«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
بعد نحو أربعة عقود من بقائها بعيدًا عن الجمهور، تعود منحوتات الفنان السعودي الراحل محمد السليم إلى الفضاء العام في الرياض، المدينة التي صُممت هذه الأعمال من أجلها عام 1985، لتستعيد مكانها في المشهد الحضري عبر برنامج «الرياض آرت»، الذي أدرجها ضمن مجموعته الفنية الدائمة، في خطوة تجمع بين صون الذاكرة التشكيلية السعودية وإتاحتها للأجيال الجديدة.
تعود حكاية هذه المنحوتات إلى مشاركتها في مسابقة للفن العام في الرياض، لم تُنصّب أعمالها الفائزة آنذاك في المواقع المخصصة لها، فظلت محفوظة في مرسم الفنان لعقود. وفي عام 2022، اقتنتها الهيئة الملكية لمدينة الرياض، وبدأت أعمال حفظها وترميمها تمهيدًا لإعادتها إلى الفضاء العام، حيث يمكن للجمهور مشاهدتها والتفاعل معها ضمن تفاصيل الحياة اليومية.
تضم المجموعة سبعة أعمال فنية، رُكّب ستة منها في المحطة الغربية على المسار البرتقالي لشبكة قطار الرياض، فيما يُعتزم تركيب العمل السابع، «النافورة الحلزونية»، في وقت لاحق. وتشمل الأعمال التي عادت إلى المشهد العام «الشوكة الخماسية»، و«شرفة»، و«الكرة»، و«المثلثات»، و«برعم الزهرة»، و«الأهلة».
تستلهم المنحوتات عناصرها من البيئة الصحراوية والعمارة النجدية والأشكال الهندسية والرموز الفلكية، في انعكاس للأسلوب التجريدي الذي ميّز تجربة السليم، وارتباطه بالمكان بوصفه مصدرًا للتكوين والرؤية الفنية. وتكشف أعماله عن توجه يتجاوز حدود اللوحة التقليدية إلى استكشاف الكتلة والفراغ والشكل، وتحويل المفردات المحلية إلى تعبيرات بصرية حديثة.
جاءت إعادة إحياء المجموعة ثمرة تعاون في أعمال الحفظ والترميم، بإشراف نجلاء محمد السليم، ابنة الفنان، ومؤسسة دار الفنون السعودية، بما أتاح استعادة هذه الأعمال وإعدادها للعرض العام. وتكمن أهمية الخطوة في أنها لا تقتصر على حماية المنجز الفني من الاندثار، بل تعيد تقديمه إلى الجمهور في سياق معاصر، بعد أن ظل بعيدًا عن المشاهدة المباشرة طوال عقود.
محمد السليم.. أفق الصحراء في لغة الفن الحديث
وُلد محمد السليم عام 1939، ويُعد من أبرز رواد الفن التشكيلي السعودي الحديث، ومن الأسماء التي أسهمت في تأسيس ملامح التجربة التشكيلية المحلية وتطويرها. وأقام أول معرض له في الرياض عام 1967، مستلهمًا في أعماله البيئة السعودية ومشهدها الطبيعي والثقافي.
اشتهر بأسلوبه المعروف باسم «الأفقية»، الذي استلهمه من تأمل الأفق الممتد للصحراء المحيطة بالرياض؛ إذ تحولت خطوط الأرض واتساع الفضاء في تجربته إلى عناصر تشكيلية تعبّر عن المكان والهوية، وتمنح البيئة المحلية حضورًا في لغة فنية حديثة.
وامتد إسهامه إلى بناء البيئة الثقافية الداعمة للفنون؛ ففي عام 1979 أسس دار الفنون السعودية، التي وفرت مساحة للفنانين والمصممين والمعماريين للالتقاء وعرض أعمالهم وتبادل التجارب، في مرحلة شهدت تشكل الحركة التشكيلية السعودية وتنامي حضورها.
ومن هنا، تكتسب عودة منحوتاته أهمية تتجاوز استعادة مجموعة فنية؛ فهي تعيد تسليط الضوء على تجربة رائد تشكيلي سعى إلى وصل الفن بمحيطه المحلي، وفتح آفاق جديدة أمام التعبير البصري المستلهم من البيئة السعودية، من دون الانغلاق عن التحولات الفنية الحديثة.
الفن في قلب المدينة
تندرج إعادة تقديم أعمال السليم ضمن توجه «الرياض آرت»، أحد البرامج الثقافية التي تشرف عليها الهيئة الملكية لمدينة الرياض، ويستهدف إثراء المشهد الحضري بالأعمال الفنية وتحويل الفضاءات العامة إلى مساحات مفتوحة للإبداع والتفاعل الثقافي.
ويمنح وجود المنحوتات في محطة قطار الرياض تجربة السليم حضورًا مختلفًا؛ إذ تنتقل من المرسم إلى فضاء يرتاده السكان والزوار يوميًا، لتصبح جزءًا من المشهد البصري للمدينة، ويغدو الفن متاحًا لجمهور متنوع خارج حدود صالات العرض التقليدية.
كما تعكس هذه الخطوة أهمية توثيق التراث الفني السعودي وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة، ليس باعتباره سجلًا للماضي فحسب، بل رصيدًا ثقافيًا يسهم في تشكيل الحاضر وتعزيز الصلة بين الإنسان ومكانه.
وبعد أربعة عقود من الغياب، تستعيد منحوتات محمد السليم حضورها في الرياض، حاملةً معها فصلًا من تاريخ الفن السعودي الحديث. إنها عودة تصل الفنان بالمدينة التي استلهم منها رؤيته، وتؤكد أن حماية الذاكرة الفنية لا تكتمل بحفظ الأعمال وحده، بل بإعادتها إلى الفضاء الذي يمنحها الحياة ويتيح للأجيال اكتشاف قيمتها.