عبدالرحمن العطوي
ليست عظمة الأوطان بما تحققه من منجزات كبرى فحسب بل بما تمنحه لمواطنيها من طمأنينة وبما تبديه قيادتها من إحساس صادق باحتياجاتهم وبما تتخذه من قرارات تجعل الإنسان في قلب التنمية وغايتها وفي مقدمة الأولويات مهما تعددت التحديات وتغيرت الظروف.
ومن هذا المعنى الوطني والإنساني العميق جاءت التوجيهات الملكية التي صدرت يوم الأحد الماضي بتوجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود أيده الله بناء على ما عرضه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله متضمنة حزمة من الإجراءات الداعمة للمواطنين بالتزامن مع تعديلات تعريفتي استهلاك الكهرباء والمياه المقرر بدء تطبيقها في الأول من يناير 2027م.
لقد حملت هذه التوجيهات رسالة واضحة مفادها أن المواطن ليس بعيداً عن حسابات القرار وأن ما يمس احتياجاته المعيشية يحظى باهتمام القيادة وأن مسيرة الإصلاح والتطوير لا تنفصل عن مسؤولية تخفيف الأعباء وتعزيز الاستقرار المعيشي للأسر السعودية.
فقد شملت الإجراءات زيادة البدل الشهري بمبلغ خمسمائة ريال للموظفين المدنيين والعسكريين المشمولين بسلالم الخدمة المدنية وبنود برامج التشغيل وكذلك المتقاعدين وأفراد عائلة المشترك أو المتقاعد المتوفى الخاضع لنظام التأمينات الاجتماعية كما تضمنت دعماً شهرياً بمبلغ خمسمائة ريال للأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي وفق الآليات والضوابط المنظمة لذلك وهي إجراءات تعكس حرص القيادة على أن تمتد مظلة الدعم إلى شرائح متعددة من المجتمع وأن تشمل من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن ومن يواصلون أداء واجباتهم ومن يحتاجون إلى دعم يعينهم على متطلبات الحياة.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لهذه القرارات في بعدها الإنساني قبل أرقامها المالية فالخمسمائة ريال التي تضاف إلى دخل موظف أو متقاعد قد تعني مساحة أوسع لتلبية احتياجات أسرته وقد تمثل عوناً في فاتورة أو التزام معيشي وقد تمنح أسرة مستفيدة من الضمان الاجتماعي قدراً أكبر من القدرة على مواجهة متطلبات يومها وما يبدو رقماً في نص قرار قد يحمل في تفاصيل الحياة اليومية معنى أكبر بكثير مما توحي به الأرقام.
وما أجمل أن يشعر المتقاعد الذي أمضى سنوات عمره في خدمة بلاده بأن عطاءه لم يغب عن ذاكرة الوطن وأن الموظف الذي ينهض كل صباح لأداء واجبه شريك في مسيرة البناء وأن الأسرة المستفيدة من الضمان الاجتماعي ليست خارج دائرة الاهتمام بل في صميم مسؤولية الدولة وأن أفراد عائلة المتقاعد المتوفى مشمولون بإجراءات الدعم وفق الضوابط المحددة.
إن هذه المعاني لا تحتاج إلى مبالغة في وصفها ولا إلى عبارات تتجاوز حقيقتها فهي امتداد لنهج راسخ في المملكة يقوم على رعاية المواطن وتعزيز جودة حياته وموازنة متطلبات التنمية مع الاحتياجات الاجتماعية في إطار رؤية وطنية تستهدف بناء اقتصاد قوي ومجتمع حيوي ومستقبل أكثر استدامة.
ولم تقف الإجراءات عند حدود الدعم المباشر بل امتدت إلى العاملين السعوديين في القطاع الخاص من خلال رفع الحد الأدنى للأجر اللازم لاحتساب العامل السعودي كاملاً في نسب التوطين ضمن برنامج نطاقات إلى خمسة آلاف ريال على أن يبدأ التطبيق بعد ستة أشهر من بدء الإجراء ثم إلى ستة آلاف ريال بعد اثني عشر شهراً من تطبيق الزيادة الأولى وهو توجه يعزز مستويات الأجور ويدعم استدامة توظيف المواطنين ويربط بين تحسين الدخل وبناء سوق عمل أكثر قدرة على توفير فرص عمل مناسبة ومستقرة.
وهذا التكامل بين مساندة الأسر ومراعاة المتقاعدين والموظفين ودعم مستفيدي الضمان الاجتماعي والعمل على رفع مستوى الأجور في القطاع الخاص يكشف عن نظرة تتجاوز معالجة الأثر المباشر إلى تعزيز الاستقرار المعيشي على نطاق أوسع فالدعم ليس مجرد مبلغ يصرف بل جزء من منظومة تتفاعل فيها السياسات الاقتصادية والاجتماعية لتخفيف الأعباء وتحسين القدرة على مواجهة متطلبات الحياة.
ولأن القرارات جاءت بالتزامن مع تعديلات تعريفتي الكهرباء والمياه فإن أهميتها تتصل بواقع يعيشه كل منزل وكل أسرة فهذه الخدمات من أساسيات الحياة اليومية وأي تغيير في تكلفتها ينعكس على ميزانية الأسرة بدرجات متفاوتة ومن هنا تأتي أهمية الإجراءات المصاحبة التي تستهدف الإسهام في تخفيف الأثر المترتب على تلك التعديلات وفق ما أعلنته الجهات الرسمية.
إن الوطن الذي يضع الإنسان في صميم اهتمامه لا يكتفي بأن يشرح لمواطنيه مسارات التطوير بل يحرص على أن تصاحبها إجراءات تراعي أثر التحولات الاقتصادية في حياتهم اليومية وهذه إحدى الصور التي تتجلى فيها مسؤولية القيادة حين تقترن القرارات الاقتصادية بالاستجابة الاجتماعية وحين يصبح تحسين جودة الحياة هدفاً عملياً يلمسه المواطن في واقعه.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في هذه التوجيهات أنها تعزز معنى الشراكة بين القيادة والمواطن فالمملكة تمضي بثبات في مشاريعها التنموية الكبرى وتواصل بناء اقتصادها وتنويع مصادره وتطوير خدماته وفي الوقت ذاته تؤكد أن الإنسان السعودي هو أساس هذه المسيرة وأن قوة الوطن لا تقاس بما تمتلكه مؤسساته من إمكانات فحسب بل بقدرتها على حماية الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الثقة بالمستقبل.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن اللفتات الملكية الكريمة ليست غريبة على قيادة جعلت خدمة المواطن ورعاية مصالحه جزءاً أصيلاً من مسؤوليتها وهي امتداد لنهج تتجدد فيه صور العناية وتتعدد أدواتها وفق ما تقتضيه الظروف والاحتياجات وما تتطلبه المرحلة من قرارات تحقق التوازن بين مواصلة التنمية ومساندة المجتمع.
إن المواطن السعودي وهو يتابع هذه التوجيهات يدرك أن قوة العلاقة بين القيادة والشعب لا تصنعها الكلمات وحدها بل تعززها المواقف والقرارات التي تترجم الاهتمام إلى أثر ملموس وأن الانتماء لهذا الوطن ليس مجرد شعور يقال في المناسبات بل ثقة تتجدد حين يرى المواطن أن احتياجاته حاضرة في القرار وأن مستقبله وأسرته واستقراره تحظى بعناية القيادة.
وفي زمن تتسارع فيه المتغيرات الاقتصادية وتزداد فيه مسؤوليات الدول تبرز المملكة نموذجاً في الجمع بين الطموح التنموي والاهتمام بالبعد الإنساني لتظل التنمية أكثر من أرقام ومشروعات ولتكون انعكاساً لحياة أفضل وفرص أوسع ومجتمع أكثر استقراراً وتماسكاً.
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان وأدام على المملكة أمنها واستقرارها وازدهارها وجعل ما يقدم لخدمة المواطن في ميزان حسنات قيادتها.
فحين يشعر المواطن أن قيادته قريبة من احتياجاته وأن كرامته المعيشية موضع اهتمامها تتجاوز القرارات أثرها المالي لتصبح رسالة وفاء وثقة وانتماء وتبقى هذه هي المعادلة الأجمل في وطن جعل الإنسان أساس نهضته والمواطن غاية تنميته والوفاء لأبنائه نهجاً لا يتغير.