ناصر المحيّاني
تتجاوز النزاعات في منطقة الشرق الأوسط أبعاد الحدود الجغرافية المحلية، لتشكل عصباً حساساً في هيكل الأمن العالمي المعاصر، إذ إن موقع المنطقة الجيوسياسي الحاكم لمضائق التجارة وأسواق الطاقة العالمية، حولها إلى ساحة لتشابك المصالح الدولية، وجعل أزماتها الراهنة ترتد مباشرة على حرية الملاحة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار السياسي الدولي.
إن هذا الترابط العضوي بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي يؤكد استحالة مقاربة أزمات المنطقة كملفات معزولة أو شؤون محلية يمكن تفكيكها عبر معالجات مجزأة، فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام معادلة استراتيجية معقدة، تتداخل فيها مخاطر الصدام العسكري مع تحديات تأمين الممرات المائية، وضمان تدفقات الطاقة، وحفظ السيادة الوطنية، بالتوازي مع كبح جماح الصراعات لحماية مكتسبات السلام والتنمية.
ويتجلى هذا التشابك في كون الهزات الأمنية في منطقة الخليج – على سبيل المثال – تؤدي تبعاً وبشكل فوري إلى اختلالات عميقة في النقل البحري وسلاسل الإمداد وترفع كلفة التأمين الدولي. وفي الوقت ذاته، تغذي هذه الصراعات الممتدة الاستقطاب الإقليمي، وتوسع رقعة التدخلات الخارجية، الأمر الذي ينهك المؤسسات الوطنية ويضعف قدرتها الوظيفية. وفي هذا السياق المعقد، يبرز غياب التسوية العادلة للقضايا المصيرية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، كمهدد بنيوي للاستقرار، مما يبرهن بشكل قاطع على أن التغاضي عن جذور الأزمات ليس إلا إرجاء مؤقت للنزاعات بدلاً من حلها.
ومن هذا المنطلق، يكمن التحدي الاستراتيجي في تفكيك شفرة الأزمات المركبة، وفهم أسباب اقتصار النجاحات الدبلوماسية -غالباً- على احتواء التداعيات، دون معالجة البيئة الحاضنة للصراع. إن القراءة التحليلية للمسار السياسي المعاصر، تثبت أن المقاربات التسكينية -وإن خفضت حدة التصعيد- لا تصنع سلاماً مستداماً، ما لم تقترن بإعادة صياغة مرتكزات العلاقات الإقليمية، وتعزيز الثقة المتبادلة، وتصفية بؤر النزاع، وإيجاد قواعد سلوك دولية واضحة، وبناء أطر إجرائية - وفق القواعد القانونية الدولية الحاكمة – تحول دون عسكرة الخلافات السياسية.
وفي سياق البحث عن الأطر الإجرائية، يمثل ميثاق الأمم المتحدة المرجعية القانونية الأساسية لأي مشروع يهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، فقد نصت الفقرة(1) من المادة الأولى على أن مقاصد المنظمة حفظ السلم والأمن الدوليين، واتخاذ التدابير الجماعية الفعالة لمنع الأخطار التي تهدد السلم وإزالتها، وقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي. ومع ذلك، يظل المحك الحقيقي للمنظمة الدولية كامناً في فجوة التطبيق بين النظرية والممارسة السياسية، إذ تبرز الحاجة لمنع تسييس القانون الدولي أو إخضاعه للمقاربات الانتقائية، كلما تقاطعت نصوصه مع موازين القوة والمصالح الآنية للفاعلين الدوليين.
وفي ذات السياق النظامي، تؤصل المادة (2) من الميثاق لركائز بنيوية تفرضها محددات الأمن الإقليمي المشترك، وفي مقدمتها المساواة في السيادة بين الدول، والالتزام بالتعهدات الدولية بحسن النية، وحل النزاعات سلمياً، وحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد مقاصد الأمم المتحدة. إن هذا التأصيل يبرهن على أن الاستقرار الإقليمي لا يرتكز على معادلات الردع التقليدي وحدها، بل يتطلب أطراً معيارية مشتركة تحكم سلوك الفاعلين وتحدد التزاماتهم المتبادلة.
وامتداداً للقواعد السلوكية الحاكمة، تبرز القيمة التفسيرية للمادة(33) من الميثاق، كونها تلزم أطراف النزاعات التي قد تهدد استمرارها السلم والأمن الدوليين بطلب الحل عبر التفاوض، والوساطة، والتوفيق، والتحكيم، أو توظيف الأطر والتنظيمات الإقليمية كخيارات سلمية لحل الخلافات. وهذا التفصيل الإجرائي يمنح دول المنطقة ركيزة نظامية صلبة لبناء قنوات تشاورية دائمة، قادرة على بناء ثقة كفيلة باحتواء الأزمات، وتحييد البيئة الأمنية عن التوترات العسكرية.
وفي ذات السياق الهيكلي، توفر المواد (52 إلى 54) السند النظامي لتفعيل ترتيبات أو وكالات إقليمية تعالج القضايا المتصلة بحفظ السلم والأمن الدوليين، شريطة اتساق أنشطتها مع مقاصد الأمم المتحدة وتكامل الأدوار مع مجلس الأمن. ويعكس هذا التنصيص اعترافاً دولياً بأن المقاربات الأمنية النابعة من داخل الإقليم تعد مستوى وظيفياً مسانداً للمنظومة الدولية، بحكم قربها الجغرافي ومعرفتها اللصيقة بجذور الأزمات، مما يتيح لها احتواء النزاعات بكفاءة عالية ووقت أسرع.
وتأكيداً للاستثناءات الشرعية المقرة، يقر النظام الدولي عبر المادة(51) من الميثاق حق الدول المشروع في الدفاع عن النفس ضد الهجمات المسلحة، مع الامتثال للضوابط المعيارية التي تفرض إخطار مجلس الأمن بالتدابير المتخذة. ومن ثم، فإن هذا النص يجب عدم توظيفه كمسوغ للتوسع في استخدام القوة خارج الأطر الموضوعية للقانون الدولي، بل يستلزم إدراجه كعنصر حماية ينبثق عن منظومة مشتركة توازن بين ردع الاعتداءات، ومنع عسكرة النزاعات دون مسوغ قانوني نظامي.
وتبعاً لذلك، يغدو من الجلي أن إرساء المنظومة الأمنية الإقليمية يتطلب ارتكازها على قواعد متكاملة، تجمع بين صون أمن الفاعلين المحليين وضمان حقوقهم السيادية، وإسناد آليات الحوار لتسوية التباينات، مع الحيلولة دون توظيف البنى الدفاعية في استدامة محاور الاستقطاب والنزاع. ويمثل هذا الإطار المعياري الركيزة الجوهرية التي تمد المبادرات المحلية بالشرعية القانونية والمقومات الكفيلة بالاستمرار والديمومة.
وبناء على هذه المعطيات المتشابكة، فقد بات من الضروري مراجعة المرتكزات النظرية للأمن الإقليمي، إذ إن التداخل الجيوسياسي يستوجب مقاربة متجددة لمنظومة الأمن المشترك، تتجاوز الاختزال العسكري والردع التقليدي، دون إغفال أهمية المتطلبات الدفاعية، حيث إن الاستقرار الحقيقي لا يتأسس على تفاهمات ثنائية معزولة، أو اتفاقيات تفتقر إلى أطر التنفيذ والمتابعة، فالأمن المستدام يتطلب توازناً دقيقاً بين أدوات الردع ومسارات الدبلوماسية الفعالة، بالتكامل بين السيادة والشرعية الدولية، والانتقال من عقلية التصعيد والضغوط المتبادلة، إلى آليات مستدامة لإدارة المصالح المتعارضة، والحد من مسببات الاحتقان الميداني.
ولا يعني ذلك بأي حال إلقاء عبء الأمن الإقليمي على عاتق المنظومة الأممية وحدها، أو إمكانية فرض تسويات قسرية تفرضها القوى الدولية من الخارج على حساب أولويات الأمن القومي لدول المنطقة، بل إن البديل الإستراتيجي - الأكثر واقعية - يكمن في الاعتراف بمركزية الدول الإقليمية بصفتها الأقرب لبيئة الأزمات، والأشد تأثراً وتأثيراً بديناميكيات النزاع، مما يجعل مشاركتها المحورية شرطاً أساسياً لنجاح أي هندسة أمنية مستدامة، بالتكامل مع الدور الدولي في تقديم الدعم البنيوي للمسارات الدبلوماسية، وترسيخ الشرعية الدولية، وتوفير الضمانات الكفيلة بمنع توظيف النزاعات في تصفية الحسابات الجيوسياسية.
وتتويجاً لهذه المقاربة الإقليمية البنيوية، يبرز الدور الطليعي للمملكة العربية السعودية كركيزة محورية في معادلات وترتيبات الأمن الإقليمي، ليس بداعي ثقلها الجغرافي والسياسي والاقتصادي فحسب، بل لامتلاكها رؤية متوازنة تجمع بين متطلبات السيادة الوطنية وحماية المصالح الإستراتيجية، ودعم سبل تفعيل المسارات الدبلوماسية لخفض التوترات، ويقترن نجاح هذا الدور بالتحول من عقيدة الأمن الدفاعي القائم على رد الفعل، نحو رؤية بنيوية شاملة ترتكز على الدبلوماسية الوقائية، وإرساء تدابير بناء الثقة والتعاون الإقليمي، بما يتسق وقواعد الشرعية الدولية ومقاصد الأمم المتحدة.
ومن منظور واقعي، يرتبط استقرار أي هندسة أمنية مستدامة بمواقف القوى الإقليمية الرئيسية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وبقدرة سياساتها على الجمع بين حفظ المصالح الإستراتيجية وتطوير آليات التشاور المشترك، وفي هذا السياق، يبرز اللقاء الرباعي المنعقد في طهران مؤخراً في (26 أكتوبر 2026) بين وفود رفيعة المستوى من السعودية وباكستان وتركيا (كأطراف لاتفاقية مكة) وإيران، كحدث ذي أهمية موضوعية، باعتباره مؤشراً حيوياً على إمكانية تحول التفاعلات متعددة الأطراف إلى قواعد سلوك جماعية تسهم في تحييد الشرايين البحرية الدولية عن مهددات النزاع.
وينبع الثقل النوعي لهذه التفاعلات من تلاقي ثلاثة أبعاد استراتيجية متزامنة تشمل؛ أولاً: الحوار المباشر بين أطراف اتفاقية مكة والجانب الإيراني؛ ثانياً: المظلة الأمنية والمؤسساتية المضيفة في العاصمة الإيرانية؛ وثالثاً: التوافق المعلن على استمرار قنوات التشاور المشترك.
ويتطلب بناء أي ترتيبات إقليمية، الالتزام التام بمبادئ احترام السيادة والسلامة الإقليمية، وحظر التدخل غير المشروع في الشؤون الداخلية، مع الامتناع عن تقديم الدعم للأعمال المسلحة العابرة للحدود، وضمان عدم استخدام الأجواء والممرات المائية والأراضي الوطنية كقواعد لانطلاق أعمال عسكرية غير مشروعة. كما تقتضي هذه المقاربة صياغة آليات مؤسسية للتحقق من الوقائع وتحديد المسؤوليات القانونية، وذلك تحييداً للاتهامات العشوائية، ومنعاً لتحولها إلى ذرائع لتصعيد يصعب احتواؤه بالطرق الدبلوماسية التقليدية.
وتكشف مخرجات هذا اللقاء المشترك، عن اتجاه عام لمواصلة الحوار نحو بناء المشتركات الأمنية الإقليمية، في ظل ملفات ضاغطة تتداخل فيها تطورات المشهدين الفلسطيني واللبناني، بالتوازي مع تفاعلات القوى الإقليمية والدولية في المنطقة.
ومع ذلك، تظل هذه التفاهمات المعلنة قاعدة سياسية أولية لبناء الثقة، دون أن ترتقي في المرحلة الراهنة إلى معاهدة أمنية شاملة، أو تسوية نهائية للملفات الجوهرية بين الأطراف.
وفي هذا الإطار، لا تعني هذه الديناميكية تغليب أدوات الحوار على حساب متطلبات الردع والدفاع، بل الانتقال نحو الموازنة الهيكلية بينهما، فالقدرات الدفاعية تشكل صمام أمان يسهم في كبح مهددات الاعتداء، بينما تعمل القنوات الدبلوماسية كأداة لتفكيك الاحتقانات السياسية والميدانية واحتواء التصعيد.
ومن هنا، ترتبط القيمة الموضوعية للقاء طهران بحصيلة الجهود الموجهة لتحويل الإرادة السياسية المعلنة إلى أطر ومؤسسات إقليمية خاضعة للتنفيذ والمتابعة والقياس. ولا ينبع الثقل الجيوسياسي للقاء أطراف اتفاقية مكة مع الجانب الإيراني من حدوثه الزمني، بل في طبيعة الرسالة المشتركة التي بعث بها، وهي استمرار فاعلية الدبلوماسية الوقائية رغم التباين الهيكلي في المصالح والأولويات الدفاعية، مدفوعة بتوافق جماعي معلن لتطوير الحوار متعدد الأطراف بما يخدم ترتيبات الأمن المشترك.
وامتداداً لهذه الديناميكية، يطرح اللقاء فرصة لتبني أبعاد مفهوم «الأمن الإقليمي الداخلي»، القائم على اضطلاع قوى المنطقة بالدور الأساسي في تقدير المخاطر وصياغة المقاربات الأمنية، دون أن يعني ذلك رفض التعاون الدولي أو تجاهل المصالح المشروعة للدول خارج الإقليم، فالأمن الذي تشارك دول المنطقة في بنائه، يغدو أكثر استجابة لخصوصيتها، شريطة ارتكازه على احترام السيادة الوطنية، والتكافؤ في الالتزامات، والشفافية، وحظر فرض الإرادة السياسية أو الأمنية لأي دولة على أخرى.
وتطبيقاً لهذا المنظور، يشكل أمن مضيق هرمز وباب المندب أحد أهم الاختبارات العملية والشرطية لأي مشروع للأمن الإقليمي، إذ يختص مضيق هرمز بالكتلة الأكبر من ناقلات الطاقة العالمية، بينما يعد مضيق باب المندب حلقة وصل جيوسياسية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. وتأسيساً على هذا الترابط العضوي، تترتب على أي تفاعلات سلبية أو تهديدات في كلا الممرين، ارتدادات هيكلية ترفع كلفة سلاسل الإمداد، وتخل بالتوازن الاقتصادي لدول المنطقة والمنظومة الدولية على حد سواء.
ويتطلب التحليل المنهجي لهذا الملف، التمييز بين مفهوم السيادة البحرية الوطنية، والالتزامات الدولية الحاكمة للمضائق الحيوية، فالجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982) يفرد نسقاً تشريعياً خاصاً ينظم حق المرور العابر في المضائق الدولية. وبناء عليه، فإن تنظيم الملاحة في هذه الشرايين لا ينفصل عن التوازن الدقيق بين المتطلبات الأمنية للدول المشاطئة وحقوق السفن العابرة المقرة دولياً، وهي تفاعلات تحكمها الطبيعة الجغرافية لكل ممر مائي ومدى التزام الدول المطلة عليه بنصوص الاتفاقية.
وفي ذات السياق التنظيمي، تبرز الأهمية المنهجية للفصل بين التفاهمات السياسية غير الملزمة والمعاهدات الدولية المقترنة بالالتزام القانوني؛ فالأثر النظامي للتحول نحو الصياغات الالزامية يستدعي تدقيقاً عالياً في صياغة البنود، ورصد مستويات نفاذها الإجرائي عبر التصديق والتسجيل الأممي، وهو ما يعني أن البيانات المشتركة والإعلانات السياسية لا ترتب التزامات تلقائية خارج حدود نصوصها الشارحة، وتبقى حجيتها النظامية محكومة بفحص دقيق لقصد الفاعلين ومدى ترتب التزامات سيادية متبادلة بموجبها.
وخلاصة القول في ذلك، يتسق نجاح مفهوم «الأمن الإقليمي الداخلي» مع مدى تحويل التوافقات السياسية المرنة إلى أطر عملياتية خاضعة للتقييم والقياس المستمر. ويتطلب هذا الانتقال الهيكلي صياغة ضمانات إجرائية واضحة، تلتزم بموجبها الأطراف بعقد جولات متابعة دورية محكومة بجداول زمنية، وذلك لتفكيك زوايا التقارب وحصر الملفات العالقة، مدعومة بتأسيس قنوات اتصال دائمة ومستقلة، تضمن مأسسة التنسيق والتحضير الدبلوماسي المستمر، وتحصين التفاهمات الإقليمية من الاستجابات الظرفية في مواجهة المهددات الدولية.
** **
كاتب ومحلل سياسي - باحث في الشأن الدولي والسياسي