ليلى أمين السيف
تخيّلوا أن تستيقظوا ذات صباح، تمدّوا أيديكم إلى الهواتف فتكتشفوا أن الإنترنت قد انقطع! لا واتساب ولا فيسبوك ولا تيك توك ولا إكس ولا أي تطبيق حكومي أو ترفيهي. لا أحد يعرف ماذا حدث ولا أحد يستطيع أن يسأل أحدا لأن الجميع في الورطة نفسها. أول ساعات الانقطاع ستكون مخصصة لإنكار الحقيقة. وبعد أن نفيق من الصدمة سنعيد تشغيل الهواتف ونفصل أجهزة الإنترنت ونغيّر أماكنها ونضعها قرب النوافذ ونرفعها إلى أعلى نقطة في المنزل ثم نخرج إلى الشارع حاملين إياها كأننا نبحث عن كنز مدفون.
سيقف الناس فوق أسطح المباني وكل واحد يرفع هاتفه في اتجاه مختلف في مشهد يشبه طقوس استدعاء الأرواح لكننا هنا نستحضر إشارة الواي فاي!
للمرة الأولى في التاريخ سيصبح العالم كله متساويا في الجهل ولن يستطيع أحد أن يتفلسف علينا بمنشور طويل عن مؤامرة عالمية. ولعل المفارقة الأجمل أن برامج التنمية البشرية ستتوقف وتُعلّق جلسات التنظير المجاني وتدخل منصات الفتن في إجازة إجبارية وتتوقف المناظرات التي لا تنتهي إلا بانتصار الطرفين على بعضهما!
شيئا فشيئا ستتنفس ميزانياتنا الصعداء وتستعيد عافيتها بعد أن تتوقف مغامراتنا الشرائية التي تبدأ بتخفيض مغرٍ وعبارة «اشتر اليوم وادفع لاحقا». وسنتوقف عن شراء أشياء لا نحتاج إليها لمجرد أن عليها تخفيضا ونكتشف أن خزائننا تصلح لافتتاح متجر وأن أدوات مطابخنا تكفي لتموين مطعم.
سنوفر ثمن اشتراكات التطبيقات التي لا نستخدمها إلا نادرا في حواسيبنا وهواتفنا ولن نقلق بعد اليوم من أن أحدا يتجسس علينا؛ فقد انقطع الإنترنت فارتَحنا وأرحنا.
أما المضحك في الحكاية فهو أن الطوابير ستعود إلى حياتنا وسنقضي يومنا في التنقل بين المكاتب بدل التنقل بين التطبيقات حيث سنقف أمام المصارف ومكاتب الخدمات لتسديد الفواتير وسنحمل الأوراق اللازمة وننتظر دورنا. سيكتشف حينها جيل كامل أن دفع فاتورة الكهرباء يتطلب مغادرة المنزل وارتداء الملابس وركوب الحافلة والوقوف خلف سبعة أشخاص على الأقل ثم العودة إلى البيت لاكتشاف أنك نسيت الفاتورة أصلا.
أما الأطرف من ذلك تلك الخصومات على مواقع التواصل حيث ستنتقل إلى الواقع. سنعود نتضارب وجها لوجه بعد سنوات من الشجاعة خلف الشاشات. سيبحث أحدهم عن خصمه الذي تبادل معه الشتائم ثم يلتقي به في السوق وقد يكتشف أن خصمه الذي وصفه بالجهل والتفاهة يقف أمامه بملامح لا توحي بكثير من الفطنة ونظرات شاردة ووجه لا يبدو أنه خاض يوما معركة فكرية بينما كان خلف الشاشة فيلسوفا لا يُشق له غبار! وأن صاحب النظريات السياسية الخطيرة يقف في الطابور نفسه الذي يقف فيه الجميع لايستطيع التمييز بين حرفي «ظ» و»ض». وربما تنتهي حرب إلكترونية استمرت سنوات بمصالحة عند بائع القهوة أو بمشاجرة حقيقية تجعل الطرفين يترحمان على أيام الحظر الإلكتروني.
ومن حسنات انقطاع الإنترنت أن الكتب ستخرج من عزلتها وقد يكتشف بعضنا أن الكتاب الذي اشتراه قبل عشر سنوات ليس قطعة ديكور وأن القراءة لا تحتاج إلى كلمة مرور ولا تحديث جديد ولا شحن الهاتف.
زد على ذلك أن الزيارات العائلية ستعود وسنطرق أبواب الأقارب بدلا من إرسال صور التهنئة. ستعود المجالس والزيارات المفاجئة وسنكتشف أن لنا أقارب يعيشون على بعد شارعين منا لكننا لم نزرهم منذ سنوات رغم أننا نعرف ماذا تناولوا على الإفطار ومتى ذهبوا إلى الطبيب لأنهم كانوا ينشرون كل ذلك على الإنترنت!
ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن التواصل المنزلي ايضا سيعود إلى عصره الذهبي؛ ستنادي الأم من المطبخ وينادي الأب من غرفة الجلوس ويضطر الأبناء إلى مغادرة غرفهم بعدما يفقدون حصانتهم الرقمية بدلا من رسالة استجداء في مجموعة العائلة كانت تحصد ثلاثة قلوب وخمسة رموز دعاء ولا تحرّك أحدا من مكانه. سيعود النداء المباشر، ذلك الذي لا يمكن تجاهله إلا بالتظاهر بالصمم!!
لكن المصيبة الكبرى ستكون اختفاء عمنا «تشات جي بي تي» هذا الذي أصبح طبيب العائلة ومستشارها القانوني ومترجمها الرسمي وكاتب شكاواها ومحلل أحلامها وخبير علاقاتها العاطفية والوحيد الذي نستشيره عندما لا نعرف كيف نرد على شخص كتب لنا: «تمام».
وسنفتقد خرائط «غوغل ماب» خصوصا صوته الواثق وهو يوجّهنا إلى الطريق حتى لو كان الطريق إلى الربع الخالي. عندها سنكتشف أن عبارة «وصلت إلى وجهتك» قد تكون آخر شيء نسمعه قبل أن نصبح نحن الوجهة التي يبحث عنها الآخرون!!
وستختفي المنصات الرقمية فتعود العائلة إلى التلفزيون ويعود معها تقليد عريق وهو أن يتجمع الجميع أمام الشاشة ثم يبدأ الشجار لأن الأب يريد نشرة الأخبار والأم تنتظر المسلسل والأبناء يريدون مشاهدة أي شيء غير ما يختاره الاثنان!
وفي النهاية لن تكون المشكلة أن العالم توقف عن الاتصال بل أننا كنا متوقفين عن التواصل فعلا. أصبحنا أسرى الشاشات والتطبيقات، نحدّق فيها حتى تعبت أعيننا ونتشاجر خلفها حتى توترت أعصابنا وكأننا دخلنا حروبا سيبرانية لا تنتهي خرجنا منها بآلام الرقبة والظهر وارتفاع الضغط بينما بقيت مشكلاتنا الحقيقية في أماكنها تنتظر من يلتفت إليها.
وربما نكتشف أن الحياة كانت موجودة قبل عبارة «متصل الآن» وأن بعض أزماتنا لا تحتاج إلى تطبيق جديد بل إلى قليل من العقل وكثير من الحركة ورفع رؤوسنا لنرى العالم الذي نسيناه ونحن نتفرج عليه من خلال شاشة.