«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
أكد صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن التراث الطبي العربي يقدم نموذجًا حضاريًا جمع بين المعرفة العلمية والمسؤولية الأخلاقية والرحمة بالإنسان، مشددًا على أن استعادته لا تعني إحياء الممارسات العلاجية القديمة، بل استلهام القيم التي وجّهت مسيرة الطب، وفي مقدمتها الأمانة العلمية، وصون كرامة المريض، والتحقق من المعرفة وتصحيح الأخطاء.
جاء ذلك خلال افتتاح المؤتمر الدولي الرابع عشر حول تاريخ الطب، الذي استضافته مدينة فاس المغربية يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026م، تحت عنوان «الأخلاق الطبية في التراث العربي وإسهامات مركز الملك فيصل في حفظ ونشر تراثها»، حيث تناول سموه تطور أخلاقيات الممارسة الطبية في الحضارة العربية، مستعرضًا نماذج من مؤلفات الأطباء، وجهود المركز في تحقيق المخطوطات ونشرها وإتاحتها للباحثين.
استهل سموه كلمته بالإشادة بالمكانة العلمية والحضارية لمدينة فاس، وما تمثله من امتداد تاريخي للتواصل المعرفي بين المغرب والمشرق، مؤكدًا أهمية انعقاد المؤتمر في جمع المتخصصين في تاريخ الطب وممارسته حول إرث علمي تتجاوز دلالاته حدود التاريخ إلى قضايا الإنسان المعاصر.
المريض أولًا.. جوهر الأخلاق الطبية
وضع الأمير تركي الفيصل حقوق المريض في صدارة حديثه عن أخلاقيات الطب، موضحًا أن علاقة الطبيب بالمريض تقوم على الثقة والأمانة؛ فالمريض يأتمن طبيبه على آلامه وأسراره، ما يجعل المسؤولية الأخلاقية جزءًا أصيلًا من الممارسة المهنية، لا يقل أهمية عن الكفاءة العلمية.
وأشار إلى أن هذا التصور وجد حضوره في التراث الطبي العربي، الذي لم يفصل بين معرفة علاج الأبدان وتهذيب سلوك الأطباء، بل تناول مسؤولياتهم تجاه المرضى، وواجباتهم في التعلم والبحث والتعامل مع المعرفة.
وفي استعراضه للجذور التاريخية لهذا الإرث، أشار سموه إلى أن العرب عرفوا التداوي قبل الإسلام، وأن كتب الأدب والتراجم حفظت أخبار أطبائهم، قبل أن تتعزز العناية بالطب في ظل الحضارة الإسلامية، التي رسخت قيم الإحسان وتكريم الإنسان، وشجعت على طلب العلاج والرجوع إلى أهل الاختصاص.
كما لفت إلى إسهام علماء الحديث في جمع الأخبار المتعلقة بالتداوي، ومن ذلك كتاب «طب العرب» لعبدالملك بن حبيب الأندلسي، في شاهد على حضور المعرفة الطبية ضمن الاهتمامات العلمية المبكرة.
ومع ازدهار الحركة العلمية في العصر العباسي، اتسعت آفاق الطب العربي عبر ترجمة المؤلفات اليونانية، بما تضمنته من معارف طبية ووصايا مهنية، وأسهم حنين بن إسحاق ومدرسته في نقل جانب مهم منها عبر السريانية إلى العربية، لتبدأ مرحلة جديدة من الشرح والتأليف والنقد والإضافة.
ولم يكن هذا التراكم حكرًا على أتباع دين أو جماعة بعينها؛ فقد شارك في بنائه علماء من خلفيات دينية وثقافية متعددة، جمعتهم العربية بوصفها لغة للعلم والمعرفة. واستشهد سموه بقول سنان بن ثابت بن قرة، رئيس أطباء بغداد في مطلع القرن الرابع الهجري: «الناس منحدرون من قبيل واحد، ومتناسبون تجمعهم الإنسانية»، في تعبير عن البعد الإنساني الذي ينبغي أن يحكم مهنة الطب.
من وصايا الأطباء إلى مسؤولية الممارسة
وتوقف سموه عند انتقال الوصايا الطبية المنسوبة إلى أبقراط إلى الثقافة العربية، وما تضمنته من مبادئ تتصل بحسن معاملة المرضى، وحفظ أسرارهم، والوفاء للمعلم، موضحًا أن هذه المبادئ تفاعلت مع القيم الدينية والخبرات المهنية لتنتج مؤلفات عربية تناولت أخلاق الطبيب من واقع الممارسة والتجربة.
وفي مقدمة هذه المؤلفات كتاب «أدب الطبيب» لإسحاق بن علي الرهاوي، الذي نشره مركز الملك فيصل قبل ثلاثة عقود، ويُعد من أبرز النصوص العربية المبكرة التي أفردت السلوك المهني للطبيب بالبحث والتأليف.
وبيّن الأمير تركي الفيصل أن الغاية من ممارسة الطب تتجاوز امتلاك المعرفة إلى توظيفها في تخفيف معاناة الإنسان، مستشهدًا بتعبير الطبيب علي بن رضوان عن مقصد الطب بأنه «كشف الكرب عن المرضى»، بما ينطوي عليه من استجابة للألم الجسدي وما يصاحبه من قلق ومعاناة نفسية.
كما استحضر وصية الرهاوي للأطباء بألا يميزوا في رعايتهم بين صديق وعدو، أو بين موافق ومخالف، مؤكدًا أن هذا المبدأ يعكس مسؤولية الطبيب في تقديم الرعاية بعيدًا عن الأهواء الشخصية والانحيازات.
وامتد الحديث إلى أخلاقيات التعلم والبحث، إذ شدد سموه على أن تكوين الطبيب لا يكتمل بمجرد تحصيل المعرفة من الكتب، بل يحتاج إلى ملازمة أهل الخبرة، ومواصلة التعلم، ومراجعة النتائج في ضوء التجربة.
واستشهد بوصية عبداللطيف البغدادي: «ولا تظن أنك إذا حصلت علمًا فقد اكتفيت»، بوصفها دعوة إلى عدم الركون إلى ما تحقق من معرفة، في مهنة تتعدد فيها الحالات وتتطلب دقة الملاحظة والتعلم المستمر.
وفي السياق ذاته، عرض موقف أبي بكر الرازي من جالينوس في كتابه «الشكوك على جالينوس»، الذي جمع فيه بين الاعتراف بفضل السابقين وضرورة فحص آرائهم. فقد أقر الرازي بمكانة جالينوس في تكوينه العلمي، لكنه لم يجعل تلك المكانة مانعًا من مراجعة أقواله ونقدها؛ في نموذج يؤكد أن الوفاء للمعلم لا يتعارض مع الأمانة العلمية، وأن احترام التراث لا يعني تعطيل العقل النقدي.
مركز الملك فيصل.. من حفظ المخطوط إلى إحياء المعرفة
وانتقل سموه إلى جهود مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في صيانة التراث الطبي العربي، مؤكدًا أن المخطوطات ليست مجرد وثائق تاريخية، بل شواهد على تطور المعرفة وانتقالها بين البلدان والعلماء، وعلى ما أضافته الأجيال اللاحقة إلى خبرات من سبقوها.
واستعرض نماذج من مقتنيات المركز، من بينها مخطوط «نتيجة الفكر في علاج أمراض البصر» لأحمد بن عثمان القيسي، المنسوخ في مكة المكرمة عام 919هـ، بما يعكس اهتمام الأطباء المسلمين بتشخيص أمراض العين وعلاجها، إلى جانب مختصر للمقالة الجراحية من كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف» لأبي القاسم الزهراوي، نُسخ عام 1129هـ، ويضم رسومًا للأدوات الجراحية.
كما أشار إلى جزء من مخطوط كتاب «التقاط المنافع» لابن الجوزي، الذي يكشف عن امتداد الاهتمام بالصحة إلى مجالات الحياة اليومية والأدب والتدبير، في صورة تعكس تنوع موضوعات المعرفة الطبية في التراث العربي.
وأكد أن حفظ هذه المخطوطات يمثل بداية العمل، فيما تكتمل قيمته بتحقيق النصوص ونشرها وفق مناهج علمية تتيح للباحثين والمهتمين الإفادة منها. وفي هذا الإطار، نشر المركز مجموعة من المؤلفات الطبية التي تمثل جوانب مختلفة من هذا الإرث، منها «نور العيون وجامع الفنون» لصلاح الدين الكحال الحموي، الصادر عام 1406هـ، و«كشف الرين في أحوال العين» لابن الأكفاني، الصادر عام 1412هـ.
تشمل هذه الجهود أيضًا كتاب «مصالح الأبدان والأنفس» لأبي زيد البلخي، الذي نشره المركز عام 1423هـ، ويقدم تصورًا للصحة لا يقتصر على سلامة الجسد، بل يمتد إلى التوازن النفسي والعافية الإنسانية، بما يبرز اتساع النظرة إلى صحة الإنسان في التراث الطبي العربي.
وشدد سموه على أن قيمة هذه الأعمال لا تكمن في تقديم وصفات تاريخية قابلة للاستعادة بمعزل عن تطور العلوم، وإنما في إتاحة فرصة لفهم كيفية تشكل المعرفة الطبية، وتفاعلها مع القيم الإنسانية، وتطور مناهجها عبر النقد والتجربة والتصحيح.
تعاون علمي يصل الماضي بالحاضر
وأكد الأمير تركي الفيصل أهمية التكامل بين المؤسسات البحثية والجامعات وكليات الطب في دراسة التراث الطبي العربي، موضحًا أن حفظ الشواهد التاريخية وتحقيقها يفتحان آفاقًا أوسع لفهم تطور العلوم، فيما تسهم المؤسسات التعليمية والطبية في وصل هذا الإرث بالبحث والممارسة المعاصرين.
وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها الطب؛ إذ تظل قيم احترام المريض، وحفظ أسراره، وتحري الدقة، والاعتراف بالخطأ وتصحيحه، عناصر أساسية في بناء الثقة بين الطبيب والمريض، مهما تغيرت الأدوات والتقنيات.
وفي ختام كلمته، ربط سموه بين أخلاقيات المهنة وأمانة حفظ المعرفة، مؤكدًا أن صون التراث الطبي العربي ودراسته ونشره مسؤولية علمية وثقافية تسهم في حفظ الذاكرة الحضارية، وتعزيز التواصل بين المشرق والمغرب، وإبقاء هذا الإرث متاحًا للأجيال الجديدة.
ودعا إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية والبحثية في خدمة التراث الطبي، بما يوازن بين الاعتزاز بالإنجازات التاريخية والالتزام بالقراءة النقدية المنصفة، ويجعل من المعرفة وسيلة لخدمة الإنسان وصون كرامته.