عبود بن علي ال زاحم
تخيّل موظفًا أنهى مسودة تقرير كان يحتاج إلى ساعات طويلة لإعداده، خلال دقائق قليلة بفضل الذكاء الاصطناعي. ابتسم وهو يرى الصفحات مرتبة والجداول مكتملة والعبارات مصاغة بثقة. غير أن اللحظة التي ظن فيها أن المهمة انتهت كانت في الحقيقة بداية مهمة أخرى: مراجعة الأرقام، والتحقق من المصادر، واكتشاف التفاصيل التي تبدو صحيحة لكنها قد تقود إلى استنتاج خاطئ.
هنا يظهر سؤال لا يُطرح بالقدر الكافي: هل اختصرت التقنية وقت العمل، أم أنها نقلت جزءًا منه إلى عبء جديد لا يظهر في تقارير الإنتاجية؟ ليس في هذا السؤال اعتراض على الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح أداة نافعة تختصر الأعمال المتكررة وتفتح أمام الموظف مجالًا أكبر للتحليل والإبداع. لكن المشكلة تبدأ عندما نقيس نجاح التحول بعدد المهام التي تنتجها الأنظمة وسرعتها، دون أن نحسب الجهد البشري اللازم لفحص نتائجها، أو المخاطر التي قد تترتب على اعتمادها دون تدقيق.
وفي أكتوبر 2026، كشفت دراسة أجرتها شركة «داتاريلز» على 270 من القيادات المالية في مؤسسات أمريكية كبيرة، أن المشاركين أفادوا بقضاء ما متوسطه 26 % من وقت عملهم في التحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي أو تصحيحها.
هذه النتيجة لا تمثل جميع القطاعات أو الأسواق، لكنها تذكّرنا بأن السرعة وحدها ليست دليلًا كافيًا على الكفاءة.
تخيّل أن يُطلب من موظف إعداد عشرة تقارير بدلًا من خمسة لأنه بات يمتلك أداة ذكية. قد يبدو القرار منطقيًا على الورق، لكن ماذا إذا تضاعف حجم التدقيق، وبقي الوقت المتاح للمراجعة كما هو؟ عندها تصبح زيادة الإنتاج هدفًا يضغط على الجودة بدلًا من أن يرفعها. والأسوأ أن الموظف قد يُحاسب على خطأ في مخرجات لم يكتبها بنفسه، بينما لا تعترف مؤشرات الأداء بالوقت الذي أمضاه في اكتشاف الأخطاء التي لم تصل أصلًا إلى الإدارة.
القيادة الواعية لا تكتفي بالسؤال: كم أنجزنا بفضل الذكاء الاصطناعي؟ بل تسأل أيضًا: ما الذي تحسّن فعلًا، ومن يراجع، ومن يعتمد، وكيف نضمن أن تبقى القرارات قابلة للتفسير والمساءلة؟ وهل استُثمر الوقت الذي وفرته التقنية في تحسين جودة العمل وخدمة المستفيد، أم تبدد في تصحيح النتائج؟
والحل لا يكمن في العودة إلى الأساليب القديمة، بل في إعادة تصميم العمل. نحتاج إلى تحديد مستويات المراجعة بحسب حساسية المهمة، وتدريب الموظفين على التحقق لا على كتابة الأوامر فحسب، وتحديث معايير الأداء بحيث تثمّن جودة القرار واكتشاف المخاطر، لا مجرد سرعة إعداد المستندات.
في النهاية، ليست المؤسسة الأكثر تقدمًا هي التي تُنتج أوراقًا أكثر في وقت أقل، بل التي تتخذ قرارات أفضل بثقة ومسؤولية؛ فالآلة قد تختصر خطوات كثيرة، لكنها لا تُعفي الإنسان من الحكم المهني. وإذا أردنا تحولًا رقميًا ناضجًا، فعلينا أن نحتسب أيضًا قيمة اليد التي تراجع، والعقل الذي يسأل، والضمير الذي يرفض اعتماد معلومة قبل التأكد منها.