د. عيسى محمد العميري
تشهد الصناعة السعودية تحولًا إستراتيجيًا يعكس طموحات المملكة في بناء اقتصاد إنتاجي أكثر تنوعًا واستدامة، وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي. وأصبحت الصناعة إحدى الركائز الأساسية للتنمية الاقتصادية، لما تمثله من فرص واعدة لزيادة الصادرات، وتوفير الوظائف، واستقطاب الاستثمارات، وتوطين التقنيات الحديثة. وقد أولت القيادة السعودية اهتمامًا كبيرًا بتطوير القطاع الصناعي، من خلال إطلاق المبادرات والبرامج التي تستهدف رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين البيئة الاستثمارية، وتسهيل إجراءات تأسيس المصانع وتوسيع أعمالها. كما ساهمت الإستراتيجية الوطنية للصناعة في رسم مسار واضح لتعزيز القدرات الإنتاجية، وتطوير الصناعات الواعدة، وتحقيق التكامل بين القطاعات الصناعية المختلفة، بما يرسخ مكانة المملكة مركزًا إقليميًا مهمًا للصناعة والتصدير. وتتميز السعودية بامتلاكها مقومات قوية تدعم نهضتها الصناعية، من بينها وفرة الموارد الطبيعية، وتطور البنية التحتية، وتوافر مصادر الطاقة، إلى جانب موقعها الجغرافي الإستراتيجي الذي يربط أسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا. وقد ساعدت هذه العوامل على تعزيز جاذبية المملكة للمستثمرين، وتطوير المدن الصناعية، وتوسيع نطاق الأنشطة الإنتاجية في قطاعات متعددة، تشمل الصناعات الكيميائية والبتروكيميائية، والمعادن، والأدوية، والصناعات الغذائية، والمعدات والتقنيات المتقدمة. ويمثل توطين الصناعات أحد أبرز محاور التطور الصناعي السعودي، إذ تسعى المملكة إلى زيادة المحتوى المحلي، وتعزيز مشاركة الشركات الوطنية في سلاسل الإمداد، وتطوير قدراتها على تصنيع المنتجات التي كانت تعتمد في السابق على الاستيراد. ولا يقتصر أثر هذا التوجه على دعم الميزان التجاري، بل يمتد إلى بناء الخبرات الوطنية، ونقل المعرفة، وتوفير فرص نوعية للشباب السعودي في مجالات الهندسة والتصنيع والبحث والتطوير. وفي موازاة ذلك، تتجه الصناعة السعودية نحو تبني الثورة الصناعية الرابعة، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، وتحليل البيانات، والتقنيات الرقمية في إدارة المصانع وتحسين جودة المنتجات ورفع كفاءة التشغيل. ويسهم هذا التحول في تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات السعودية، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات الوطنية، إلى جانب دعم التوجه نحو الاستدامة وترشيد استهلاك الموارد. كما يشكل دم المنشآت الصغيرة والمتوسطة ركيزة مهمة في توسيع القاعدة الصناعية، عبر تشجيع ريادة الأعمال، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وفتح المجال أمام الموردين المحليين للمشاركة في المشروعات الكبرى. إن الصناعة السعودية ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل مشروع وطني لبناء مستقبل أكثر تنوعًا واستقرارًا. ومع استمرار الإصلاحات والاستثمارات وتطوير الكفاءات، تمضي المملكة نحو ترسيخ اقتصاد قادر على الإنتاج والابتكار والمنافسة عالميًا، بما يحقق مستهدفات رؤية 2030، ويعزز الازدهار، ويدعم مكانة السعودية قوة اقتصادية وصناعية مؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي.
والله ولي التوفيق.
** **
- كاتب كويتي