تُمثل الشركات العائلية أحد أهم روافد الاقتصاد السعودي، فقد أسهمت على مدى عقود في بناء قطاعات التجارة والصناعة والعقار والخدمات، وتحولت العديد منها من مؤسسات صغيرة إلى مجموعات اقتصادية كبرى توفر آلاف الوظائف. غير أن هذه الشركات تواجه تحديًا لا يقل أهمية عن التأسيس والنمو، يتمثل في قدرتها على الاستمرار والانتقال الآمن بين الأجيال، والمحافظة على ثروات تراكمت عبر عقود طويلة.
تكشف الدراسات عن الأهمية الاقتصادية لهذه الشركات؛ إذ تشير دراسة نشرها المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال «إنسياد» عام 2025 إلى أن الشركات العائلية تمثل نحو 95 % من الشركات في المملكة، وتسهم بنحو 27 % من الناتج المحلي. وعلى المستوى العالمي، تشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى مساهمة الشركات العائلية بأكثر من 70 % من الناتج المحلي العالمي، وتوفير نحو 60 % من فرص العمل، وهي أرقام تعكس أهمية استمرارية هذه الكيانات.
لكن هذه الأهمية تقابلها تحديات في الحوكمة وتعاقب الأجيال؛ إذ تشير بيانات منسوبة إلى المركز الوطني للمنشآت العائلية في التقرير السنوي لوزارة التجارة لعام 2023 إلى أن نحو 75 % من المنشآت العائلية لا تمتلك ميثاقًا عائليًا ينظم العلاقة بين الملاك والإدارة، وهو مؤشر يستحق الاهتمام مع انتقال الملكية من المؤسسين إلى الأبناء والأحفاد.
ولعل أخطر ما يواجه بعض الشركات العائلية أن كيانات اقتصادية بُنيت خلال عقود قد تتعرض للتراجع أو التفكك نتيجة الخلافات بين الورثة، وتداخل الملكية بالإدارة، وغياب القواعد المنظمة لاتخاذ القرار. وقد تنتهي هذه الخلافات بتصفية الشركات أو بيع أصولها، فتضيع معها استثمارات وخبرات تراكمت عبر سنوات طويلة.
ولا تتوقف آثار تعثر الشركات العائلية عند أفراد الأسرة، بل تمتد إلى العاملين والموردين والممولين والاقتصاد الوطني، ولذلك فإن المحافظة على استمراريتها ليست شأنًا عائليًا فحسب، بل قضية اقتصادية وطنية.
وقد أدركت المملكة أهمية المحافظة على هذه الكيانات، فاتخذت خطوات تنظيمية مهمة، أبرزها إصدار وزارة التجارة الميثاق الاسترشادي للشركات العائلية، ثم صدور نظام الشركات الجديد الذي أتاح تنظيم الملكية والإدارة من خلال مواثيق واتفاقيات وفق الضوابط النظامية. كما يضطلع المركز الوطني للمنشآت العائلية بدور مهم في نشر ثقافة الحوكمة وتعزيز التحول المؤسسي وإعداد خطط تعاقب الأجيال.
وإذا كانت الشركات المساهمة المدرجة تحظى باهتمام تنظيمي ورقابي يعزز حوكمتها ويحمي حقوق مساهميها، فإن هناك شركات عائلية غير مدرجة تضاهي بعض الشركات المدرجة، بل تتجاوزها في رؤوس أموالها واستثماراتها وتأثيرها الاقتصادي، مما يبرز أهمية دراسة إطار حوكمة ملزم ومتدرج يتناسب مع حجم هذه الشركات وطبيعة نشاطها.
غير أن الأنظمة والتشريعات لا تكفي وحدها لضمان الاستمرارية، ما لم تبادر الشركات العائلية إلى إنشاء مجالس إدارة فاعلة، والفصل بين الملكية والإدارة، ووضع سياسات واضحة لتوزيع الأرباح، واختيار القيادات وفق الكفاءة، وإيجاد آليات عادلة لتسوية الخلافات.
والأهم أن تبدأ الحوكمة في حياة المؤسس، لا بعد وفاته، من خلال تنظيم العلاقة بين الورثة، وإعداد الجيل القادم للقيادة، بما يضمن استمرارية الشركة والمحافظة على ثروتها عبر الأجيال.
ومن هذا المنطلق، نطلق نداءً وطنيًا للمحافظة على الشركات العائلية السعودية باعتبارها ثروة اقتصادية تستحق الحماية، وندعو وزارة التجارة والمركز الوطني للمنشآت العائلية والجهات المختصة إلى دراسة تطوير متطلبات حوكمة ملزمة للشركات العائلية الكبرى، تشمل تنظيم انتقال الملكية والإدارة، وتفعيل مجالس الإدارة، وإعداد المواثيق العائلية، ووضع آليات لتسوية النزاعات، مع تعزيز برامج التوعية والتأهيل.
إن الهدف ليس التدخل في الملكيات الخاصة، وإنما حماية كيانات اقتصادية وطنية تمثل استثمارات ووظائف وخبرات تراكمت عبر عقود، والمحافظة على دورها في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
فقد ينجح المؤسس في بناء إمبراطورية اقتصادية خلال نصف قرن، لكن غياب الحوكمة قد يبدد ما بناه خلال سنوات قليلة؛ فالمسؤولية الحقيقية لا تكمن في توريث الثروة وحدها، بل في توريث مؤسسة قادرة على الاستمرار.
** **
- عبدالله صالح الشماسي