د. صالح بن إبراهيم السكاكر
لماذا يولد إنسان فقيرًا ثم يموت ثريًا، بينما يولد آخر ثريًا ثم يموت فقيرًا؟ ولماذا يستطيع إنسان أن يصنع من فكرة صغيرة ثروة عظيمة، بينما يعجز آخر عن صناعة شيء رغم امتلاكه المال والفرص والعلاقات؟ وهل الثروة نتيجة ما نجمعه طوال حياتنا، أم نتيجة ما نبنيه في داخلنا قبل أن نبنيه خارجنا؟
ربما كان الخطأ الأول في فهم الثروة أننا اختزلناها في المال، ثم اختزلنا المال في القدرة على جمعه، حتى أصبحنا نقيس نجاح الإنسان بما يملك، لا بما يستطيع أن يصنع أو ينتج. والحقيقة أن المال قد يكون نتيجة الثروة، لكنه ليس بالضرورة مصدرها؛ فقد يمتلك الإنسان الملايين دون أن يمتلك العقل القادر على المحافظة عليها، وقد لا يمتلك شيئًا سوى فكرة وعقل وإرادة وشغف، لكنه يحمل في داخله مقومات ثروة لم تولد بعد.
فالمال لا ينشأ بمعزل عن الإنسان الذي يسعى إليه؛ إذ تتشكل نظرته إلى العمل والمخاطرة والإنفاق منذ طفولته، ثم تعيد التربية والبيئة والتجارب صياغة قناعاته مع مرور الزمن، وما يبدو قرارًا اقتصاديًا خالصًا قد يكون في عمقه امتدادًا لخوف قديم أو طموح نما بصمت.
وأتساءل: هل الفقر حالة نعيشها، أم طريقة تفكير قد تستمر في داخلنا حتى بعد أن نصبح أثرياء؟ وهل الغنى مقدار ما نملك، أم قدرتنا على إنتاج ما لم نكن نملك؟
قد يرث الإنسان مالًا عظيمًا، لكنه يرث أيضًا تصورات عن العمل والمبادرة تجعل الثروة في نظره شيئًا يُستهلك لا شيئًا يُصنع. وقد ينشأ آخر في بيئة فقيرة، ثم يعيد بالوعي والتعلم والتجربة تشكيل نظرته إلى الممكن، فيتحول الفقر من واقع يستسلم له إلى ظرف يسعى إلى تجاوزه. فالفقر ليس فضيلة في ذاته، كما أن الغنى ليس دليلًا على التفوق، لكن الفارق الحقيقي يكمن في الكيفية التي يتعامل بها الإنسان مع ظروفه، وفي قدرته على ألا يسمح لماضيه أو حاضره بأن يحتكر مستقبله.
إن أول ثروة يصنعها الإنسان ليست في حسابه المصرفي، بل في عقله؛ لأن المال الذي لا يقف خلفه عقل قادر على إنتاج القيمة قد ينفذ، أما العقل الذي تعلم كيف ينتج القيمة فيستطيع أن يخلق فرصًا جديدة حتى بعد الخسارة. غير أن العقل، مهما اتسعت قدرته، لا يصنع الثروة في عزلة؛ فالفكرة تحتاج إلى من يؤمن بها، والمهارة إلى من ينتفع بها، ومن هنا تتجلى قيمة العلاقات الإنسانية.
أعتقد أن واحدة من أعظم الثروات التي قد يمتلكها الإنسان هي علاقاته بالآخرين، لا بمعنى كثرة المعارف أو القدرة على الوصول إلى أصحاب النفوذ، بل بمعنى امتلاك ما أسميه الذكاء الاجتماعي المنتج؛ أي القدرة على فهم الإنسان، وبناء الثقة، وإدراك المصالح المشتركة، وتحويل العلاقات الإنسانية إلى فرص ينتفع منها الجميع.
فالإنسان لا يصنع الثروة في عزلة مطلقة؛ إذ يحتاج إلى من يثق به، ومن يعمل معه، ومن يختلف معه، وربما إلى من ينتقده فيكشف له خطأ لم يكن يراه. وقد يملك إنسان فكرة عظيمة، لكنه يعجز عن إقناع الآخرين بها، بينما يمتلك آخر فكرة أقل تميزًا، لكنه يستطيع أن يجمع حولها العقول والمهارات والموارد، فيحولها إلى مشروع ناجح. ولعل السؤال الأعمق هنا: هل نصنع علاقاتنا وحدنا، أم أن هذه العلاقات تعيد بدورها تشكيل رؤيتنا إلى أنفسنا والعالم؟
إن العلاقة الجيدة لا تمنحنا فرصة اقتصادية فحسب، بل قد تعيد تشكيل نظرتنا إلى العالم، فقد يغير لقاء واحد طريقة تفكيرنا، وقد تفتح كلمة واحدة بابًا ظل مغلقًا سنوات، وقد يكون الإنسان الذي نختلف معه أكثر أثرًا في تطورنا من الإنسان الذي يوافقنا دائمًا. لكن العلاقات التي تُبنى على المنفعة المجردة سرعان ما تفقد قيمتها؛ لأن الثقة ليست سلعة تُشترى، وإنما رصيد يتراكم بالصدق والوفاء والاحترام. ومن لا يستطيع أن يكون ذا قيمة في حياة الآخرين، يصعب عليه أن يبني ثروة مستدامة من خلالهم.
وإذا كانت العلاقات تفتح أمامنا أبواب الفرص، فإن المهارات هي ما يجعلنا قادرين على عبورها؛ فهي ثروة لا يستطيع أحد أن يسلبها منا بسهولة. فالمال قد يُفقد، والمشروع قد يفشل، والسوق قد يتغير، لكن المهارة المتجددة تمنح صاحبها قدرة على النهوض من جديد. ومع ذلك، فإن امتلاك المهارات دون معرفة أين وكيف ومتى نستخدمها قد يجعلها مجرد قدرات معطلة.
ولهذا فأن الثروة لا تصنعها المهارة وحدها، وإنما يصنعها اجتماع ثلاثة عناصر: أن تعرف شيئًا، وأن تجيد فعله، وأن تدرك كيف تحول إجادته إلى قيمة مضافه يحتاج إليها الآخرون. وهذا يقودني إلى مفهوم اقتصادي عظيم ارتبط بالفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث، صاحب كتاب «ثروة الأمم»، الذي بيّن كيف تسهم إنتاجية العمل وتقسيمه وتخصصه في زيادة الثروة. إن فكرة القيمة المضافة، بمعناها الاقتصادي الحديث، تفتح أمامنا سؤالًا بالغ الأهمية: لماذا يبيع إنسان المادة الخام بثمن زهيد، بينما يبيع آخر المنتج المصنوع منها بأضعاف ذلك الثمن؟
لأن الثاني لم يكتف بامتلاك الشيء، بل أضاف إليه معرفة أو مهارة أو ابتكارًا أو منفعة. وهذا في تقديري هو أحد أسرار بناء الثروة: ألا تسأل نفسك ماذا أستطيع أن آخذ من العالم، بل ماذا أستطيع أن أضيف إليه؟ فالثروة الحقيقية لا تنشأ من انتقال المال بين الأيدي فحسب، بل من القدرة على إنتاج قيمة مضافه جديدة تستحق أن يدفع الآخرون مقابلها.
وإذا كانت القيمة المضافة أساسًا اقتصاديًا لبناء الثروة، فإنني أرى أن لها امتدادًا فلسفيًا في بناء الإنسان نفسه؛ فالإنسان الذي لا يضيف إلى معرفته أو مهاراته أو وعيه شيئًا جديدًا، قد يعيش سنوات طويلة دون أن يتقدم كثيرًا عن صورته الأولى. وهنا يبرز التركيز بوصفه أحد أكثر أسرار الثروة بساطة، وأكثرها تعرضًا للإهمال.
لقد اختصرت الحكمة الشعبية هذه الحقيقة بقولها: (أبو بالين كذّاب). ورغم بساطة العبارة، فإنها تحمل معنى عميقًا؛ فالإنسان الذي يريد أن يسير في جميع الطرق في اللحظة نفسها قد ينتهي به الأمر إلى ألا يصل في أي منها.
لكن القيمة لا تتحول إلى إنجاز بمجرد إدراكها؛ فهي تحتاج إلى طاقة تُوجَّه وإرادة تحسن الاختيار. لذا فالتشتت ليس دائمًا كثرة الأعمال، بل قد يكون غياب الغاية التي تمنح تلك الأعمال وحدتها ومعناها. وكم من إنسان امتلك أفكارًا عظيمة، لكنه لم يصنع منها شيئًا؛ لأنه كان ينتقل من فكرة إلى أخرى قبل أن يمنح الأولى فرصة النضج!
فالتركيز في جوهره ليس مجرد تنظيم للوقت، بل ممارسة للإرادة؛ إذ يتطلب أن نواجه في داخلنا الرغبة في المكاسب السريعة، وأن نمنح ما اخترناه من أعمال حقه من الصبر والجهد. فالثروة لا تحتاج دائمًا إلى المزيد من الفرص، بل تحتاج أحيانًا إلى الشجاعة في رفض الفرص التي تبعدنا عن غايتنا.
ولأن التركيز لا ينفصل عن حسن الاختيار، فإننا نحتاج إلى توسيع مداركنا قبل أن نقرر أين نضع جهدنا، ومن هنا تأتي القراءة، التي أراها من أكثر وسائل بناء الثروة تعرضًا لسوء الفهم. فليس كل من قرأ أصبح مثقفًا، وليس كل مثقف قادرًا على تحويل معرفته إلى أثر. إن القراءة التي أعنيها ليست جمع الكتب، ولا حفظ العبارات، ولا استعراض أسماء المؤلفين، وإنما القراءة الذكية التي تفتح العقل على احتمالات لم يكن يعرف بوجودها.
وأخص هنا قراءة التاريخ والروايات العظيمة. فالتاريخ يمنحنا فرصة التأمل في تجارب الأمم والدول، وفي القرارات التي صنعت الازدهار أو قادت إلى الانهيار. أما الروايات العظيمة فتمنحنا شيئًا لا يقل أهمية: القدرة على العيش داخل عقول الآخرين، وفهم دوافعهم ومخاوفهم وتناقضاتهم، فالروايات ليست مجرد قصص بل هي شخصيات وأفكار ومشاعر وهي أحاسيس وتجارب وتاريخ عظيم.
فحين نقرأ رواية عظيمة لدوستويفسكي، فإننا لا نتابع حكاية شخصيات متخيلة فحسب، بل ندخل إلى أعماق النفس البشرية، ونرى كيف تتصارع الرغبات مع المبادئ، وكيف يستطيع الإنسان أن يبرر لنفسه ما كان يرفضه بالأمس. وحين نقرأ التاريخ بوعي، فإننا لا ندرس الماضي لكي نحفظه، بل لكي نفهم كيف تشكل الحاضر، وكيف يمكن أن تتكرر الأخطاء في صور جديدة.
إن القارئ الذكي يعيش أكثر من حياة في عمر واحد، ويكتسب من تجارب الآخرين ما قد يعجز عمره وحده عن تعليمه. لهذا لا تضيف القراءة الذكية معلومات إلى العقل فحسب، بل تختبر قناعات استقرت فيه عبر التربية والتجارب، وتفتح له طريقًا إلى مراجعتها وإعادة تشكيلها. فالإنسان الذي لا يقرأ قد يظل أسير التجربة التي عاشها، أما الذي يقرأ بذكاء فيستطيع أن يتعلم من تجارب لم يعشها، وأخطاء لم يرتكبها، وحيوات لم تكن حياته.
وإذا كانت القراءة تعلّمنا كيف نفكر في الفرص، فإن اختبار هذا الوعي يبدأ حين يصبح المال بين أيدينا: هل ندخره أم نستثمره أم ننفقه؟ وهنا يبرز سؤال اقتصادي يثير جدلًا لا ينتهي: هل الادخار يبني الثروة أم يقود إلى الجمود المادي؟
أرى أن الادخار ضرورة، لكنه ليس غاية. فالإنسان الذي ينفق كل ما يكسبه يضع مستقبله تحت رحمة الظروف، لكن الإنسان الذي يجعل جمع المال غاية وجوده قد يتحول تدريجيًا إلى حارس لثروة لا يعرف كيف ينتفع بها. فالادخار يحمي الثروة، لكنه لا يصنع نموها بالضرورة. فالمال الذي يبقى ساكنًا قد تتآكل قوته الشرائية بفعل التضخم، بينما يستطيع المال المستثمر بحكمة أن يشارك في إنتاج قيمة جديدة.
والأخطر من جمود المال هو جمود العقل الذي يملكه. فقد ينشأ الإنسان في بيئة غرست فيه الخوف من الفقر، فيكبر ويجمع المال، ثم يصبح ثريًا دون أن يتحرر من ذلك الخوف. وحينئذ لا يعود الادخار سلوكًا ماليًا متزنًا، بل استجابة لقلق قديم لم يخضع للمراجعة. وهكذا قد يمتلك الإنسان ما يكفيه لعشرات السنين، لكنه يظل يعيش كما لو أن الغد سيحرمه كل شيء.
إن الحكمة ليست في أن ننفق كل ما نملك، ولا في أن نحتفظ بكل ما نكسب، وإنما في أن نعرف متى ندخر، ومتى نستثمر، ومتى ننفق لنعيش حياة تستحق أن تُعاش.
أما الكرم، فله في فلسفة الثروة موقع أكثر تعقيدًا. وما ينطبق على الاحتفاظ بالمال ينطبق كذلك على منحه؛ فالسؤال ليس عن مقدار ما نُخرج من أيدينا فقط، بل عن الدافع الذي يقودنا إلى ذلك. فهل الكرم يصنع الثروة أم يقود إلى الإفلاس؟
ربما كانت الإجابة مرتبطة بطبيعة الكرم نفسه. فالكرم الذي ينبع من الوعي والقدرة والاعتدال قد يبني الثقة، ويعمق العلاقات، ويخلق أثرًا اجتماعيًا يمتد سنوات طويلة. أما الكرم الذي تحركه الرغبة في المظاهر أو الخوف من أحكام الآخرين فقد يتحول إلى استنزاف اقتصادي ونفسي.
وقد ينفق الإنسان بسخاء لا لأنه كريم بالضرورة، بل لأنه يخشى ألا يحبه الآخرون إذا توقف عن العطاء، أو لأنه يريد أن يشتري اعترافهم بمكانته. فالسلوك الظاهر لا يكشف دائمًا عن الدافع الكامن وراءه.
وفي المقابل، قد يمتنع إنسان ثري عن أبسط صور العطاء، لا لأنه حريص على ماله فحسب، بل لأن خوفًا قديمًا من الفقد لا يزال يتحكم في قراراته.
إن الكرم الحقيقي ليس أن تمنح الآخرين ما لا تستطيع تحمله، وإنما أن تمنحهم مما تملك دون أن تظلم نفسك أو من تعول. ولا ينبغي أن يتحول العطاء إلى صفقة ننتظر عائدها؛ فقيمته الإنسانية قائمة بذاتها، وإن كان من الممكن أن يثمر ثقة ومحبة وتعاونًا. فالبخل قد يحفظ المال ويُفقر الروح، والإسراف قد يُرضي الغرور ويُفلس الجيب، أما الكرم الحكيم فيحفظ كرامة المعطي والمُعطى له معًا.
وبعد كل هذا، يبقى السؤال الأكثر أهمية: ماذا لو نجح الإنسان في جمع المال، لكنه فشل في بناء حياته؟ ماذا لو امتلك ثروة عظيمة، لكنه فقد صحته، وأضاع أسرته، وخسر أصدقاءه، وعاش أسير القلق والخوف من المستقبل؟ هل نستطيع أن نسميه ثريًا؟
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الثروة باعتبارها ما نضيفه إلى ممتلكاتنا، لكنني أرى أن علينا أن ننظر إليها أيضًا باعتبارها ما لا ينبغي أن نخسره أثناء سعينا إلى المال. فالصحة ثروة، وراحة البال ثروة، والوقت ثروة، والعلاقات الصادقة ثروة، والقدرة على النوم دون خوف ثروة، والحرية في اتخاذ القرار ثروة، والرضا عن الذات ثروة لا تستطيع الأسواق تحديد سعرها.
قد يكون الإنسان غنيًا ماليًا وفقيرًا في علاقاته، وقد يكون ناجحًا مهنيًا لكنه عاجز عن الاستمتاع بثمرة نجاحه. وليس في هذا إنكار لأهمية المال؛ فالمال يمنح الإنسان خيارات أوسع، ويخفف كثيرًا من أعباء الحياة، ويوفر الأمان له ولأسرته. لكنه يظل وسيلة ينبغي ألا تتحول إلى سيد يتحكم في كل تفاصيل وجوده. ومن هنا أرى أن الثروة ليست مقدار ما نملك فقط، بل مقدار ما نستطيع أن نعيشه بكرامة وطمأنينة وحرية ومعنى.
وهكذا نعود إلى نقطة البداية: إن قراراتنا المالية ليست منفصلة عن الإنسان الآخر، فالتربية والبيئة والتجارب تغرس فينا أنماطًا من الخوف والرغبة والتوقع، لكن الوعي والإرادة يتيحان لنا مراجعة تلك الأنماط وتوجيهها، دون أن يعفينا أثر الظروف من مسؤولية اختياراتنا. فقد تدفعنا قناعاتنا الموروثة إلى الخوف من المخاطرة، أو التسرع في الاستثمار، أو الإنفاق طلبًا للإعجاب، أو البخل خشية الفقد، أو التشتت بحثًا عن النجاح السريع. وما لم نفهم هذه الدوافع التي تتشكل داخل الإنسان الآخر، فقد نكرر أخطاءنا حتى بعد أن تتغير أحوالنا.
وهنا يصبح بناء الثروة مشروعًا فلسفيًا قبل أن يكون مشروعًا اقتصاديًا؛ لأننا لا نحتاج فقط إلى تعلم كيف نكسب المال، بل إلى فهم ذلك الإنسان الذي سيتخذ القرارات عندما يصبح المال بين أيدينا. فما قيمة أن نعلم الإنسان قواعد الاستثمار إذا كان عاجزًا عن السيطرة على اندفاعه؟ وما قيمة أن نعلمه الادخار إذا كان الخوف يحكم حياته؟ وما قيمة أن نمنحه المال إذا لم نمنحه الوعي الذي يساعده على استخدامه؟
إن الثروة التي لا يصاحبها نضج داخلي قد تمنح الإنسان وسائل جديدة لإشباع عيوبه القديمة، بدلًا من أن تمنحه القدرة على تجاوزها.
ولهذا، فإنني لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو: كيف أصبح ثريًا؟ بل: أي إنسان ينبغي أن أصبح حتى أكون قادرًا على بناء الثروة، والمحافظة عليها، والاستمتاع بها دون أن أفقد نفسي؟
ذلك أن الإنسان قد يقضي نصف عمره في جمع المال، ثم يقضي نصفه الآخر في محاولة استعادة الصحة والطمأنينة والعلاقات التي ضحى بها من أجله. وقد ينجح في امتلاك كل ما كان يحلم به، ثم يكتشف أنه، في أثناء مطاردة أحلامه، فقد القدرة على الحلم نفسه. إن أعظم ثروة ليست تلك التي نتركها خلفنا حين نموت، بل تلك التي نعيش بها حياة ذات معنى، ونصنع من خلالها قيمة تبقى بعد رحيلنا.
ولعل المفارقة الكبرى أن الإنسان قد يقضي حياته كلها وهو يسأل: كم أملك؟ بينما السؤال الذي كان ينبغي أن يرافقه منذ البداية هو: ماذا صنعت بما أملك، وماذا صنعت من نفسي؟ فالثروة التي نبنيها خارجنا قد تجعلنا أغنياء، أما الثروة التي نبنيها داخلنا فهي التي تحدد ما إذا كنا سنعرف كيف نعيش أغنياء.
وفي النهاية، قد يستطيع الإنسان امتلاك ثروة عظيمة، لكن الامتحان الأصعب ليس في قدرته على امتلاكها، وإنما في قدرته على ألا يفقد حريته وطمأنينته وهو يسعى إلى حمايتها. فالإنسان لا يصبح ثريًا حقًا عندما يمتلك المال، بل عندما يمتلك نفسه، ويصبح المال إحدى وسائل حريته، لا الثمن الذي دفعه مقابل عبوديته.