ناصر بن فريوان الشراري
ليست كل الزيارات السياسية بما تقوله بياناتها، فبعض الوفود تحمل في تشكيلها من الرسائل ما هو أبلغ من الكلام، وحين يصل الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، ومعه المشير عاصم منير قائد الجيش الباكستاني، وإبراهيم قالن رئيس الاستخبارات التركية، إلى طهران للجلوس مع الرئيس الإيراني وكبار المسؤولين الأمنيين، فإن المشهد يتجاوز المجاملات الدبلوماسية، ليضع إيران أمام حقيقة جديدة، وهي أن المنطقة التي أنهكتها الحروب باتت تمتلك قوة تتحدث بلسان السلام، ولكنها تعرف جيداً معنى الردع.
أرى أن اجتماع السادس والعشرين من أكتوبر لم يكن زيارة لالتقاط الصور، بل أول اختبار سياسي جاد لاتفاقية مكة للدفاع المشترك، تلك الاتفاقية التي جعلت الاعتداء على أحد أطرافها اعتداءً على الجميع، وما يستحق التأمل هنا أن الدول التي بنت مظلة للدفاع عن نفسها لم تتجه أولاً إلى طهران لاستعراض السلاح، بل لفتح باب الحل، وهي رسالة ذكية تقول إن القوة لا تكون في إطلاق النار وحده، وإنما في القدرة على منعه من دون التفريط بالأمن والسيادة.
ولعل أهم ما يُقرأ خلف هذا المشهد هو توقيته، فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتحدث عن استكمال المهمة، وبنيامين نتنياهو يعلن صراحة رغبته في إسقاط النظام الإيراني، فيما تتداول وسائل إعلام أمريكية خيارات عسكرية شديدة القسوة، من بينها احتمال استخدام «أم القنابل» ضد أهداف إيرانية، وهي خيارات لم تتحول إلى قرار معلن، لكنها تكفي لإدراك أن المنطقة لا تقف أمام مجرد حرب تصريحات، وأن أي جولة جديدة قد تكون أوسع تدميراً وأعقد نهاية من كل ما سبقها.
من هنا أقرأ زيارة الوفد على أنها محاولة لإيصال حقيقة ثقيلة إلى صانع القرار في طهران، مفادها بأن الوقت لا يعمل لمصلحة إيران كما قد يتصور بعض قادتها، وأن الفرق كبير بين الصمود في الخطاب وبين القدرة على حماية الدولة من حرب استنزاف قد تمس منشآتها واقتصادها ومؤسساتها، فالرهان على أن الخصم سيكتفي بالتهديد، أو أن الجوار سيتحمل نتائج التصعيد إلى ما لا نهاية، رهان لا يبدو مأمون العواقب.
لكن ما الذي يمكن أن يكون قد دار في الاجتماع بعيداً عن البيان المقتضب؟ ليس بين أيدينا محضر الغرف المغلقة، غير أن طبيعة الأزمة تسمح بقراءة ما لا يمكن أن تنجح تسوية بدونه، وفي مقدمته معالجة حقيقية للملف النووي، بما يشمل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب وضمانات التحقق منه، ووضع قيود جدية على الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة المهددة للجوار، ووقف تسليح الأذرع التي حوّلت سيادة بعض الدول العربية إلى ساحات تصفية حسابات، وهذه ليست شروطاً أعلن الوفد تفاصيلها، وإنما، في تقديري، ملفات لا يستطيع أي اتفاق قابل للحياة أن يتجاوزها.
التسوية، بطبيعة الحال، ليست مطالبة طرفاً بالتنازل من دون مقابل، فإيران تتحدث عن الحصار والعقوبات، والولايات المتحدة تتمسك بقيود على التخصيب، وهنا تحديداً تظهر قيمة الوساطة الإقليمية، إذ يمكن تحويل تبادل الاتهامات إلى خطوات متدرجة ومضمونة، وقد تحدثت تقارير عن طرح باكستاني يحاول تقريب المواقف، مع احتمال أن تؤدي دول اتفاقية مكة وقطر دور الضامنين، أما نجاح ذلك فمرهون بأفعال يمكن قياسها، لا بعبارات حسن النيات التي سرعان ما تتبخر عند أول صاروخ.
لا أعتقد أن ملفات الجلسة توقفت عند اليورانيوم وحده، فما قيمة اتفاق نووي إذا بقيت الصواريخ والمسيّرات تعبر الحدود، أو ظل مضيق هرمز رهينة للتوتر، أو استمرت جماعة الحوثي في تهديد أمن المملكة ومرافقها؟ هنا نفهم لماذا ذهب وزير دفاع، وقائد جيش، ورئيس جهاز استخبارات، فالأزمة لم تعد ملفاً دبلوماسياً منفصلاً عن الأرض، وإنما شبكة أمنية متداخلة تحتاج من يملك القرار والمعرفة والقدرة على تنفيذ الالتزامات، ومن يضمن أن الاتفاق إذا وُقّع فلن يبقى حبراً على ورق.
وقد يسأل سائل: ما الذي خرج به الاجتماع إذا كان البيان الختامي لم يتجاوز الاتفاق على مواصلة المشاورات؟ وفي رأيي أن هذا هو الامتحان الأول لا النتيجة الأخيرة، فالبيان لم يعلن اتفاقاً نووياً، ولم يعلن قبولاً إيرانياً بتفكيك سلاح أو التخلي عن أذرع، ولهذا سيكون من الخطأ تصوير الزيارة كأنها أنجزت التسوية، لكن من الخطأ أيضاً الاستهانة بإبقاء قناة حوار بين دول تملك وزناً عسكرياً وسياسياً وبين إيران في لحظة تقترب فيها المنطقة من حافة أخطر، لقد وُضعت المسؤولية أمام طهران، وبقي أن نرى هل ستتعامل مع الفرصة باعتبارها مخرجاً أم مهلة مجانية.
في العراق يطل مشهد لا يقل دلالة، فقد تحوّل قرار بغداد بإغلاق منفذ الشيب مع إيران إلى اختبار مباشر لسلطة الدولة، بعدما تجاوز اعتراض بعض المسؤولين المحليين حدود المطالبة إلى التهديد بالعصيان وقطع الطرق وعزل ميسان عن بقية العراق، وهنا أعاد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي المسألة إلى موضعها الصحيح، فقرار الحدود اختصاص اتحادي لا تُلغيه المهَل ولا يُنتزع بالوعيد، وقد وجّه بالتحقيق مع رئيس مجلس المحافظة وأعقب ذلك صدور أمر قضائي بالقبض، في رسالة واضحة بأن هيبة الدولة ليست موضع مساومة، وأن من يختلف مع قراراتها يملك حق الاعتراض السلمي، أما من يهدد بقطع الطرق وشلّ المحافظات وفرض إرادته فوق المؤسسات فيجب أن يواجه المساءلة الحازمة وفق القانون، فالعراق لا يصون استقلال قراره بقرارات الحدود وحدها، بل حين يُثبت أن الكلمة الأخيرة لدستوره ومؤسساته، لا للتهديد ولا للضغوط العابرة للحدود.
أعود إلى طهران، لأن السؤال الذي ينبغي أن يشغل قادتها ليس ما إذا كانت السعودية تريد لهم البقاء أو الرحيل، بل لماذا تبذل الرياض هذا الجهد لمنع الحرب؟ والجواب في نظري أن المملكة تدرك أن انهيار دولة بحجم إيران لن يقف عند حدودها، وأن الحرب حين تنفلت لا تميز بين مَن أشعلها ومَن حاول إطفاءها، ولهذا فإن مد يد الإنقاذ ليس شهادة براءة للسياسات الإيرانية، بل دفاع عن أمن الإقليم وشعوبه ومستقبله، وفي مقدمتها أمن المملكة الذي لا يقبل المساومة.
وهنا تتجلى عظمة السعودية وثقلها الحقيقي، فهي لا تقرأ المنطقة من ثقب بندقية ولا تكتفي برد الفعل، بل تبني تحالفات الردع وتفتح مسارات التفاوض في الوقت نفسه، وتقود بحكمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ورؤية ولي عهده الأمير محمد بن سلمان سياسة تعرف متى تُشهر قوة الموقف ومتى تمد يد السلام، وقد ذهب الأمير خالد بن سلمان إلى طهران من موقع دولة تعرف قدرها وتدرك مسؤوليتها، لا لتستجدي هدوءاً مؤقتاً، بل لتمنح المنطقة فرصة تجنب كارثة كبرى، وإذا كان في المشهد من رسالة أخيرة فهي أن السعودية اليوم ليست رقماً في معادلة الشرق الأوسط، بل ثقله الوازن وبوابته التي لا يمكن تجاوزها، فمن أراد أمناً حقيقياً وحلاً قابلاً للبقاء، فعليه أن يدرك أن الطريق إلى استقرار المنطقة يمر عبر الرياض.