صبحي شبانة
لم تعد الطاقة في عالم اليوم مجرد مورد اقتصادي تتنافس الدول على امتلاكه، ولا سلعة تعبر البحار في ناقلات النفط والغاز، بل غدت جزءًا من هندسة القوة في النظام الدولي، وعنصرًا تتحدد على أساسه حسابات النفوذ والاستقرار وموازين المصالح، ففي عالم تتداخل فيه الحروب مع الأسواق، وتتحول فيه الممرات البحرية إلى أوراق ضغط، وتغدو فيه سلاسل الإمداد عرضة للاهتزاز بفعل صراع أو قرار سياسي، لم يعد امتلاك الموارد وحده كافيًا لصناعة المكانة، إذ باتت القيمة الاستراتيجية للدول تُقاس أيضًا بقدرتها على إبقاء الإمدادات مفتوحة، وتأمين طرق نقلها، واحتواء الصدمات التي تهدد تدفقها إلى الاقتصادات والأسواق، في قلب هذا الوضع الدولي المضطرب تقف المملكة العربية السعودية، لا باعتبارها قوة نفطية كبرى فحسب، بل بوصفها طرفًا يصعب تجاوز دوره عند البحث في أمن الطاقة العالمي ومستقبل أسواقها، فثقل المملكة لا يستند إلى ما تختزنه أرضها من موارد، وحده، وإنما إلى ما راكمته من قدرات إنتاجية وخبرات تشغيلية وبنية تحتية وشبكة علاقات دولية، وإلى موقعها الجغرافي عند تقاطع طرق التجارة وممرات الطاقة، وهذه العناصر تمنحها قدرة مؤثرة على التفاعل مع تحولات السوق، والمشاركة في إدارة اختلالاته، والتعامل مع ظروف تتجاوز في كثير من الأحيان حدود الاقتصاد إلى حسابات الأمن والسياسة.
والفارق هنا أن الطاقة لم تعد شأنًا منفصلًا عن الجغرافيا أو السياسة، كما لم تعد أسواقها بمنأى عن ارتدادات الصراعات، فاضطراب في ممر بحري قد يرفع كلفة الشحن والتأمين، وتهديد لمنشأة إنتاج قد ينعكس على توقعات الإمدادات، وقرار تتخذه قوة كبرى قد يعيد رسم مسارات التجارة وتدفقات الاستثمار.
وفي مثل هذا العالم، لا تُختبر أهمية الدول بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تستطيع أن توفره من استقرار ومرونة وموثوقية في لحظات الاختبار، ومن هنا تحديدًا تتجلى المكانة الاستراتيجية للمملكة، باعتبارها أحد الأطراف الرئيسية في معادلة لا تتعلق بالنفط وحده، بل بقدرة الاقتصاد العالمي على مواصلة الحركة في عالم تتزايد فيه المخاطر وتتراجع فيه اليقينيات.
إن أي نقاش جاد بشأن مستقبل الطاقة لا يستطيع تجاهل الدور السعودي، ولا يمكنه بناء تصورات واقعية للأسواق من دون أخذ قدرات المملكة وخياراتها ومصالحها في الاعتبار، في وقت تواجه منظومة الطاقة العالمية ضغوطًا مركبة، تتداخل فيها الحروب والتوترات الإقليمية، ومخاطر إغلاق الممرات البحرية، وتقلبات الأسعار، وتنافس القوى الصناعية على مصادر الإمداد، مع التحولات التكنولوجية والبيئية التي تعيد تشكيل أنماط الإنتاج والاستهلاك.
وفي مثل هذا المشهد، تصبح الثقة في الدول المنتجة عنصرًا اقتصاديًا وأمنيًا لا يقل أهمية عن حجم الاحتياطيات أو الطاقة الإنتاجية، لأن الأسواق لا تحتاج إلى النفط والغاز فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى بيئة قادرة على توفيرهما بصورة يمكن التنبؤ بها، وإلى سياسات تحد من الارتباك، وإلى أطراف تمتلك من الثقل والخبرة ما يسمح لها بالمساهمة في معالجة الاختلالات بدلًا من مضاعفتها، ومن هنا تبرز خصوصية الدور السعودي، فالمملكة لا تستمد أهميتها من وفرة النفط وحدها، وإنما من اجتماع الموارد الطبيعية مع القدرة الإنتاجية، والخبرة المؤسسية، والبنية التحتية، والوزن الدبلوماسي، والقدرة على التواصل مع مختلف أطراف السوق الدولية، وهذه العناصر مجتمعة هي التي تمنح الدور السعودي عمقه الاستراتيجي، وتجعله حاضرًا في حسابات الدول المستهلكة والمنتجة على السواء، فاستقرار أسواق الطاقة ليس مصلحة سعودية ضيقة، بل هو شرط من شروط استقرار الاقتصاد العالمي، لأن ارتفاع الأسعار بصورة حادة يضغط على الدول المستوردة، ويرفع تكاليف النقل والإنتاج، ويزيد الأعباء على الأسر والصناعات، فيما تؤدي الانخفاضات الحادة وغير المستقرة إلى إرباك خطط الاستثمار والإنتاج، وتضعف قدرة القطاع على التخطيط طويل الأجل. وبين هذين الطرفين، تتجلى أهمية السياسات التي تسعى إلى الحد من التقلبات المفرطة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، والحفاظ على توازن يمكن للأسواق أن تعمل في إطاره، ولا يعني ذلك أن المملكة تستطيع التحكم منفردة في كل متغير من متغيرات السوق العالمية، أو أن قراراتها قادرة على إلغاء أثر الحروب والعقوبات والتوترات الجيوسياسية، فأسواق الطاقة شديدة التعقيد، وتتأثر بعوامل الإنتاج والطلب والمخزون والنقل والتأمين وأسعار العملات والقرارات السياسية في دول متعددة، غير أن الثقل الإستراتيجي للدول لا يُقاس بامتلاك الموارد وحدها، بل بقدرتها على تحويلها إلى نفوذ مؤثر في حركة الأسواق واتجاهات القرار الدولي، وعلى توظيف خبراتها وإمكاناتها وشبكة علاقاتها في إدارة الأزمات وصياغة الاستجابات التي تفرضها التحولات الكبرى، ومن هذا المنظور، لا تتجسد المكانة الجيوسياسية في فرض الإرادة أو الانفراد بتوجيه الأحداث، بقدر ما تتجسد في امتلاك أوراق تأثير حقيقية، والقدرة على استخدامها بحكمة وتوقيت محسوب، ضمن شبكة من المصالح المتشابكة التي تجعل الدولة شريكًا لا يمكن تجاوزه في لحظت الاستقرار والاضطراب على السواء.
وقد كشفت الأزمات المتعاقبة أن أمن الطاقة لا يتحدد عند آبار النفط أو محطات المعالجة وحدها، بل يبدأ من الحقول والمنشآت، ويمتد عبر خطوط الأنابيب وموانئ التصدير وممرات الملاحة، وينتهي عند المصافي ومحطات الكهرباء ومصانع الإنتاج وأسواق المستهلكين، وأي خلل في حلقة من هذه السلسلة يمكن أن ينتقل أثره بسرعة إلى بقية الحلقات، فيرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويؤخر وصول الإمدادات، ويضغط على الأسعار، ويحول أزمة محلية إلى مشكلة دولية، ولهذا لم يعد الاستثمار في البنية التحتية للطاقة مجرد قرار اقتصادي طويل الأجل، وإنما أصبح جزءًا من منظومة الأمن الوطني، وأداة لتقليل الانكشاف أمام المخاطر، ووسيلة لتعزيز قدرة الدولة على المناورة عندما تتعطل المسارات التقليدية، وفي هذا السياق تكتسب شبكة الأنابيب والبنية اللوجستية السعودية أهمية تتجاوز وظيفتها الفنية المباشرة، لأن خط الشرق- الغرب، الذي يربط مناطق الإنتاج في شرق المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر، يجسد مفهومًا إستراتيجيًا بالغ الأهمية، هو تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على مسار جغرافي واحد، فمضيق هرمز الذي تمر عبره كميات ضخمة من النفط والتجارة البحرية العالمية، يمثل أحد أكثر الممرات حساسية في الاقتصاد الدولي، وأي اضطراب واسع فيه يمكن أن ينعكس على الأسواق في قارات عدة، بينما تظل قدرة الدول على تجاوز الاختناقات الجغرافية محدودة، وتحتاج إلى بنية تحتية واستثمارات وترتيبات تشغيلية ولوجستية متكاملة. ومن ثم فإن وجود مسارات بديلة لا يلغي المخاطر، لكنه يمنح الدولة قدرًا إضافيًا من المرونة، ويحد من ارتهان تدفقات الطاقة لنقطة اختناق واحدة.
غير أن القراءة الإستراتيجية الرصينة تقتضي التمييز بين وجود المسار البديل والقدرة على استخدامه بلا قيود، فخطوط الأنابيب والموانئ ليست حلولًا سحرية تستطيع تعويض جميع المسارات المعطلة بصورة فورية، إذ تظل قدراتها التشغيلية وسعات التخزين ومرافق التحميل وتوافر الناقلات وكلفة التأمين وظروف الملاحة عوامل مؤثرة في حجم ما يمكن نقله فعليًا. كما أن تحويل مسارات التصدير من الخليج إلى البحر الأحمر لا ينهي التعرض للمخاطر البحرية، لأن البحر الأحمر وباب المندب يظلان جزءًا من بيئة جيوسياسية شديدة الحساسية. ولذلك فإن القيمة الاستراتيجية للبنية التحتية السعودية لا تتمثل في ادعاء القدرة على تجاوز كل أزمة، بل في توسيع الخيارات المتاحة، وتعزيز القدرة على التكيف، وتوفير بدائل تقلل من آثار الاضطراب عندما تسمح الظروف التشغيلية والأمنية بذلك، وهنا تتضح العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا والطاقة، فالمملكة تقع في منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة الدولية وممرات النقل البحري، وتجاور نقاط اختناق ذات تأثير مباشر في حركة النفط والغاز والسلع، الأمر الذي يجعل أمنها الطاقي مرتبطًا بقدر كبير بأمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب، وباستقرار البيئة الإقليمية المحيطة، وهذه الحقيقة تمنح السياسة السعودية بعدًا استراتيجيًا يتجاوز إدارة الإنتاج المحلي، لأن حماية تدفقات الطاقة تتطلب فهمًا متكاملًا للتحديات البحرية واللوجستية والأمنية، وتنسيقًا بين قطاعات الطاقة والنقل والدفاع والدبلوماسية، فضلًا عن التعاون مع الدول المعنية بحرية الملاحة وسلامة التجارة الدولية، ومن هذا المنظور يصبح أمن الممرات البحرية مصلحة دولية مشتركة، لا قضية تخص الدول الساحلية وحدها، لأن المستفيد من انسياب التجارة هو الاقتصاد العالمي بأسره. وتزداد هذه المعادلة تعقيدًا عندما تتحول منشآت الطاقة أو طرق الملاحة إلى أهداف في الصراعات الإقليمية، إذ لا تتوقف آثار الاعتداءات عند الأضرار المباشرة التي تصيب المنشآت أو السفن، بل تمتد إلى حسابات المستثمرين وشركات الشحن وأسواق التأمين والمستهلكين، وقد تدفع التهديدات المتكررة إلى تغيير المسارات أو رفع كلفة النقل أو تأجيل الاستثمارات، وهكذا تصبح سلامة البنية التحتية للطاقة جزءًا من الأمن الاقتصادي العالمي، ويغدو استهدافها أو تعطيل الملاحة حولها عاملًا يهدد مصالح دول لا تشارك في الصراع أصلًا، ومن هنا تبرز ضرورة الصل بين الخلافات السياسية وبين سلامة المرافق المدنية والتجارية، والتمسك بمبادئ القانون الدولي وحرية الملاحة وحماية المدنيين، لأن تحويل الطاقة إلى أداة ابتزاز أو ساحة لاستعراض القوة لا يضمن مكسبًا مستدامًا لأي طرف، بل يوسع دائرة الخسائر ويدفع تكلفتها إلى اقتصادات وشعوب بعيدة عن بؤر التوتر.
أما على مستوى إدارة السوق، فقد أثبتت التجارب أن التنسيق بين الدول المنتجة يظل عنصرًا مهمًا في مواجهة الاختلالات الحادة، وهو ما يبرز في أدوار منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» وتحالف «أوبك بلس»، حيث تتداخل اعتبارات توازن العرض والطلب مع متطلبات الاستقرار الاقتصادي ومصالح الدول المنتجة والمستهلكة، وتتمتع المملكة بثقل واضح في هذه المنظومة، لا باعتبارها منتجًا رئيسيًا فحسب، بل بوصفها طرفًا قادرًا على المشاركة في بناء التوافقات والتعامل مع المتغيرات التي تصيب وتؤثر في الأسواق العالمية، غير أن أهمية هذا التنسيق لا ينبغي أن تُقرأ باعتباره وسيلة للتحكم المطلق في الأسعار، لأن حركة السوق تظل محكومة بعوامل متعددة، وإنما بوصفه إطارًا لتبادل الرؤى وإدارة الإنتاج والتعامل مع ظروف تتطلب قرارات جماعية تستند إلى تقدير متوازن للطلب والإمدادات والمخاطر.
وإلى جانب النفط، فإن التحولات الجارية في منظومة الطاقة تشجع المملكة على توسيع رؤيتها الاستراتيجية لتشمل الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين والتقنيات المتقدمة وكفاءة الاستهلاك، وهي مجالات لا تلغي أهمية النفط في الأجل المنظور، لكنها تعيد تعريف طبيعة المنافسة في الأجل الطويل، فالانتقال العالمي إلى أنظمة طاقة أقل انبعاثًا لن يتم بوتيرة واحدة في جميع الدول، ولن تتشابه احتياجات الاقتصادات الصناعية مع احتياجات الدول النامية، كما أن أمن الإمدادات سيظل مرتبطًا بقدرة الدول على توفير الطاقة بأسعار يمكن تحملها، وبناء شبكات وبنى تحتية موثوقة، وتطوير التقنيات اللازمة لتقليل الانبعاثات من دون تعطيل النمو، ومن هنا تبرز أهمية المقاربة التي تجمع بين واقعية احتياجات الحاضر والاستعداد لتحولات المستقبل، بدلًا من التعامل مع أمن الطاقة والتحول الطاقي باعتبارهما هدفين متعارضين بالضرورة.
وتقدم رؤية المملكة 2030 إطارًا أوسع لفهم هذا التحول، إذ لا يقتصر التنويع الاقتصادي على تقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل، وإنما يتصل ببناء قطاعات إنتاجية وخدمية ولوجستية وتقنية قادرة على تعزيز المرونة الاقتصادية وتوسيع فرص الاستثمار، وفي قطاع الطاقة تحديدًا، يمكن للبنية التحتية المتطورة والخبرة الصناعية ورأس المال والقدرة على استقطاب الشراكات الدولية أن تشكل أساسًا للتوسع في مجالات جديدة، من الصناعات المرتبطة بالطاقة إلى التقنيات النظيفة والخدمات اللوجستية والابتكار، وتكمن الأهمية الجيوستراتيجية لهذا المسار في أن القوة الاقتصادية المستدامة لا تُقاس فقط بحجم ما تمتلكه الدولة من موارد، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى معرفة وصناعة وقيمة مضافة وفرص عمل ومكانة مؤثرة في سلاسل الإمداد العالمية.
وفي المحصلة، فإن مكانة المملكة في معادلة الطاقة العالمية لا تُختزل في كونها موردًا رئيسيًا للنفط، ولا في قدرتها على زيادة الإنتاج أو إعادة توجيه جزء من صادراتها عند الضرورة، بل تتجسد في اجتماع الموارد مع الجغرافيا، والخبرة مع البنية التحتية، والقدرة الاقتصادية مع الحضور الدبلوماسي، والرؤية طويلة الأجل مع التعامل العملي مع الأزمات، وهذه العناصر تمنح المملكة وزنًا استراتيجيًا في لحظة يعاد فيها اختبار مفهوم الأمن الاقتصادي، وتصبح فيها موثوقية الإمدادات وحماية طرق التجارة والقدرة على التكيف مع الصدمات من محددات الاستقرار الدولي، فالدول التي تسهم في ضمان استمرار تدفق الطاقة لا تؤدي وظيفة تجارية فحسب، وإنما تشارك بصورة مباشرة في حماية شروط الإنتاج والنقل والتنمية في العالم.
لقد أثبتت التحولات الجيوسياسية أن الطاقة ستظل، لسنوات طويلة مقبلة، أحد ميادين التنافس والتعاون الأكثر تأثيرًا في العلاقات الدولية، وأن الدول القادرة على إدارة مواردها بكفاءة، وتنويع مساراتها، وبناء شراكاتها، والاستثمار في مستقبلها، ستكون الأقدر على حماية مصالحها وتعزيز حضورها، وفي هذه المعادلة، تبدو المملكة أمام مسؤولية تتناسب مع حجم دورها، كما تمتلك من المقومات ما يتيح لها مواصلة الإسهام في استقرار الأسواق وتطوير منظومة الطاقة، لا عبر الاكتفاء بثقلها النفطي التاريخي، بل من خلال توسيع مصادر القوة الاقتصادية والتكنولوجية واللوجستية، وهنا تكمن الرسالة الأعمق لمؤتمر الرياض، وهي أن أمن الطاقة ليس مجرد قضية إنتاج واستهلاك، بل قضية توازن دولي واستقرار اقتصادي ومسؤولية مشتركة، وأن مكانة المملكة في هذا الملف تنبع من قدرتها على الجمع بين ثقل الحاضر والاستعداد للمستقبل، وبين حماية المصالح الوطنية والإسهام في استقرار الاقتصاد العالمي.