول العربية انشغل بصراعات داخلية وإقليمية طويلة، وتراجعت قدرتها على بناء منظومة مستقرة وقوية للأمن والتنمية.
وهنا تكمن المفارقة: قد تكون إيران قد أضعفت خصوم إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة، حتى وهي تعتقد أنها تواجههما. ان كل خطوة إيرانية قد صدرت بأوامر أمريكية حتى تخدم نتائجها مصالح أمريكية. فالقوى الكبرى لا تحتاج دائماً إلى التحكم في جميع الأطراف؛ يكفيها أحياناً أن تستثمر صراعاتها، وأن تدع خصومها يستنزف بعضهم بعضاً، ثم تتدخل عندما يحين الوقت لتعديل ميزان القوى. ومن هذا المنظور، فإن السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كانت واشنطن وطهران تتواجهان، بل ما إذا كانت نتائج هذا الصراع قد خدمت، في مراحل معينة، أهدافاً أمريكية أوسع مما توحي به لغة العداء المتبادل.
وقد يكون هذا هو المدخل لفهم التحول المحتمل في التعامل مع إيران. فالقوة التي تتمدد وتؤثر في دول متعددة قد تصبح، مع مرور الوقت، عبئاً على القوى التي اعتادت إدارة التوازنات الإقليمية. وعندما تتغير الحسابات، يمكن أن يتحول النفوذ الذي كان يُحتمل أو يُستثمر إلى خطر ينبغي احتواؤه. فهل انتهت المرحلة التي كان فيها التمدد الإيراني عاملاً يعيد تشكيل المنطقة، وبدأت مرحلة تقليص القوة الإيرانية نفسها؟ وهل أصبحت طهران، بعد أن ساهمت في إضعاف دول عربية، أمام الدور الذي لم تتوقعه: أن تكون هي الهدف التالي لإعادة تشكيل موازين القوى؟ وهل يصبح مصيرها مثل مصير من سبقها من العملاء بعد انتهاء مهمتهم مثل بن لادن وهنية ونصر الله والسليماني؟
ويزداد هذا التساؤل إلحاحاً عند النظر إلى التناقض بين الصورة التي بنتها إيران عن قوتها وبين ما تكشفه الاختراقات الأمنية والضربات التي طالت قيادات ومنشآت وشبكات مرتبطة بها. فالدولة التي تقدم نفسها باعتبارها قوة إقليمية كبرى لا يكفيها امتلاك ترسانة صاروخية أو شبكة حلفاء؛ بل تحتاج إلى استخبارات قادرة على حماية مراكز القرار، ودفاعات تحمي أراضيها، وقدرة على منع خصومها من الوصول إلى أكثر المواقع حساسية. وعندما تنجح القوى المعادية في اختراق هذه المنظومة، تتراجع هيبة الردع، وتظهر فجوة بين القوة المعلنة والقدرة الفعلية.
ومن هنا يمكن إعادة طرح سؤال البرنامج النووي الإيراني. هل كان الهدف الأمريكي محصوراً في منع طهران من امتلاك سلاح نووي، أم أن الملف النووي أصبح أيضاً أداة ضغط طويلة الأمد، تُستخدم لتقييد إيران، وتعبئة الحلفاء، وإعادة ترتيب التحالفات، وتبرير وجود عسكري وأمني واسع في المنطقة؟ إن استمرار هذا الملف لعقود جعله أكثر من مجرد خلاف تقني؛ فقد أصبح جزءاً من معادلة النفوذ الإقليمي. وربما تكمن المسألة في أن إدارة الخطر قد تكون، في بعض الظروف، أداة استراتيجية بحد ذاتها، حتى عندما لا تتطابق الأهداف المعلنة مع جميع النتائج السياسية المترتبة عليها.
أرى أن ايران قد بالغت في تقدير قدرتها على المناورة بين القوى الكبرى، معتقدة أن خطابها المعادي لواشنطن وشبكة نفوذها الإقليمي سيضمنان لها موقعاً لا يمكن تجاوزه. لكن التاريخ السياسي لا يمنح ضمانات دائمة. فالعلاقات الدولية لا تقوم على الصداقة والعداء وحدهما، بل على المصالح المتغيرة، وقد تجد الدولة نفسها فجأة أمام خصوم أكثر استعداداً وقدرة على استهدافها، حتى لو كانت قد اعتادت سنوات طويلة على فرض نفوذها خارج حدودها.
فالولايات المتحدة صنعت الثورة الإيرانية وهي تتحكم في كل قرار تتخذه طهران، بل أن العداء المعلن قد يتعايش مع تقاطع المصالح، وأن القوة الكبرى قد تستفيد من نتائج أفعال خصمها، ثم تعمل على تحجيمه عندما تتبدل الحسابات. وهذا تفسير يستحق البحث لأنه ينقل الاهتمام من الخطاب السياسي إلى خريطة المستفيدين، ومن التصريحات إلى النتائج، ومن هوية الخصوم المعلنة إلى التغير في موازين القوة. فهل اقتربت إيران من نهاية مرحلة كانت خلالها قوة توسع إقليمي، لتدخل مرحلة تُستهدف فيها قيادتها وقدراتها ونفوذها؟ وهل يمكن أن تتكرر معها، بصور مختلفة، ظاهرة التخلي وتصفية اطراف أو شركاء سابقين عندما تتغير فائدتهم الاستراتيجية؟ فالقوة لا تمنح حصانة دائمة، وأن التحالفات والخصومات يمكن أن تتبدل بسرعة عندما تتغير المصالح.
ان إيران ليست عدوة لأمريكا بل حليفاً لها؛ وأكبر قاعدة عسكرية لها منذ حرب افغانستان وفضيحة الكونترا، رغم عدائها المعلن، و قد أنتجت نتائج خدمت في مراحل معينة مصالح قوى أخرى، وما إذا كانت هذه القوى تسعى الآن إلى إنهاء المرحلة التي سمحت بذلك.
إن المأساة الأكبر لن تكون في تبدل الدور الإيراني وحده، بل في أن الدول العربية دفعت ثمناً باهظاً لصراعات لم تتحكم دائماً في مساراتها، وقد تجد نفسها أمام جولة جديدة من التنافس على أراضيها وأمنها ومواردها. ولهذا، فإن الدرس الأهم للعرب هو ألا يخلطوا بين الشعارات والمصالح، وألا يراهنوا على ثبات تحالفات القوى الكبرى، وألا يسمحوا لأي قوة إقليمية أو دولية بأن تجعل من انقسامهم أداة لتحقيق أهدافها. فالدول التي لا تبني قوتها واستقلال قرارها قد تجد نفسها، في كل مرحلة، أمام لاعب جديد يعلن أنه جاء لحمايتها، ثم يتركها تتحمل نتائج الصراع عندما تتغير الحسابات.
هل انتهت المهمة التي وعد الخميني امريكا بتحقيقها؟ وهل نجحت القيادة الايرانية في إنجاز المطلوب منها؟ وسواء انتهت أو لا: هل سيكون مصيرها نفس مصير عملائها السابقين وهو التصفية والإبادة، مثل ما قامت به امريكا من تصفية بن لادن وهنية وحزب الله والسليماني وغيرهم بعد سنوات من محاولة تحقيق مصالح أمريكا في المنطقة؟.
أعتقد أن الاجتماع الأخير مع إيران كان يجب أن يحذر إيران أن دورها انتهى، وأنها حققت الكثير من إضعاف العرب في العراق وسوريا ولبنان واليمن مما يسهل لأمريكا وعميلتها اسرائيل السيطرة على المنطقة.
ولكن إيران لم تحقق أهم الأهداف المطلوبة وهي إضعاف وإرغام الصخرة التي تعيق تحقيق الأهداف وبالرغم من محاولاتها الأخيرة فامريكا ليسست راضية . فهي من صنعت ايران كقاعدة عسكرية لها منذ مواجهة روسيا في أفغانستان وفيتنام وحرب العراق وسوريا ودعم فرق الجيش الايراني بفصائل ماجورة مثل القاعدة وحزب الله وداعش. وهي من صور لنا ان ايران ستمتلك مفاعلا نوويا لإفزاع العرب وتمادت معها في أكثر من 10 سنوات في مسرحية اجتماعات وحتى اليوم.
بينما ايران لا تمتلك شيئاَ، ولكن أمريكا ستستعمل ذلك للقضاء على القيادة مثلما ادعت ان صدام يمتلك أسلحة سامة كيماوية كعذر لإبادته. وهذا ما يجعل ايران تتوهم أنها دولة قوية وأنها ستواجه وتهزم اأمريكا. بينما هي فقاعة نفختها أمريكا لتخويف العرب ويكفي دليلا ان امريكا واسرائيل اخترقت ودمرت واغتالت رئيسها وجماعته في ايام وبدون أي مقاومة من الدولة التي تزعم أنها قوية، وهي ضربات كانت لتهديد ايران بإكمال ما طلب منها وأعطيت كم فرصة ومهلة زمنية لصناعة المزيد من الصواريخ لقصف الخليج وإنهاء خطة السيطرة والهيمنة الأمريكة.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ظل الشرق الأوسط ساحةً للتنافس الدولي على النفوذ والطاقة والممرات الاستراتيجية. ومع تراجع الدور البريطاني وصعود الولايات المتحدة، أصبحت المنطقة جزءاً أساسياً من الحسابات الأمريكية، وتداخلت فيها التحالفات العسكرية والسياسية مع المصالح الاقتصادية والأمنية.
والسؤال الذي يستحق النقاش ليس ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى حماية مصالحها، فهذا أمر معلن في سياساتها، بل ما إذا كانت بعض القوى والحركات التي تتقاطع مصالحها معها تتحول، بمرور الوقت، من أوراق نفوذ إلى عوائق يجري احتواؤها أو إضعافها عندما تتغير الحسابات.
تقدم التجربة الأفغانية مثالاً مهماً على النتائج غير المقصودة للسياسات قصيرة المدى. فقد أقرت هيلاري كلينتون عام 2009 بأن الولايات المتحدة دعمت ومولت المجاهدين الأفغان خلال الحرب ضد الاتحاد السوفيتي، ثم وجدت نفسها تواجه تداعيات البيئة المسلحة التي ساعدت في تشكيلها. لكن هذا لا يثبت أن واشنطن أنشأت كل التنظيمات التي ظهرت لاحقاً، بل يوضح كيف يمكن لتوظيف القوى المحلية في صراع دولي أن ينتج مخاطر تتجاوز الأهداف الأصلية. وفي الشرق الأوسط، تتغير التحالفات وتتصادم المصالح باستمرار؛ فقد دعمت إيران جماعات مسلحة في لبنان واليمن والعراق والأراضي الفلسطينية، بينما واجهت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه الجماعات بوسائل سياسية وعسكرية مختلفة.
وتكشف هذه الوقائع أن القوى الإقليمية والدولية تستخدم أدوات متعددة لتعزيز نفوذها، وأن تلك الأدوات قد تتعرض للاستهداف عندما تصبح تهديداً لمصالح أطراف أخرى. غير أن تعميم ذلك على اغتيالات أو تصفيات محددة، أو الجزم بوجود خطة أمريكية موحدة تشمل جميع الأطراف، يحتاج إلى أدلة مستقلة لا يكفي تزامن الأحداث لإثباتها.
هنا تبرز الفكرة التي يلخصها عنوان المقال: «أمريكا تعطي وأمريكا تأخذ». فالدول الكبرى لا تبني علاقاتها عادةً على الوفاء الدائم للحلفاء، بل على تقدير المصالح وتغير موازين القوى. وقد يتحول الحليف إلى خصم، أو يصبح الشريك الذي خدم هدفاً مرحلياً عبئاً استراتيجياً في مرحلة لاحقة.
والخطر على دول المنطقة هو أن تنخرط في صراعات القوى الكبرى اعتماداً على وعود مؤقتة، ثم تتحمل وحدها تكاليف الحروب والانقسام عندما تتبدل الأولويات. لذلك، فإن الدرس الأهم ليس افتراض وجود مؤامرة واحدة تدير جميع الأحداث، بل إدراك أن المصالح الدولية متغيرة، وأن الاعتماد على القوى الخارجية لا يغني عن بناء الاستقرار الداخلي والتعاون الإقليمي. فالمنطقة التي لا تمتلك رؤية مشتركة للأمن والتنمية ستظل عرضة لأن تصبح ساحةً لتنافس الآخرين، بينما تتبدل التحالفات ويبقى السكان هم من يدفعون الثمن.
أن تزامن الأحداث يثبت وحده وجود خطة مشتركة، وهو قرينة تستحق التحقيق عندما تتكرر الأحداث في اتجاه يخدم مصالح استراتيجية متقاربة، وتتبعها قرارات أو تحركات تكمّل بعضها بعضاً. والسؤال الجوهري هو: هل نحن أمام أحداث منفصلة تصادف أنها تخدم مصالح القوى الكبرى، أم أن بعض هذه الأحداث يُنتج عمداً لتهيئة الظروف التي تسمح بإعادة تشكيل المنطقة؟
إن أخطر ما يستحق البحث في مسار الشرق الأوسط هوتتابع الحروب والاغتيالات وانهيار التحالفات، ووجود علاقة سببية تربط بعضها ببعض. فعندما تتزامن أحداث متعددة، ثم تتجه نتائجها إلى إضعاف أطراف بعينها، وإعادة توزيع النفوذ، وفتح المجال أمام ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان التزامن مجرد مصادفة أم أنه يعكس استراتيجية تستثمر الأحداث، أو تسهم في صنعها، لتحقيق غايات مترابطة. فالتزامن يلفت الانتباه، وتكرار النمط يعزز الشبهة، لكن إثبات السببية يتطلب كشف الآلية التي ربطت الحدث بالنتيجة: من اتخذ القرار؟ من استفاد؟ هل وُجد دعم أو تنسيق سابق؟ وهل كانت النتائج متوقعة أم مجرد آثار جانبية؟
من هذا المنطلق، يمكن قراءة سياسة القوى الكبرى باعتبارها سلسلة من المراحل المحتملة: دعم طرف أو توظيفه عندما تتقاطع مصالحه مع أهداف القوة الكبرى، ثم احتواؤه أو التخلي عنه أو مواجهته عندما تتغير الظروف.
وتقدم الوثائق التاريخية مثالاً موثقاً على دعم الولايات المتحدة للمقاومة الأفغانية خلال الحرب الباردة، عبر تمويل وتسليح جماعات لمواجهة النفوذ السوفيتي، ثم تغيرت السياسة الأمريكية جذرياً بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، عندما أصبحت القاعدة وحلفاؤها أهدافاً للحرب الأمريكية. كما أن جميع التنظيمات اللاحقة صُنعت أو أُديرت أمريكياً؛ بل يوضح كيف يمكن لتحالفات مرحلية أن تنتج عواقب متناقضة، وكيف يمكن أن يتحول طرف كان مفيداً في سياق معين إلى خصم في سياق آخر.
عندما تهدد ايران امريكا وبكل بجاحة وبأنها قوة عظمى ستهزم أمريكا فهي تتكلم بنفس المنطق الذي كان يردده حسن نصر الله من تهديدات وهو لا يملك شيئاَ غير دعم ايران، والتي هي الأخرى ليست كما تتصوره أو تصوره للعالم. إيران استباحتها امريكا واسرائيل واخترقتها في ايام وقضت على امامها الروحي وقياداتها، ولم تفاوم باي طريقة. مقاومتها ليست ضد امريكا واسرائيل بل وهو جزء من اتفاقية مع امريكا لقصف دول الخليج المتبقية والصامدة. وهو ما تقوم به هذه الايام بتوكيل المرتزقة الحوثي لضرب المملكة ومستقبلا مصر. اذا لم تتمكن ايران من اتمام المهمة او فشلت فإن مصيرها هو مصير بن لادن وهنية ونصرالله وأرى ذلك قادما بعد الانتخابات النصفية لأمريكا بأيام. تصفية القيادة الايرانية والبحث عن قيادة أخرى أو دولة أخرى تخدم مصالحها.