عبدالرحمن العطوي
ليست كل الزيارات السياسية مجرد لقاءات عابرة في روزنامة العلاقات الدولية وليست كل التحركات الدبلوماسية رسائل بروتوكولية تنتهي بانتهاء الاجتماعات، فهناك تحركات تحمل في جوهرها مسؤولية التاريخ وثقل المكانة ووعي القيادة بخطورة اللحظة التي تمر بها المنطقة وفي مقدمة هذه التحركات تأتي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الدفاع وممثلي دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك إلى العاصمة الإيرانية طهران في خطوة تعكس إصرار المملكة العربية السعودية على فتح أبواب الحلول السياسية في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تغليب صوت العقل وإغلاق المنافذ التي قد تقود المنطقة إلى مزيد من المواجهات.
إن صدى هذه الزيارة يتجاوز حدود اللقاءات مع كبار المسؤولين الإيرانيين ليصل إلى جوهر الموقف السعودي الثابت الذي يرى أن أمن المنطقة ليس مجالا للمغامرات وأن استقرار الشعوب لا ينبغي أن يكون رهينة الحسابات الضيقة وأن الحروب مهما امتدت لا تصنع سلاما دائما بقدر ما تخلف من الخسائر والآلام وتفتح أبوابا جديدة للأزمات التي لا تقف آثارها عند حدود الدول التي تشهدها بل تمتد لتطول المنطقة والعالم
ولعل ما يمنح هذه الخطوة أهمية استثنائية ما حظيت به من صدى واسع في الأوساط العربية والإسلامية والدولية وما تحمله من دلالات سياسية تتجاوز حدود الزيارة ذاتها إلى طبيعة الدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في لحظة إقليمية بالغة الحساسية فالمملكة لا تتحرك من موقع المتابع لتطورات المنطقة بل من موقع الدولة ذات الثقل السياسي والإستراتيجي القادرة على التأثير في مسارات الأحداث والعمل على احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة تدفع الشعوب ثمنها من أمنها واستقرارها ومستقبلها.
إنها خطوة تعكس إرادة سياسية سعودية واعية تسعى إلى كبح جماح التصعيد وإحباط الرهانات التي قد تجد في الفوضى الإقليمية فرصة لفرض المصالح وتوسيع النفوذ على حساب أمن الشعوب وسيادة الدول. فحين تتشابك المصالح الدولية وتتصارع الحسابات الكبرى تصبح الحاجة أكثر إلحاحا إلى موقف إقليمي مسؤول يمتلك من الثقل والحكمة ما يكفي لمنع تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة لتصفية الحسابات أو ميدانا لتوسيع النفوذ وإدامة الصراعات.
وهنا تتجلى قيمة الدور السعودي بوصفه قوة سياسية تعمل على حماية استقرار المنطقة ورفض إخضاع مستقبل شعوبها لأطماع القوى الكبرى أو لمشروعات الهيمنة والفوضى أيا كانت مصادرها، فالمملكة تدرك أن الفراغ السياسي واتساع دائرة النزاعات يفتحان المجال أمام تدخلات وحسابات لا تخدم بالضرورة مصالح شعوب المنطقة ولذلك فإن دعم الحوار وتكثيف الوساطات وفتح قنوات التفاوض ليست خطوات منفصلة عن حماية الأمن الإقليمي بل هي جزء أصيل من معادلة الاستقرار وصيانة سيادة الدول ومنح شعوب المنطقة حقها في مستقبل لا تصنعه الحروب ولا تتحكم فيه أجندات الآخرين.
وحين تعلن وزارة الخارجية السعودية أن هذه الزيارة تأتي امتدادا لدور المملكة في إرساء الحوار والسلام الإقليمي والدولي فإنها تقدم موقفا واضحا مفاده أن المملكة لا تنتظر تفاقم الأزمات حتى تتحرك ولا تكتفي بوصف المخاطر بعد وقوعها بل تعمل من موقع المسؤولية على دعم المسارات التي تحول دون اتساع دائرة الصراع وتمنح الدبلوماسية فرصتها المستحقة للوصول إلى حلول تحفظ الأمن وتصون المصالح وتمنع تكرار التصعيد العسكري.
وتتجلى أهمية هذه الخطوة في ارتباطها بجهود دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك وبمساعي الوساطة التي تقوم بها دولة قطر وجمهورية باكستان الإسلامية بما يعكس أن مواجهة الأزمات الكبرى لا تتحقق بالشعارات ولا بالمواقف الانفعالية وإنما بتنسيق الجهود وتوحيد المساعي وفتح قنوات التفاوض الجاد الذي يضع النتائج العملية فوق الاعتبارات الأخرى ويمنح المنطقة فرصة حقيقية للخروج من دائرة التوتر إلى أفق أكثر أمنا واستقرارا،
إن المملكة العربية السعودية وهي تدفع باتجاه الحوار لا تفعل ذلك من موقع التردد أو التراجع عن حماية مصالحها وأمنها بل من موقع الدولة التي تدرك أن القوة الحقيقية لا تقاس بقدرة الدول على مواجهة الأزمات وحدها وإنما بقدرتها كذلك على منع تفاقمها وتجنيب شعوبها وشعوب المنطقة أثمانها الباهظة فالحزم في حماية الأمن لا يتعارض مع الحكمة في إدارة الخلافات والقدرة على الردع لا تلغي أهمية الدبلوماسية بل إن الدولة الواثقة من مكانتها هي الأقدر على الجمع بين صيانة أمنها وفتح الطريق أمام السلام.
ومن هنا تبرز الرسالة السعودية الواضحة إلى جميع أطراف الأزمة بضرورة التعاطي بإيجابية وعملية مع نتائج هذه الزيارة ومع جهود الوساطة المستمرة لأن نجاح أي مسعى سياسي لا يتوقف على عقد اللقاءات أو إصدار البيانات بل يتطلب إرادة حقيقية تترجم الأقوال إلى خطوات ملموسة وتقدم ضمانات تحول دون العودة إلى التصعيد وتؤسس لاتفاق ينهي الأزمة ويضع أمن المنطقة وسلام شعوبها في مقدمة الأولويات.
ولعل من أهم ما يحمله الموقف السعودي التأكيد على ضرورة فتح قنوات التفاوض بما يمنع عودة التصعيد العسكري وهو تأكيد ينطلق من إدراك عميق بأن إيقاف المواجهات لا يكفي وحده إذا بقيت أسباب الأزمة قائمة وأن السلام المستدام يحتاج إلى تفاهمات واضحة والتزامات قابلة للتنفيذ وإرادة سياسية تتجاوز منطق كسب الوقت إلى منطق صناعة المستقبل فالمطلوب ليس مجرد تهدئة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التوتر وإنما تسوية جادة تنهي الأزمة وتعيد الاعتبار للحلول الدبلوماسية وتحمي شعوب المنطقة من مخاطر صراعات مفتوحة لا يعرف أحد مداها أو نهايتها.
كما أن مشاركة ممثلي دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك تحمل دلالة مهمة بشأن الدور الذي يمكن أن تؤديه الشراكات الإقليمية في حماية الاستقرار وتعزيز فرص التفاهم فالأمن مسؤولية مشتركة والتحديات المتشابكة تتطلب تنسيقا مستمرا ورؤية تتقدم فيها المصالح العليا على الحسابات الآنية وهو ما يجعل العمل الجماعي ركيزة أساسية في بناء بيئة إقليمية أكثر قدرة على احتواء الأزمات ومنع انتقال آثارها إلى دول وشعوب أخرى.
وفي هذا السياق فإن دعم المملكة لجهود قطر وباكستان يؤكد أن طريق السلام لا ينبغي أن يكون ساحة للتنافس على الأدوار أو تسجيل المواقف بل مساحة لتكامل المساعي وتضافر الجهود فكل خطوة صادقة تقرب الأطراف من طاولة الحوار تستحق الدعم وكل جهد يسهم في وقف التصعيد وحماية المدنيين وصيانة مقدرات الشعوب يمثل مكسبا للمنطقة بأسرها لأن خسائر الحرب لا تقف عند حدود الخسائر العسكرية بل تمتد إلى الاقتصاد والتنمية وأمن المجتمعات ومستقبل الأجيال.
إن المملكة العربية السعودية التي تحتل مكانة محورية في محيطها العربي والإسلامي والدولي تدرك أن استقرار المنطقة ليس شأنا هامشيا يمكن تأجيله وأن منع اتساع الأزمات مسؤولية تتطلب وضوح الموقف وشجاعة القرار واستمرار العمل الدبلوماسي ولذلك فإن تحركها الراهن يعكس نهجا يقوم على الجمع بين حماية الأمن والسعي إلى السلام وبين الثبات على المبادئ والانفتاح على الحلول التي تحقق المصالح المشروعة وتمنع العودة إلى المواجهات.
والرهان اليوم لا ينبغي أن يكون على من يرفع سقف التصعيد أكثر من غيره بل على من يمتلك الشجاعة الكافية لاتخاذ قرار السلام ومن يستطيع تحويل الفرص الدبلوماسية إلى التزامات فعلية تحمي المنطقة من مزيد من الاضطراب فالشعوب لا تنتظر بيانات جديدة بقدر ما تنتظر نتائج ملموسة تعيد إليها الطمأنينة وتضمن لها أن لغة الحوار يمكن أن تنتصر على ضجيج السلاح وأن الإرادة السياسية قادرة على إيقاف دوامة الأزمات متى توافرت الجدية وحسن النية والالتزام.
إن ما تقوم به المملكة اليوم يضع أمام القوى الإقليمية والدولية مسؤولية تاريخية تتمثل في احترام حق شعوب المنطقة في الأمن والاستقرار وعدم التعامل مع الشرق الأوسط بوصفه ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو ميدانا لإعادة رسم موازين النفوذ على حساب الدول وشعوبها فالمملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي ومكانة دولية قادرة على الإسهام في بناء توازن إقليمي أكثر استقرارا وعلى الدفع نحو حلول تمنع استغلال الأزمات لتوسيع دوائر الصراع وتؤكد أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر فرض الإرادات أو تغذية الانقسامات وإنما عبر احترام سيادة الدول وتغليب المصالح المشتركة والالتزام بمبادئ حسن الجوار.
ومن هنا فإن صدى هذه الزيارة لا يقاس فقط بما ستسفر عنه اللقاءات من نتائج مباشرة بل بما تحمله من رسالة سياسية واضحة مفادها أن المملكة العربية السعودية حاضرة بثقلها ومكانتها للدفاع عن أمن المنطقة والعمل على تجنيبها مزيدا من الانزلاق نحو التصعيد وأن السلام الذي تنشده ليس استسلاما للضغوط ولا تنازلا عن المصالح المشروعة بل موقف إستراتيجي يعبر عن دولة تعرف متى تستخدم أدوات القوة ومتى تفتح أبواب الدبلوماسية ومتى تجمع الأطراف على طاولة الحوار لتمنح المنطقة فرصة حقيقية للخروج من دوامة الأزمات.
وتبقى الرسالة الأهم في هذا التحرك أن المملكة العربية السعودية لا تنظر إلى السلام بوصفه شعارا للاستهلاك السياسي بل باعتباره مسؤولية تستوجب العمل والمبادرة وبذل الجهد مع مختلف الدول من أجل مستقبل أكثر أمنا واستقرارا وهو ما أكدته وزارة الخارجية السعودية بتجديد التأكيد على الدور المحوري لدول اتفاقية مكة للدفاع المشترك في استتباب أمن المنطقة واستقرارها والعمل مع كافة الدول لضمان تحقيق السلام في المنطقة والعالم.
إنها السعودية حين تتحرك بثقلها السياسي ومكانتها الدولية لتفتح نافذة للحوار في جدار الأزمة وحين تجعل من الحكمة طريقا لحماية الأمن ومن الدبلوماسية وسيلة لمنع الحرب ومن استقرار المنطقة هدفا يتقدم على ضجيج التصعيد فالتاريخ لا ينصف من يشعلون الأزمات بقدر ما ينصف من يعملون على إطفائها ولا تمنح الشعوب ثقتها لمن يطيل أمد الصراعات بل لمن يملك الإرادة والشجاعة والرؤية لإنهائها.
ويبقى الأمل أن تقابل هذه الجهود بمواقف مسؤولة وإرادة صادقة من جميع الأطراف وأن تتحول نتائج الزيارة ومساعي الوساطة إلى خطوات عملية تضع حدا للأزمة وتمنع تجدد المواجهات فحين تتقدم الحكمة على التصعيد وتنتصر لغة الحوار على لغة السلاح يصبح السلام أكثر من أمنية ويغدو استقرار المنطقة مسؤولية مشتركة وفرصة تستحق أن يتمسك بها الجميع.