د. عبدالله علي بانخر
في عالم تحكمه التجاذبات السياسية وتتلاطم فيه أمواج البروباغندا الإعلامية، تبرز الدبلوماسية السعودية كمنارة للثبات والمصداقية.
وجاء ترؤس صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، وزير الدفاع، لوفد المملكة في زيارته الرسمية والعلمية إلى العاصمة الإيرانية طهران، ليرسخ فصلاً جديداً من فصول الحكمة السياسية للرياض، واضعاً حداً حاسماً لظلمات الإشاعات الحوثية والإيرانية المغرضة التي حاولت على مدار الأيام الماضية بث التضليل ومحاولة التشويش على مواقف المملكة الثابتة.
إن هذا الظهور المميز لسمو وزير الدفاع على رأس وفد المملكة في اجتماعات دول «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مع المسؤولين الإيرانيين، يمثل تجسيداً عملياً للنهج السعودي المبارك الذي طالما أصر على أن يسبق الفعلُ دائماً القولَ. فالرياض لا تبني مواقفها على الخطابات الرنانة أو الاستعراض الإعلامي، بل تدير ملفات المنطقة الشائكة بمنطق المبادرة المؤسسية العميقة والخطوات المدروسة بعناية.
مظلة إقليمية راسخة وأهداف علنية
لم تكن التحركات السعودية في طهران خاضعة للتأويلات السرية أو التفاهمات الجانبية، بل جاءت تحت الضوء وفي إطار تنسيق رباعي رفيع المستوى ضم إلى جانب الوفد السعودي، المشير عاصم منير (رئيس أركان الجيش الباكستاني)، وإبراهيم قالن (رئيس الاستخبارات التركية)، حيث التقى هذا الحلف القيادي بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي.
هذه الصراحة الدبلوماسية المتمثلة في قيادة اجتماعات «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» على أرض طهران تشير بوضوح إلى معطيات استراتيجية عدة:
* صناعة القرار من موقع القوة: تثبت الرياض مجدداً للداخل والخارج أنها تتحرك باستقلالية تامة وحرص مطلق على المصلحة العربية والإسلامية المشتركة، غير عابئة بمحاولات المليشيات الحوثية البائسة للاستثمار في الشائعات.
* الفعل الميداني لخفض التصعيد: تجلى مبدأ «الأفعال أولاً» عبر صياغة آليات تنسيق عملية وجادة ومباشرة تهدف لتطويق الأزمات الإقليمية، وتأمين خطوط الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية، وعبر دعم جهود الوساطة المستمرة التي تضطلع بها قطر وباكستان.
* تحجيم مشاريع الفوضى بالحقائق: تهاوت الشائعات والأكاذيب الموجهة فور الإعلان الرسمي والعلني عن طبيعة الاجتماعات ومخرجاتها المتمثلة في السعي الجاد نحو تشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية.
النهج المبارك.. الأفعال تبني الاستقرار
إن إصرار المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، على تغليب الأثر الفعلي والواقعي في سياستها الخارجية، جعل منها صمام الأمان الحقيقي للمنطقة. فبينما تقف الأبواق المغرضة عاجزة عند حدود إطلاق الاتهامات وصناعة الأكاذيب الرقمية، كانت السعودية على أرض الواقع تجمع شتات المواقف، وتقود أطراف «اتفاقية مكة» لصياغة تفاهمات عملية تمنع عودة التصعيد العسكري وتضمن استتباب الأمن.
الريادة والاتزان.. الحكمة السعودية كصمام أمان للمنطقة
يبرهن هذا الظهور القيادي المتميز للأمير خالد بن سلمان في طهران أن حبل الكذب قصير، وأن الماكينات الإعلامية للمليشيات الموجهة لا يمكنها حجب نور الحقيقة أو النيل من ثقة العالم في التوجهات السعودية. إن هذا التحرك يعكس في جوهره عمق الحكمة السياسية التي تتمتع بها القيادة السعودية، وقدرتها الفائقة على إدارة الأزمات الإقليمية المعقدة بنوع من الاتزان والمسؤولية التاريخية التي تفتقر إليها الأطراف الباحثة عن الفوضى والتصعيد.
لقد أرادت الأبواق المغرضة تصوير المشهد كحالة ضعف أو ارتباك، فحجمت الرياض هذه الادعاءات بتحويل الحدث بفعلها قبل قولها إلى منصة علنية لفرض التهدئة، وصياغة معادلة أمنية جديدة تخدم الاستقرار الإقليمي والعالمي.
هذا الدور المحوري للمملكة كركيزة أساسية وصمام أمان للمنطقة يثبت للعالم أجمع أن الدبلوماسية السعودية لا تنجرف وراء المهاترات، بل تكتب تاريخ الشرق الأوسط برؤية واثقة، وخطى راسخة، وأفعال مباركة تطرد ظلمات الزيف وتشرق بنور الاستقرار المستدام.