صبحي شبانة
تظل قيمة الإنسان وأمن الشعوب واستقرارها الغاية الأسمى التي ينبغي أن تحتكم إليها سياسات الدول، مهما تعاظمت قدراتها العسكرية والاقتصادية، ومهما تباينت مشروعاتها الإقليمية وحساباتها الاستراتيجية، فالقوة الحقيقية لا تُقاس بما تملكه الدول من أدوات النفوذ والردع فحسب، وإنما بقدرتها على إدارة خلافاتها بحكمة، وصون مصالح شعوبها، وتجنب القرارات التي يدفع الملايين أثمانها من أمنهم واقتصادهم ومستقبل أجيالهم، ومن هذا المنطلق، تتوجه الدعوة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأن تتعالى إلى كلمة سواء مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج، في نداء يستند إلى حقيقة استراتيجية وأخلاقية راسخة، مفادها أن أمن المنطقة واستقرارها يقتضيان الخروج من دوائر التوتر والشكوك والتهديدات، والانتقال إلى علاقات تحكمها مبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، وإعلاء المصالح المشتركة لشعوب المنطقة على حسابات الصراع ومشروعات الهيمنة، وتستمد هذه الدعوة معناها من قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}، وهي آية كريمة تؤسس لمعنى رفيع في البحث عن أرضية مشتركة، والاحتكام إلى كلمة جامعة تتجاوز أسباب الفرقة، من دون أن تتطلب التخلي عن الثوابت أو تجاهل مواطن الخلاف.
وإذا كان السياق القرآني للآية يتناول الحوار مع أهل الكتاب، فإن استحضار معناها الإنساني والأخلاقي في العلاقات بين الدول يفتح بابًا للتأمل في قيمة الاتفاق على المبادئ التي تحفظ الحياة وتصون الحقوق وتمنع الظلم والعدوان، فالحوار لا يعني ذوبان الفوارق، والتفاهم لا يقتضي تطابق الرؤى، والتعايش لا يستلزم أن تتنازل الدول عن مصالحها الوطنية، وإنما يعني أن تدرك جميع الأطراف أن الاختلاف، مهما اتسعت مساحته، لا ينبغي أن يتحول إلى تهديد دائم لأمن الشعوب أو ذريعة لإشعال الأزمات، والكلمة السواء التي ندعو إيران إلى الالتقاء عندها مع المملكة العربية السعودية ليست عبارة دبلوماسية فضفاضة، ولا مجاملة سياسية عابرة، بل قاعدة واضحة يمكن أن تُبنى عليها علاقة إقليمية أكثر استقرارًا، قوامها الاحترام المتبادل، والالتزام بمبدأ السيادة الوطنية، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها لتحقيق أهداف سياسية، ورفض استغلال الانقسامات المذهبية والطائفية لفرض الهيمنة على دول المنطقة، وهي مبادئ لا تخص دولة دون أخرى، ولا تنتقص من مكانة طرف لحساب طرف آخر، وإنما توفر الإطار الذي تستطيع من خلاله دول المنطقة إدارة خلافاتها من دون أن تتحول أراضيها وشعوبها إلى ساحات مفتوحة للمواجهة.
والمملكة بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي، وبما ترتبط به من مصالح مباشرة في أمن الخليج واستقرار الشرق الأوسط، تدرك أن الحروب لا تُنتج أمنًا مستدامًا، وأن التوتر المتواصل يستنزف الموارد ويعطل التنمية ويضاعف المخاطر على الممرات البحرية والأسواق والطاقة والتجارة، ومن هذا الإدراك يأتي إعلاء المسار الدبلوماسي وخفض التصعيد، وفتح قنوات الاتصال، والبحث عن حلول سياسية تحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهات لا يمكن ضمان حدودها أو نتائجها، فالنهج السلمي لا يعني التغاضي عن التهديدات، ولا التخلي عن مقتضيات الدفاع عن الدولة ومصالحها، وإنما يعني إعطاء السياسة فرصتها، والعمل على معالجة أسباب الأزمات قبل أن تتحول إلى صراعات يصعب احتواؤها، وتكتسب هذه المعاني أهمية خاصة في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة، وما تفرضه من ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، ومن الاكتفاء بالرسائل السياسية إلى بناء تفاهمات قابلة للاستمرار، ففي السادس والعشرين من أكتوبر 2026، شهدت طهران لقاءً جمع مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان بمسؤولين إيرانيين، في إطار مساعٍ تستهدف خفض التصعيد وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم جهود الوساطة التي تضطلع بها قطر وباكستان، وأكدت وزارة الخارجية السعودية أهمية فتح قنوات تفاوض تمنع العودة إلى التصعيد العسكري، وتمهد لاتفاق ينهي الأزمة ويعزز الأمن والسلام في المنطقة والعالم، كما اتفقت الأطراف المشاركة، وفق البيان الصادر عقب اللقاء، على مواصلة الحوار لتعزيز التعاون في مجالي السلام والأمن الإقليميين، وتحمل هذه الخطوة دلالة تتجاوز حدود اللقاء الدبلوماسي نفسه، إذ تؤكد أن أبواب الحوار تظل ممكنة حتى في أشد اللحظات توترًا، وأن الدول المعنية بأمن المنطقة تستطيع أن تبحث عن مساحات مشتركة تحول دون اتساع دائرة المواجهة، غير أن قيمة اللقاءات لا تُقاس بمجرد انعقادها أو بما يصدر عنها من بيانات، بل بما تفضي إليه من نتائج عملية، وما تتركه من أثر في سلوك الأطراف، ومدى قدرتها على وقف أسباب التصعيد وتهيئة الظروف لتسوية مستدامة، فالدبلوماسية تفتح الطريق، لكنها لا تستطيع أن تقطعه نيابة عن الأطراف المعنية، والسلام لا يصبح واقعًا إلا حين تتوافر الإرادة السياسية التي تحوّل التفاهمات إلى التزامات واضحة، وتمنح الثقة المتبادلة فرصة للنمو بدلًا من أن تظل أسيرة الشكوك المتراكمة،
وهنا تتوجه الدعوة إلى طهران بأن تنظر إلى هذه المبادرات باعتبارها فرصة لإعادة بناء الثقة مع محيطها العربي، لا مجرد محطة عابرة في مسار أزمة مؤقتة، فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، والتاريخ لا يمكن محوه، والمصالح المتشابكة بين إيران وجيرانها تفرض قدرًا من التفاهم لا تستطيع المواجهات العسكرية أن توفره، وإيران دولة ذات ثقل إقليمي، ولها مصالح ومخاوف وتصورات استراتيجية، ومن حقها أن تسعى إلى حماية مصالحها بالوسائل المشروعة، لكن هذا الحق يقابله واجب احترام الحقوق والمصالح المشروعة للدول الأخرى، فالأمن لا يكون امتيازًا لطرف يُنتزع من الطرف الآخر، ولا تستقيم معادلة الاستقرار إذا شعرت دولة بأنها مطالبة بالاطمئنان إلى نوايا جيرانها بينما تظل هي نفسها مصدر قلق لهم، الأمن الحقيقي متبادل، وكلما رسخت قواعده بين الدول، تراجعت دوافع التسلح والتوجس، واتسعت مساحة التعاون والتنمية.
أهم ما ينبغي أن تقوم عليه الكلمة السواء أن احترام سيادة الدول مبدأ ثابت لا يخضع للازدواجية أو الانتقائية، فلا يجوز أن يُطلب من دولة احترام استقلال غيرها، بينما تُترك التدخلات في شؤونها الداخلية أو الضغوط على خياراتها الوطنية بلا معالجة، كما لا يمكن بناء علاقات مستقرة في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة خارج مؤسسات الدولة، أو استخدام جماعات عابرة للحدود أدواتٍ لتوسيع النفوذ وفرض الوقائع السياسية، فالدولة الوطنية بمؤسساتها الشرعية وقدرتها على حماية مواطنيها، هي الإطار الطبيعي لصون السيادة وتحقيق الاستقرار، وأي إضعاف لها يفتح المجال أمام الانقسامات والصراعات الممتدة التي يصعب احتواؤها، ولذلك فإن بناء الثقة بين السعودية وإيران يستدعي تفاهمًا واضحًا حول عدم التدخل، واحترام استقلال القرار الوطني، ووقف كل ما من شأنه تهديد أمن الدول المجاورة أو زعزعة استقرارها، ولا تنفصل هذه المبادئ عن البعد المذهبي والطائفي الذي طالما أثقل العلاقات في المنطقة، إذ إن توظيف الاختلافات الدينية والمذهبية في المنافسات السياسية لا يؤدي إلا إلى توسيع الشقاق بين المجتمعات، وإضعاف الروابط التي تجمع شعوبًا تتقاسم الجغرافيا والتاريخ والمصالح، فالمسلمون على اختلاف مذاهبهم، تجمعهم أصول إيمانية مشتركة، وتجمعهم كذلك مسؤولية أخلاقية في صيانة الدماء، وحماية المجتمعات من الفتن، ورفض تحويل الدين إلى أداة في صراعات السلطة والنفوذ، لذلك تبرز أهمية استحضار القيم الإسلامية التي تجعل العدل أساسًا للعلاقة بين الناس، وتدعو إلى الوفاء بالعهود، وتحذر من البغي والعدوان، وتضع حقن الدماء وإصلاح ذات البين في منزلة رفيعة، وليس المقصود أن تُلغى الاختلافات أو أن تتطابق المجتمعات في رؤاها، بل أن تُدار هذه الاختلافات في إطار من الاحترام، وألا تتحول إلى مبرر لتأجيج العداء أو استباحة أمن الآخرين.
وإذا كانت الاعتبارات الأخلاقية والدينية تمنح الحوار معناه الإنساني، فإن الحسابات الجيوسياسية تمنحه ضرورة لا تقل أهمية، فالخليج العربي والبحر الأحمر وبحر العرب وممرات التجارة الدولية تشكل منظومة مترابطة تتأثر أي حلقة فيها بما يحدث في الحلقات الأخرى، وأي تصعيد عسكري في هذه المساحات ينعكس على حركة السفن، وتكاليف التأمين والشحن، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وثقة المستثمرين بالاقتصادات الإقليمية، كما أن تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب لا يقتصر أثره على الدول المطلة عليهما، بل يمتد إلى اقتصادات بعيدة تعتمد على انسياب التجارة والطاقة عبر الممرات البحرية، ولهذا فإن مسؤولية الدول الإقليمية تقتضي حماية حرية الملاحة وفق القانون الدولي، وتجنب تحويل الممرات الحيوية إلى أوراق ضغط في النزاعات السياسية، لأن كلفة التعطيل لا يتحملها طرف واحد، بل تمتد إلى الشعوب والأسواق في أنحاء العالم، لذا لا ينبغي النظر إلى أمن المملكة العربية السعودية باعتباره شأنًا ثنائيًا بينها وبين إيران فحسب، بل باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي والدولي، فالمملكة ترتبط بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والتجارية، وتؤدي دورًا مؤثرًا في أسواق الطاقة، وتمثل ركيزة أساسية في العالمين العربي والإسلامي، وأي تهديد لأمنها أو لمنشآتها الحيوية أو لممراتها التجارية ينعكس على استقرار المنطقة بأسرها، ومن ثم فإن احترام أمن المملكة وسيادتها ليس مطلبًا خاصًا بها وحدها، بل شرط من شروط بناء بيئة إقليمية تستطيع فيها الدول أن تركز على التنمية والتحديث وتحسين حياة مواطنيها، وعلى إيران أن تدرك أن إقامة علاقات مستقرة مع المملكة تفتح أمام المنطقة فرصًا أوسع للتعاون، بينما يؤدي استمرار التوتر إلى استنزاف الموارد وتعميق المخاوف وإضعاف فرص التكامل.
وتقدم التجربة السعودية في السنوات الأخيرة نموذجًا واضحًا لأهمية توظيف الدبلوماسية في التعامل مع التحديات الإقليمية، عبر دعم الحلول السياسية، والانخراط في المساعي الرامية إلى خفض التصعيد، والعمل مع الأطراف الإقليمية والدولية لتوسيع فرص التسوية، ولا يعني ذلك أن الطريق إلى السلام خالٍ من العقبات، أو أن اختلاف المصالح يمكن تجاوزه ببيان أو لقاء واحد، وإنما يعني أن المسار الدبلوماسي يظل ضرورة استراتيجية، وأن الحفاظ على قنوات الاتصال يتيح معالجة الخلافات قبل أن تبلغ نقطة يصعب الرجوع عنها، ومن هذا المنطلق فإن مبادرات الحوار التي تدعمها المملكة تستحق أن تُقابل باستجابة عملية، وأن تتحول إلى مسار متواصل يتجاوز ضغوط اللحظة، ويؤسس لقواعد أكثر ثباتًا في العلاقات الإقليمية، ولعل التحدي الأهم أمام إيران اليوم هو أن تترجم خطابها عن التعاون بين دول المنطقة إلى ممارسات ملموسة تطمئن جيرانها إلى أن هذا التعاون ليس مجرد خيار مؤقت تفرضه الظروف، بل توجه استراتيجي قابل للديمومة والاستمرار، ويمكن أن يبدأ ذلك بخطوات واضحة، تشمل الالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام سيادتها وسلامة أراضيها، والعمل على منع الهجمات التي تستهدف أمنها، ودعم الحلول السياسية للأزمات القائمة، وتعزيز التعاون في أمن الملاحة ومكافحة الإرهاب وحماية البنية التحتية الحيوية، كما يمكن أن تتطور هذه الخطوات إلى آليات اتصال منتظمة، وتفاهمات للإنذار المبكر وإدارة الأزمات، وقواعد عملية لتجنب سوء التقدير والحوادث التي قد تدفع الأطراف إلى مواجهة غير مقصودة، فالثقة لا تُبنى بالنوايا المعلنة وحدها، وإنما بتراكم الأفعال التي تثبت صدقها وتمنحها مضمونًا قابلًا للقياس.
وفي المقابل، فإن نجاح هذا المسار يتيح فرصًا اقتصادية وتنموية واسعة لدول المنطقة، فالموارد التي تُستنزف في سباقات التسلح ومواجهة التهديدات يمكن أن توجه إلى التعليم والصحة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والبنية التحتية، كما أن استقرار البيئة الإقليمية يهيئ الظروف لزيادة الاستثمارات وتوسيع التبادل التجاري وبناء مشروعات مشتركة تخدم مصالح الشعوب، والمنطقة التي تمتلك موقعًا استراتيجيًا وثروات بشرية وطبيعية كبيرة قادرة على أن تكون مركزًا للتجارة والابتكار والربط الاقتصادي بين القارات، إذا استطاعت أن تخفف من أعباء الصراعات وتبني علاقاتها على قواعد واضحة من الاحترام والتعاون، أما استمرار التوتر فيحول إمكاناتها إلى مصادر قلق، ويجعل المستقبل رهينة لتقلبات الأزمات بدلًا من أن يكون ثمرة للتخطيط والعمل المشترك، ولا يعني التوجه نحو الحوار إغفال الخلافات القائمة أو افتراض أن المصالح السعودية والإيرانية متطابقة في جميع الملفات، فلكل دولة حساباتها وأولوياتها، وقد تتباين رؤاهما في قضايا إقليمية عديدة، لكن النضج السياسي يكمن في التمييز بين الاختلاف الذي يمكن إدارته بالحوار والتفاوض، والخلاف الذي يجري تحويله إلى مواجهة مفتوحة تهدد الجميع، ويمكن للدول أن تتنافس اقتصاديًا وسياسيًا، وأن تختلف في تقديرها للأزمات، من دون أن تجعل أمن جيرانها موضع تهديد دائم، كما يمكنها أن تتفق على قواعد تمنع التصعيد حتى حين يتعذر الاتفاق على حلول نهائية لجميع الملفات، فالتفاهمات الجزئية، إذا قامت على أسس متينة، قد تفتح الطريق تدريجيًا أمام تسويات أوسع، وتقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات لا تخدم مصالح أي طرف.
إن الكلمة السواء التي تُدعى إيران إلى الالتقاء عندها مع المملكة العربية السعودية، ينبغي أن تؤسس لمسار استراتيجي جديد، يُترجم النوايا إلى التزامات واضحة، والحوار إلى خطوات عملية، والتفاهمات الدبلوماسية إلى ضمانات راسخة تحمي أمن دول المنطقة وسيادتها، وتضع حدًا لدورات التوتر والتصعيد، فالمطلوب ليس تفاهمًا عابرًا تمليه ظروف مرحلية، بل نهجًا مستدامًا في العلاقات الإقليمية، قوامه احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحسن الجوار، وتغليب مصالح الشعوب على حسابات الصراع والهيمنة، وهي دعوة إلى أن تختار طهران طريق الجوار الآمن بدلًا من علاقات التوجس، والتعاون بدلًا من الاستنزاف، واحترام السيادة بدلًا من التدخل، والحوار بدلًا من التهديد، كما أنها دعوة إلى إدراك أن المكانة الإقليمية لا تُبنى على اتساع دوائر القلق المحيطة بالدولة، وإنما على قدرتها على إقامة علاقات مستقرة مع جيرانها، وعلى الإسهام في حل الأزمات بدلًا من تعقيدها، وعلى تحويل الثقل السياسي والاقتصادي إلى عامل طمأنينة واستقرار، إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تتحدث عن السلام بينما تظل أسباب المواجهة قائمة، بل تحتاج إلى قرارات شجاعة تضع حدًا لدورات التصعيد، وإلى إرادة سياسية تدرك أن كرامة الدول وسيادتها لا تتعارضان مع الحوار، وأن حماية المصالح الوطنية لا تستوجب إدامة الصراع، ومن حق المملكة أن تنعم بالأمن والاستقرار، كما أن من حق الشعب الإيراني أن يعيش في بيئة إقليمية آمنة تتيح له فرص التنمية والازدهار، ومن حق شعوب المنطقة كلها أن ترى مستقبلها محكومًا بآمال البناء لا بمخاوف الحرب.
تعالي إلى كلمة سواء يا إيران، كلمةٍ تجعل احترام السيادة أساسًا للعلاقات، وحسن الجوار قاعدةً للتعامل، والحوار سبيلًا لتسوية الخلافات، وأمن الشعوب غايةً لا يجوز التفريط فيها، فهذه الكلمة لا تطلب من إيران أن تتخلى عن مصالحها المشروعة، وإنما تدعوها إلى إدراك أن مصالحها الأكثر رسوخًا لا تتحقق في محيط مضطرب، وأن أمنها لا ينفصل عن أمن جيرانها، وأن استقرار الخليج والمنطقة لا يمكن أن يُبنى على معادلة القلق والتوتر والتهديد المتبادل، وهي دعوة تلتقي مع النهج السعودي الذي يفتح أبواب الدبلوماسية ويمنح الحلول السياسية فرصتها، وتضع أمام طهران مسؤولية الاستجابة بخطوات عملية تؤكد أن الحوار يمكن أن يتحول إلى واقع، فحين تتقدم الحكمة على الحسابات الضيقة، وتعلو قيمة الإنسان على منطق الصراع، وتصبح السيادة والاحترام المتبادل قواعد لا شعارات، تستطيع المنطقة أن تفتح صفحة جديدة في علاقاتها، صفحة لا تنكر الماضي ولا تتجاهل الخلافات، لكنها ترفض أن تظل أسيرة لهما عندها فقط تصبح الكلمة السواء أكثر من نداء أخلاقي، تصبح عهدًا سياسيًا يحمي الشعوب، ويصون مقدرات الدول، ويمنح الأجيال القادمة فرصة أن ترث منطقة تتسع للحياة والتنمية والتعاون، بدلًا من أن ترث صراعات تتجدد وأزمات تتوارثها الأجيال.