د. يحيى جابر
مقالاتي دائماً مطولة في عصر الاختصار الشديد للمعلومات، لكنني أفضل تقديم مقالات مطولة لسبب رئيسي، أن هذه المقالات موجهة للقارئ المهتم في البحث والتوسع والاطلاع الأشمل، بطريقة مختلفة ترتكز على المصادر والمفاهيم والنتائج، وهي عبارة عن بحوث مصفرة جداً، ينهل منها القارئ المحترف والمتخصص والإستراتيجي في هذا المجال لبعض المفاهيم والمعلومات الجديدة، وتعيد تنشط الذاكرة واخترت اليوم أن أتحدث عن أمر «هام» وحساس، هو الإعلام الدولي، ويُعرَّف الإعلام الدولي بأنه منظومة من المؤسسات والوسائل والأنشطة الإعلامية التي تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية للدول، لنقل الأخبار والمعلومات والأفكار والرسائل إلى جماهير متعددة الثقافات واللغات، بهدف الإخبار والتفسير والتأثير وتشكيل التصورات تجاه الأحداث والقضايا والشعوب والحكومات، ويشمل القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف ووكالات الأنباء والمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى المؤسسات التي تستخدم الاتصال الجماهيري للتعريف بالدول وسياساتها ومواقفها ومصالحها الاقتصادية والثقافية والسياسية.
التأثير في المجتمعات
وتبرز أهمية الإعلام الدولي في قدرته على الوصول إلى ملايين البشر، وتقديم الأحداث من زوايا مختلفة، والتأثير في فهم المجتمعات للقضايا العالمية، فالرسالة الإعلامية التي تنطلق من دولة قد تتحول خلال دقائق إلى موضوع للنقاش في دول أخرى، وقد تسهم في تشكيل الرأي العام والتأثير في العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، وبناء صورة ذهنية طويلة الأمد عن دولة أو شعب أو مؤسسة، ولهذا أصبح الإعلام الدولي أحد مكونات القوة الناعمة وأداة مهمة في الدبلوماسية العامة والتنافس على التأثير في الوعي العالمي التي لا تقدر بثمن.
التحول الرقمي
وتضاعفت أهمية هذه الوظيفة مع التحولات الرقمية التي غيّرت طبيعة الاتصال الدولي، وأعادت توزيع الأدوار بين المؤسسات الإعلامية التقليدية والمنصات الإلكترونية وصناع المحتوى والأفراد، فبعد أن كان انتقال الخبر بين الدول يعتمد بدرجة كبيرة على المراسلين ووكالات الأنباء وشبكات البث، أصبح الجمهور قادراً على متابعة الأحداث مباشرة، ومقارنة الروايات الإعلامية، ونشر الصور والمقاطع والتعليقات التي قد تتحول بدورها إلى مواد تتداولها المؤسسات الدولية.
ويشير التقرير الرقمي للأخبار لعام 2025م، الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، إلى التحولات المستمرة في طرق استهلاك الأخبار، وتزايد أهمية المنصات الرقمية وشبكات التواصل ومقاطع الفيديو في وصول المعلومات إلى الجمهور، بالتزامن مع تحديات الثقة في الأخبار وانتشار المعلومات المضللة، وتوضح هذه التحولات أن المنافسة الإعلامية الدولية لم تعد مقتصرة على سرعة نشر الخبر أو امتلاك شبكة واسعة من المراسلين، بل أصبحت تشمل القدرة على تقديم معلومات موثوقة، وصياغة رسائل واضحة، وفهم احتياجات الجماهير المختلفة، والوصول إليها عبر المنصات التي تستخدمها، المصدر، معهد رويترز لدراسة الصحافة، جامعة أكسفورد، التقرير الرقمي للأخبار لعام 2025.
صناعة الصورة الذهنية
ويعتمد تأثير الإعلام الدولي على مجموعة من العناصر المتداخلة، أبرزها مصدر الرسالة، ومصداقية المؤسسة الناشرة، وطبيعة المعلومات المقدمة، وتوقيت النشر، واللغة المستخدمة، والسياق السياسي والثقافي الذي يستقبل فيه الجمهور المحتوى. فالخبر الواحد قد يُقدَّم في وسيلة إعلامية بوصفه تطوراً سياسياً طبيعياً، بينما تعرضه وسيلة أخرى باعتباره أزمة أو تهديداً، وقد تختلف العناوين والصور والضيوف والتفسيرات المصاحبة للحدث، فتنتج عنها انطباعات متباينة لدى المتلقين.
وهنا تظهر أهمية التأطير الإعلامي، الذي يعني اختيار جوانب معينة من الحدث وإبرازها ومنحها مساحة أكبر من غيرها، بما يؤثر في الطريقة التي يفهم بها الجمهور القضية، فالتغطية الدولية للحروب والأزمات الاقتصادية والانتخابات لا تتكون من الوقائع وحدها، بل تتأثر أيضاً بترتيب الوقائع، واختيار المفردات، وتحديد المسؤوليات، واستضافة الخبراء، وإبراز بعض الشهادات أو إغفال شهادات أخرى، ولا يعني اختلاف المعالجة الإعلامية بالضرورة وجود تضليل متعمد، لأن المؤسسات تختلف في سياساتها التحريرية ومصادرها والجمهور الذي تخاطبه، غير أن المسؤولية المهنية تقتضي التمييز بين الخبر والرأي والتحليل، والتحقق من المعلومات، وإتاحة السياقات الضرورية لفهم الحدث، وتجنب تقديم التفسيرات السياسية باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل المراجعة.
وعي الجمهور
ومن هنا تبرز أهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية التي تساعد الجمهور على تقييم المصادر، وفهم الرسائل الإعلامية، والتحقق من الصور والمقاطع، والتعرف على أساليب التأثير والإقناع. وتولي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اهتماماً بهذه المهارات، باعتبارها جزءاً أساسياً من تمكين الأفراد من التعامل الواعي مع البيئة الإعلامية والمعلوماتية والمشاركة المسؤولة في الحياة العامة. المصدر، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، أطر التربية الإعلامية والمعلوماتية وإرشاداتها التعليمية، ولا يمكن النظر إلى الإعلام الدولي باعتباره مجرد قناة لنقل المعلومات من دولة إلى أخرى، لأنه يؤدي دوراً يتجاوز الإخبار إلى تفسير العالم أمام الجمهور، فعندما تتكرر تغطية دولة معينة في سياقات الأزمات والصراعات، بينما تحظى إنجازاتها العلمية والاقتصادية والثقافية باهتمام محدود، قد تتشكل لدى الجمهور صورة غير متوازنة عنها، وعلى العكس، فإن التغطية المتنوعة التي تشمل الاقتصاد والثقافة والسياحة والتعليم والابتكار والسياسات العامة تساعد على تقديم صورة أكثر شمولاً.
الإعلام في الأزمات
وتتأثر الصورة الذهنية للدول أيضاً بقدرتها على إيصال رسائلها، وتوفير المعلومات الدقيقة للصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وتنظيم المؤتمرات الصحفية، وإتاحة البيانات، والاستجابة للاستفسارات، وتقديم متحدثين مؤهلين قادرين على شرح السياسات والقرارات بلغة واضحة. فغياب المعلومات الرسمية في لحظات الأزمات يترك مساحة أكبر للتكهنات والتفسيرات المتعارضة، بينما يساعد التواصل المبكر والمنظم على توضيح الحقائق وتقليل الالتباس، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الأزمات الدولية، عندما تتنافس الروايات الإعلامية على تفسير الأحداث وتحديد المسؤوليات، ففي مثل هذه الظروف، تصبح سرعة الاستجابة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها؛ إذ ينبغي أن تستند الرسائل إلى معلومات قابلة للتحقق، وأن تُحدَّث عند ظهور مستجدات، وأن تتجنب المبالغة أو تقديم وعود لا يمكن الوفاء بها. كما أن الاعتراف بعدم اكتمال المعلومات أكثر مهنية من ملء الفراغ بتفسيرات غير مؤكدة.
ترتيب الأولويات
ومن الجوانب المهمة كذلك الدور الذي يؤديه الإعلام الدولي في تشكيل الاهتمامات العامة وترتيب أولويات النقاش، فعندما تمنح المؤسسات الإعلامية قضية ما تغطية متواصلة، وتخصص لها مساحات واسعة، وتستضيف خبراء لمناقشتها، فإنها تزيد احتمال حضورها في اهتمامات الجمهور، لكن ذلك لا يعني أن وسائل الإعلام تتحكم في آراء الناس بصورة مطلقة، لأن الجمهور يستقبل الرسائل من خلال خبراته ومعتقداته ومصادر معلوماته وظروفه الاجتماعية والاقتصادية، وقد ساهمت المنصات الرقمية في تعقيد هذه العملية، إذ أصبح المحتوى يصل إلى الجمهور عبر أنظمة التوصية والخوارزميات التي ترتب المنشورات والمقاطع وفق عوامل متعددة، منها اهتمامات المستخدمين وأنماط تفاعلهم، وقد تساعد هذه الأنظمة على اكتشاف موضوعات جديدة، لكنها قد تحد أيضاً من تنوع المعلومات التي يتعرض لها بعض المستخدمين، خصوصاً عندما تكرر عرض المحتوى المشابه لما سبق أن تفاعلوا معه، ولذلك تزداد أهمية تنويع مصادر الأخبار، والتحقق من المعلومات قبل إعادة نشرها، وعدم الخلط بين كثرة تداول المحتوى وصحته.
المعلومات المضللة
وتظهر خطورة المعلومات المضللة عندما تُستخدم الصور خارج سياقها، أو تُنشر مقاطع قديمة باعتبارها أحداثاً جديدة، أو تُقتطع تصريحات من سياقها، أو تُستخدم حسابات متعددة لتضخيم رواية معينة. وفي مثل هذه الحالات، لا يقتصر الضرر على إرباك الجمهور، بل قد يمتد إلى الإضرار بسمعة الأفراد والمؤسسات، وزيادة التوتر بين المجتمعات، والتأثير في الثقة بالجهات الرسمية والإعلامية، وتتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية التحقق من المحتوى المتداول، كما يتحمل المستخدمون مسؤولية عدم المشاركة في نشر معلومات لم يتأكدوا من صحتها، وتؤكد أهمية هذا الجانب الحاجة إلى تطوير أدوات التحقق الرقمي، وتدريب الصحفيين على فحص الصور والمقاطع والمصادر المفتوحة، وتوضيح حدود المعلومات المتاحة، والتمييز بين الوقائع المؤكدة والادعاءات التي لا تزال قيد التحقق.
الذكاء الاصطناعي
ويُعد الذكاء الاصطناعي من أبرز العوامل التي تؤثر في مستقبل الإعلام الدولي، إذ يوفر أدوات لمعالجة كميات كبيرة من البيانات، والترجمة بين اللغات، وتحليل اتجاهات الجمهور، وتفريغ المقابلات، ومتابعة الأخبار المتداولة، وفي المقابل، يمكن استخدام التقنيات نفسها لإنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية زائفة يصعب على غير المتخصصين اكتشافها، ولهذا تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى سياسات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وآليات للتحقق من المواد المنتجة أو المعدلة رقمياً، وإفصاح مناسب عن استخدام هذه التقنيات عندما يكون ذلك ضرورياً لفهم المحتوى، ولا ينبغي أن يحل التطور التقني محل المسؤولية التحريرية، لأن القرار النهائي بشأن صحة الخبر وسلامة نشره يظل مسؤولية بشرية ومؤسسية.
الحضور الدولي للدول
أما بالنسبة إلى الدول، فإن بناء حضور فاعل في الإعلام الدولي يتطلب استراتيجية اتصال واضحة تتجاوز الرد على الأخبار بعد انتشارها، وتبدأ هذه الاستراتيجية بتحديد الرسائل الأساسية التي تريد الدولة إيصالها، وفهم الجمهور المستهدف، واختيار الوسائل المناسبة للوصول إليه، وتوفير المعلومات بلغات متعددة، وبناء علاقات مهنية مستمرة مع المؤسسات الإعلامية الدولية، كما تتطلب الاستعانة بمتحدثين يمتلكون المعرفة والقدرة على الحوار، وتدريب المسؤولين على المقابلات الدولية، وإعداد بيانات دقيقة وسهلة الفهم، وتقديم معلومات موثقة يمكن للصحفيين الرجوع إليها، ومن المهم أيضاً ألا تقتصر الرسائل على الخطاب الرسمي، بل تشمل قصصاً إنسانية وثقافية وعلمية واقتصادية تعكس واقع المجتمع وتنوع تجاربه. فالتعريف بالدول لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى معلومات قابلة للفحص، وشواهد واقعية، وتواصل مستمر يتيح للجمهور تكوين صورة مبنية على المعرفة.
السعودية والإعلام الدولي
وتبرز المملكة العربية السعودية مثالاً مهماً في هذا المجال، بحكم حضورها السياسي والاقتصادي والديني، ودورها في أسواق الطاقة، ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي، ومشروعاتها التنموية والسياحية والثقافية، وبحثها الدائم عن السلام، ويمنح هذا الحضور الإعلام الدولي اهتماماً واسعاً بالشأن السعودي، ويجعل جودة المعلومات المنشورة عن المملكة عاملاً مؤثراً في فهم الجمهور الدولي لتطوراتها ومواقفها، ومن هنا تبرز أهمية إتاحة البيانات الرسمية، وتوفير المعلومات بلغات متعددة، وتطوير الاتصال المؤسسي، وإبراز التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال معلومات دقيقة وشواهد قابلة للتحقق، إلى جانب التعامل المهني مع الأسئلة والانتقادات، وفي تقديري، فإن نجاح الرسالة الإعلامية السعودية دولياً يرتبط بقدرتها على الجمع بين سرعة الاستجابة وعمق المعلومات، وبين إبراز الإنجازات وتقديم السياق، وبين الخطاب الرسمي والتواصل المباشر مع الصحفيين والجمهور، كما أن الاستثمار في الكفاءات الإعلامية الوطنية بالذات المؤهلة، وتطوير مهارات المتحدثين، ورفع مستوى المحتوى المرئي والرقمي، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الإعلامية الدولية، كلها عناصر تساعد على إيصال الرسالة بصورة أكثر وضوحاً وتأثيراً.
قياس التأثير الإعلامي
ومن الضروري كذلك قياس نتائج الاتصال الدولي بمؤشرات موضوعية، تشمل مدى وصول الرسائل إلى الجمهور المستهدف، ونوعية التغطية الإعلامية، ودقة المعلومات المنشورة، ومستوى التفاعل، والتغير في فهم الجمهور للقضايا المطروحة.
رسائل تصنع الثقة
وفي المحصلة، فإن الإعلام الدولي مساحة واسعة للتنافس على المعلومات والتفسيرات والثقة، وتتشكل قوته من مصداقية رسائله، وقدرته على فهم المجتمعات، واحترام اختلاف الثقافات، والالتزام بالمعايير المهنية، وتبقى الرسالة الأكثر تأثيراً هي التي تقدم معلومات دقيقة، وتشرح سياق الأحداث، وتحترم عقل الجمهور، وتمنحه فرصة تكوين رأيه على أساس المعرفة لا الانطباع وحده.
أخيراً:
أن التعامل مع الإعلام الدولي يحتاج إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تستثمر في الإنسان والمعلومة والتقنية، وتربط الاتصال بالممارسة الفعلية والشفافية، لأن بناء الثقة الدولية عملية تراكمية تتطلب الاستمرارية والاتساق والقدرة على الاستجابة، فالدول التي تفهم طبيعة الرسائل الإعلامية، وتدرك اختلاف الجماهير واحتياجاتها، وتستثمر في الإعلام المهني القائم على الحقائق، تكون أكثر قدرة على شرح مواقفها، وتصحيح المعلومات غير الدقيقة، وتقديم صورتها بصورة متوازنة، وتعزيز حضورها في النقاش العالمي.
كما أن الإعلام الدولي هام للغاية بالنسبة لنا فهناك من يخاطبنا من العالم ولابد أن نخاطب شعوبهم كما يخاطبون شعوبنا، لدينا أمثلة على القناة الروسية ار تي والفرنسية فرانس 24، والألمانية دي دبليو، والأمريكية سي أن أن وغيرها العشرات لدول غير ناطقة بالعربية تخاطبنا بقنواتهم وموظفين ناطقين بالعربية تخدم أجندتهم ويخاطبون شعوبنا، فمن المهم أن يكون لدينا قنوات أيضاً تخاطبهم بلغاتهم وتشرح قضايانا وما نريد تصديره لتلك الشعوب عبر قنوات متعددة ومتخصصة وذات كفاءة عالية وكل الكفاءات موجودة ويظل ضرورة القرار لهذا الشأن الهام دولياً للإعلام.
وفوائد ذلك كثيرة أقلها شرح موقفك وإرسال الرسائل التي تريد إرسالها لهذه المجتمعات والتعريف بثقافتك وبلدك والصورة الجميلة الصحيحة لأعمالنا العظيمة.