إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في مركز «فناء الأول» الذي يحتضن الأفكار كما تحتضن الأمهات أسرار أطفالها، كان هناك حوارٌ صامتٌ ينساب بين الضوء والظل، وبين خشونة المادة ورقة النغمة. لم يكن المكان مجرد قاعة تكتسي حيطانها بالبياض لكنه كان مسرحاً لولادة كوكبٍ متخيَّل قشرته من التراب والنُشارة وأوتاره من نبض الذاكرة والروح. هناك يتوقف الزمن قليلاً ليمنح السائر في أرجائه فرصة للإصغاء بعينيه والتأمل بقلبه، في رحلة لا تكتفي بملامسة السطح وإنما تنزل بعيداً في أعمق طبقات النفس الإنسانية.
إن التأمل في حقيقة الفن يكشف عن وحدة أزلية تجعل الإبداع شجرة واحدة متعددة الأفنان، فالصوت والشكل المادي ليسا سوى وجوه لمستقر روحاني واحد يسعى لتخليد الوجود الإنساني. لم يكن نصير شمة يوماً مجرد عازف يداعب الأوتار لتنطلق منها الألحان بل ظل طوال مسيرته بطلاً لقصة تجريبية تتجاوز الحدود التقليدية بين الفنون. لقد أدرك بحدس العارف أن الموسيقي حين يعزف إنما ينحت في الفراغ أشكالاً لا تدركها العين لكن تستوعبها الروح، وأن الفنان التشكيلي حين يضع ملامسه على السطح القماشي إنما يسجل إيقاعاً صامتاً ينبض بالسر. ومن هذا المنطلق بالتحديد جاء جمعه الفريد بين عبقرية الموسيقي وحس الفنان التشكيلي ليعيد تعريف المادة والصوت في نسق إبداعي واحد متجاوزاً الأطر الضيقة ليخلق تجربة حسية ومفهومية غير مسبوقة تجعل الملمس صوتاً والصوت مجسماً.
من هذا الترابط الأثلي بين النغمة واللون، يستمد مشروعه المبتكر «ربع تُون» نبضه الأعمق. إنها تلك المسافة الدقيقة والسرية، المسافة التي يفصل فيها «ربع النغمة» بين صوتين في الموسيقى العربية، ليمنح المقام شجوه الخاص وهويته الفريدة. تحولت هذه المسافة الرهيفة في مخيلة الفنان إلى مساحة بصرية كامنة بين البريق والخفوت، وبين الامتلاء والفراغ، لتصبح اللوحة سكتة موسيقية صامتة تحمل في طياتها كثافة الملمس وحرارة الإيقاع.
تتجلى أهمية هذا المشروع الاستثنائي في كونه ينقل الفن العربي من دائرة العرض البصري المباشر إلى فضاء التفكيك والمفاهيمية الشاملة. إنه ليس مجرد معزوفة جديدة ولا معرض تشكيلي بالمعنى التقليدي، هو بيان جمالي يعيد الاعتبار للذاكرة وللمادة المهملة، ويطرح أسئلة عميقة حول كيفية التحام الهوية بالصوت والمكان. تكمن القيمة الكبرى للمشروع في قدرته على منح المتلقي فرصة للتحول من دور المشاهد السلبي إلى فاعل حقيقي يخوض تجربة استثنائية، يستعيد فيها الصلة بين حواسه المتعددة ويستكشف أبعاداً جديدة للإصغاء والتأمل.
حين تخطو أولى خطواتك داخل المعرض، تدرك أنك لا تقف أمام لوحات تقليدية رُسمت بالأساليب المألوفة، إنك تقف أمام مادة عاشت حياة كاملة قبل أن تسكن السطح القماشي. هنا تتجلى فلسفة إعادة التدوير بأبسط صورها وأكثرها عمقاً. أخذ الفنان نُشارة الأخشاب وبقايا عملية صناعة آلة العود، تلك الذرات الهامشية التي خلفها الأزميل والمنشار ليصنع منها قشرة جديدة للأرض. هذه الأخشاب التي اهتزت يوماً لتذبذبات الصوت واحتضنت في أليافها آهات النغمات وزفرات الموسيقيين، لم تندثر وتصبح هباءً إنما أعيد إحياؤها لتولد من جديد في شكل تكوينات تشكيلية تستحضر المقامات وتسترجع الإيقاع. إنها إيمانٌ يتدفق بين جنبات المعرض بأن المادة قابلة دائماً للولادة من جديد حين تُخلط بالوقت وحين يُفرغ الإنسان هشاشته الداخلية ليحولها إلى طاقة جمالية تسر الناظرين.
يتجول الناظر بين جنبات المعرض فيجد نفسه مشدوداً إلى منصات دائرية بيضاء ترتفع عليها آلات العود والساز، بأجسامها الخشبية المصقولة وأوتارها الممتدة المترقبة. تتجاور هذه الآلات مع اللوحات وكأنها الأمهات التي أنجبت هذه الكائنات البصرية. في إحدى اللوحات الممتدة بصورة عرضية، يطغى اللون الأخضر الزيتي المزرق حيث تتداخل ألياف الخشب وتتغضن نتوءاتها لتشبه مجاري الأنهار القديمة أو أوردة الأشجار التي تنبض بالحياة تحت جلد الأرض. تسير بصرك فوق هذه التضاريس الخشنة فتستشعر طاقة المكان وكأن اللوحة تهمس بنغمات دافئة تتدرج من القرار إلى الجواب.
في جانب آخر تتراصف لوحات مربعة تتداخل فيها درجات الذهبي المعتق مع السواد والرمادي الداكن. تبدو هذه الدوائر والأسطح كأنها كواكب سابحة في الفضاء أو أطياف مدن قديمة غابرة غطتها شمس بعيدة، فتركت على جدرانها آثار خطوات وندوب ذكريات. تشعر وأنت تتأملها برغبة جارفة في مد يدك ولمس تلك الحبيبات المتبلورة لتقرأ بأصابعك ما تعجز العيون عن فك رموزه. الملمس هنا ليس مجرد عنصر شكلي إنما هو الشفرة الموسيقية التي تجعل الصمت مرئياً وتجعل النغم مجسماً على القماش.
تكتمل السحرية حين تسوقك خطواتك نحو أعمال مفاهيمية ساحرة تقف أمامها مأخوذاً، وكأن المكان ينبض بالحياة فور اقترابك. وفي قسم مفاهيمي من المعرض تصبح خطوتك هي المفتاح فما إن تقف أمام العمل حتى يولد الصوت تلقائياً وتنبعث مقطوعة موسيقية تجسد المشاعر الإنسانية في أنقى صورها، فتأخذك النغمات الحزينة إلى أغوار شجن دائم، وتنسكب ألحان الفرح لتملأ روحك بالخفة، ويتجلى الحنين والاشتياق والحب في ذبذبات أثيرية تتسلل إلى وجدانك، لتهدأ تلك الموسيقى وتتوقف بسلام في اللحظة التي تقرر فيها المغادرة. هذا التناغم الحيوي جعل الفن تجربة حية تخاطب حواسك الخمس وتنقلك إلى قلب الصوت مباشرة.
وفي لوحة أخرى، تتفجر الألوان في شبكة منقطة بكثافة غاضبة وسعيدة في آن واحد. تمتزج نُشارة الخشب مع ضربات دقيقة من الأحمر والذهبي والأزرق الشاحب، لتخلق انطباعاً بحركة سريعة متسارعة، يشبه ذلك المعزوفات الشرقية السريعة التي تتشابك فيها الأوتار وتتسارع فيها دقات الدفوف. إن تكرار الأثر في هذه اللوحات يوازيه تكرار النبض في الموسيقى، وفي الفراغات الصغيرة بين حبة خشب وأخرى، يكمن ذلك الصمت الصغير الذي يوازي حضور الضوء ويوفر للنغمة مساحتها لتتنفس.
عند التأمل العميق في هذا المشروع الفني، نجد أننا أمام دراسة مفهومية متكاملة لجماليات الوسائط المتعددة. لقد نجح الفنان التشكيلي والموسيقي في إلغاء الحد الفاصل بين الفنون السمعية والبصرية، محولاً المفاهيم الموسيقية المجردة إلى جغرافية ملموسة. السطح الخشن الذي يكتسي بغبار الحياة اليومية يصبح سيرورة للوقت، وكل ومضة ذهبية تمثل احتمالاً لولادة أمل، وكل بقعة زرقاء تفتح نافذة على مجرة داخلية ينطوي عليها كائن إنساني يقتفي أثر المعنى.
التجربة هنا تتجاوز الشكل الجمالي المجرد لتبحث في إمكانات التجدد، وإعادة المعنى لما كان يُعرف بأنه مهمل أو منتهي، لتحوله إلى لغة حب ونور وعي إضافي.
لم يكن لهذه التجربة الفريدة أن تكتمل أركانها وتشرق تفاصيلها لولا تلك الرعاية الكريمة والاحتضان المبتكر من وزارة الثقافة، التي جعلت من هذا الحدث جزءاً أصيلاً من مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للثقافة تحت مظلة رؤية السعودية 2030. إن تنظيم مثل هذه المعارض النوعية في مراكز مثل «فناء الأول» بالرياض يسهم في خلق منصات إبداعية حقيقية، لا تكتفي بتقديم الفن للجمهور، إنما تبني جسوراً من الحوار الثقافي الفاعل والمستمر بين الفنان والمجتمع.
يتسع هذا الحوار من خلال البرنامج الثقافي والفني المصاحب للمعرض، والذي يضم جلسات حوارية تجمع كوكبة من الفنانين والباحثين للمناقشة والتبحر في علاقة الصوت بالمكان والذاكرة والهوية. إنها تجربة تفاعلية متكاملة تثري رحلة الزائر، وتأخذ بيده ليخرج من حدود المشاهد العابر إلى مشارك متأمل يخوض تجربة حسية وفكرية تترسخ في ذاكرته طويلاً. يفتح المعرض أبوابه طوال أيام الأسبوع ليتيح لكل عاشق للفن والموسيقى أن يأتي ويسجل حضوره، مستمتعاً بهذا المزج الساحر بين الأصالة والتجديد.
وحين تتهيأ لمغادرة المكان، وتلقي نظرة أخيرة على اللوحات والآلات المستريحة تحت الضوء الخافت، يظل صدى «ربع التون» يتردد في أعماقك. تدرك حينها أن الفن الحقيقي هو الذي يستطيع أن يغير طريقة رؤيتنا للعالم حولنا. الخشب الذي كنا نمر عليه دون أن نلتفت، أصبح اليوم يحمل ذاكرة النغم، والغبار الذي كنا نطأه بأقدامنا، صار قشرة لكوكب من المشاعر والأحلام. يرحل الزائر وفي قلبه قبس من ذلك النور، ومساحة جديدة من الوعي تذكره دائماً بأنه حتى في أشد لحظات الهشاشة والصمت، هناك دائماً نغمة تنتظر من يكتشفها، ولوحة تتشكل لتمنح الروح أجنحة جديدة تحلق بها في آفاق الجمال والقبول والحب.
** **
X: AL_KHAFAJII