الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
تنامت في الآونة الأخيرة ظاهرة التخبيب في الأوساط النسائية بشكل كبير، ملفت للنظر، حيث (إفساد المرأة على زوجها) تُعد من أخطر الآفات الاجتماعية والشرعية التي تهدد استقرار الأسرة وتماسك المجتمع، التي حذر الشارع الحكيم منها بشدة، وتترتب عليها آثار مدمرة للكيانات الأسرية.
«الجزيرة» التقت عددا من المختصين في علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية ليشخصوا الظاهرة، ومآلاتها على الفرد والمجتمع.
تضخيم الخلاف
يقول الدكتور خالد بن محمد السرحان: قد لا يبدأ الطلاق داخل غرفة الزوجين، بل برسالة واتساب، أو مكالمة، أو نصيحة تتكرر حتى تتحول إلى قناعة، «لو كنتِ مكاني لطلبتِ الطلاق!»، «أنت تستحق أفضل منها!»، وهكذا يتسلل طرف ثالث إلى العلاقة، فيزرع الشك، ويضخم الخلاف، ويدفع أحد الزوجين إلى رؤية الانفصال حلاً وحيداً.
وهذا هو التخبيب: تدخل يقصد به إثارة الكراهية بين الزوجين أو دفع أحدهما إلى الانفصال، لكنه لا يعني كل نصيحة؛ فالنصيحة التي تهدف إلى الإصلاح أو حماية أحد الزوجين من الأذى تختلف عن التحريض على هدم الأسرة.
آثار الطلاق
ويشدد د. خالد السرحان إلى أنه مع انتشار وسائل التواصل، أصبح هذا التدخل أسرع وأكثر خفاءً، وقد يأتي من قريب أو صديق أو علاقة عاطفية أو حساب مجهول، وقد تُحذف الرسائل قبل أن يراها أحد. ومع ذلك، لا تثبت رسالة واحدة أو محادثة مبتورة المسؤولية وحدها؛ فالعبرة بالسياق والتكرار والهدف والنتائج، وبما تؤيده الأدلة، مشيراً إلى أن المملكة تسجل أعداداً رسمية للطلاق، بلغت 57,595 صكاً عام 2020، لكنها لا توضح كم حالة سبقها تدخل من طرف ثالث، أو بدأ برسالة رقمية، أو ثبت أن له أثراً في الانفصال، وهنا تكمن الحاجة إلى دراسة وطنية تفرق بين الادعاء والواقعة، وتحمي الخصوصية، وتبحث أثر التدخل دون افتراض السببية؛ فآثار الطلاق لا تتوقف عند الزوجين، بل تمتد إلى الأطفال والحضانة والزيارة وحياة أسرة كاملة. فالطلاق له وثيقة، أما ما يسبقه فقد يبدأ برسالة تُحذف أو مكالمة لا تُسجل، لكن إثبات التخبيب لا يكون بالانطباع، بل بالوقائع والأدلة.
خطر على الاستقرار
ويؤكد الدكتور عبدالعزيز بن حمود المشيقح أن التخبيب بين الزوجين ليس مجرد تدخل عابر في شأن أسري خاص، بل سلوك يهدد أحد أهم مكونات البناء الاجتماعي، وهو الأسرة؛ فحين تتدخل امرأة في حياة أخرى فتؤلبها على زوجها، أو تضخم أخطاءه، أو تدفعها إلى النفور منه وطلب الانفصال دون مسوغ معتبر، فإن أثر ذلك قد يتجاوز الزوجين إلى الأبناء والأسرتين والمجتمع من حولهما، مشيراً إلى أن خطورة التخبيب تكمن في أنه يبدأ غالبًا بكلمة أو نصيحة غير مسؤولة أو مقارنة بحياة الآخرين، ثم يتحول إلى زعزعة للثقة، وإثارة للشكوك، وتضخيم للخلافات، حتى يصبح الإصلاح صعبًا بعد أن كان الخلاف في بدايته قابلًا للاحتواء.
ثقافة الإصلاح
ويبين د. عبدالعزيز المشيقح ومن أبرز مآلاته الاجتماعية: ارتفاع حدة النزاعات الزوجية، وتفكك بعض الأسر، واضطراب الأبناء نفسيًا واجتماعيًا، وقطع صلات الرحم، وانتقال الخصومة من الزوجين إلى الأسرتين، فضلًا عن نشر ثقافة التدخل في الخصوصيات الزوجية وإضعاف قيمة الصبر والحوار والإصلاح، ومع اتساع وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات النسائية في الكافيهات والاستراحات، أصبحت بعض المشكلات الزوجية تنتقل من نطاقها الخاص إلى دائرة واسعة من الآراء والتعليقات، وقد تقدم النصيحة أحيانًا ممن لا يعرف تفاصيل المشكلة ولا يملك أهلية الإرشاد، فتكون النتيجة تأجيج الخلاف بدل إصلاحه.
لذلك فإن حماية الأسرة تقتضي ترسيخ ثقافة الإصلاح لا الإفساد، والستر لا التشهير، والنصيحة المتزنة لا التحريض، وأن تُحال المشكلات الزوجية عند تعقدها إلى أهل الحكمة والاختصاص.
فالأسرة قد تبنيها سنوات من المودة والرحمة، وقد تهدم استقرارها كلمة غير مسؤولة قيلت في لحظة غضب؛ ومن هنا كان التخبيب سلوكًا بالغ الخطورة شرعًا واجتماعًا، يستحق التوعية والتحذير من آثاره، ويكفي حديث: (انه لا يدخل الجنة صاحب خبب ) وحديث: (من خبَّبَ زوجةَ امرئٍ، أو مملوكةً فليس منا).
أخطر الآفات
ويشير الدكتور حسن بن سلطان بصفر إلى أن التخبيب من أخطر الآفات الاجتماعية التي تهدد كيان الأسرة، وهو ليس رأياً أو نصيحة، بل هو جريمة مركبة، جريمة شرعية حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، وجريمة اجتماعية تهدم بيتاً آمناً، وجريمة نفسية تزرع الشك والكراهية في قلب الزوجة تجاه شريك حياتها، وقد يكون المحرض أقرب الناس لها: صديقة، قريبة، أو حتى بعض مشاهير وسائل التواصل اللاتي يقدمن محتوى هداماً باسم التمكين.
مآلات خطيرة
ويشير د. بصفر إلى أن مآلات هذه السلوكيات المشينة كارثية على المدى القريب والبعيد:
1 - على المستوى الأسري:
ارتفاع نسب الطلاق والخلع لأسباب تافهة كان يمكن احتواؤها، تشريد الأطفال، وتحويلهم إلى ضحايا لصراعات الكبار، ودخول الأسرة في دوامة المحاكم والقضايا.
2 - على المستوى النفسي:
إصابة المرأة المخببة بحالة من الندم والقلق والاكتئاب بعد انهيار أسرتها، وفقدانها للسند الحقيقي، واكتشافها أن من حرضها تخلى عنها، كما يصاب الزوج بالصدمة وفقدان الثقة.
3 - على المستوى المجتمعي:
نشر ثقافة التمرد الأسري، وإضعاف قيمة القوامة والاحترام المتبادل، وتفشي ظاهرة الطلاق العاطفي قبل الطلاق الرسمي.
ويرجع د. حسن بصفر تنامي الظاهرة لعدة أسباب:
- الفراغ العاطفي وضعف الحوار داخل الأسرة، مما يجعل الزوجة تبحث عن من يستمع لها خارج البيت.
- سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات «الفضفضة النسائية» التي تتحول إلى منصات تحريض.
- ضعف الوعي الشرعي والقانوني، حيث لا تعلم كثير من المحرضات أن التخبيب يعد جريمة يعاقب عليها النظام في المملكة.
- غياب المستشار الأسري المتخصص واللجوء لغير المؤهلين.
الحلول والعلاج
ويختم د. حسن بصفر حديثه مقترحاً خارطة طريق للعلاج، ومنها: حملة توعية أسرية شاملة، وتفعيل دور مراكز الإصلاح الأسري، وتدريب الأخصائيين الاجتماعيين على التدخل المبكر، كما يجب على المرأة أن تدرك أن بيتها سر مقدس لا يباح لكل أحد، وأن تستشير أهل الاختصاص لا أهل التحريض، وعلى الجهات العدلية التشديد في تطبيق عقوبة التخبيب التي تصل للسجن والتعزير، حمايةً للمجتمع من التفكك، مؤكداً أن الحفاظ على الأسرة هو حفاظ على أمن الوطن، فالأسرة هي خط الدفاع الأول.