د. عمر بن أحمد مسملي
لم تعد الشاشات ضيفًا عابرًا في حياتنا اليومية؛ فقد أصبحت حاضرة منذ لحظة الاستيقاظ وحتى ما قبل النوم. نستخدم الهاتف للاطلاع على الأخبار، ونتواصل من خلال تطبيقاته، ونعتمد عليه في العمل والتعلم والتسوق، ونلجأ إليه للترفيه أو للتخفيف من ضغوط الحياة. وقد يبدأ يوم بعضنا بتفقد الإشعارات قبل النهوض من السرير، وينتهي بتصفح المقاطع والمنشورات حتى يغلبه النعاس. هذا الحضور المتزايد يطرح سؤالًا يتجاوز عدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات: كيف تؤثر علاقتنا بالعالم الرقمي في صحتنا النفسية والجسدية؟ وهل أصبحنا نستخدم التقنية لخدمة حياتنا، أم نسمح لها أحيانًا بأن تتحكم في إيقاع يومنا وتؤثر في نومنا وتركيزنا وعلاقاتنا؟
في الجزء الأول من هذه السلسلة، تناولنا مفهوم التربية الرقمية، وأكدنا أن الغاية ليست مراقبة استخدام الأجهزة باستمرار، بل بناء الوعي والقدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة. ومن هذا المنطلق، يأتي الحديث عن الصحة النفسية والجسدية بوصفه امتدادًا طبيعيًا لتلك الفكرة؛ فالمستخدم الواعي لا يكتفي بمعرفة كيفية استخدام التقنية، بل يدرك أيضًا أثر عاداته الرقمية في مشاعره وجسده وعلاقاته وجودة حياته. ولا يعني ذلك أن التقنية عدو للصحة أو أن الحل يكمن في الابتعاد عنها؛ فقد أتاحت فرصًا للتعلم والتواصل ومتابعة النشاط البدني والاستفادة من الخدمات الصحية. لكن هذه الفوائد لا تلغي الحاجة إلى فهم المخاطر المحتملة، خصوصًا عندما يأتي الاستخدام على حساب النوم والحركة والتواصل الإنساني المباشر.
عندما نتحدث عن الصحة الرقمية، يتبادر إلى الذهن سؤال واحد: كم ساعة نقضي أمام الشاشة؟ وهو سؤال مهم، لكنه لا يكفي وحده للحكم على طبيعة الاستخدام وآثاره. فطالب يقضي ساعات أمام الحاسوب لإنجاز مشروع علمي أو تعلم مهارة جديدة يختلف عن شخص يقضي المدة نفسها في تصفح عشوائي يؤخر نومه ويعطله عن مسؤولياته. كما أن التواصل المرئي مع أحد أفراد الأسرة البعيدين يختلف عن متابعة محتوى متتابع لا يحقق هدفًا واضحًا. لذلك، ينبغي تقييم الاستخدام الرقمي من خلال طبيعة النشاط، ووقت ممارسته، وقدرة الشخص على التحكم فيه، وتأثيره في واجباته ونومه وعلاقاته وحركته. فعدد الساعات يقدم جزءًا من الصورة، لكنه لا يكشف وحده ما إذا كان الاستخدام مفيدًا أو مرهقًا. وتختلف الاحتياجات باختلاف العمر والظروف؛ فالطفل يحتاج إلى توجيه وحماية أكبر، بينما يحتاج المراهق إلى مزيج من المتابعة والحوار وتنمية الاستقلالية. أما البالغ، فيحتاج إلى تنظيم علاقته بالتقنية بما يتناسب مع متطلبات عمله وحياته الأسرية والاجتماعية. والسؤال الأهم ليس فقط: كم قضيت أمام الشاشة؟ بل أيضًا: ماذا أضاف هذا الاستخدام إلى حياتي؟ وهل أستطيع التوقف عندما أريد؟ وهل جاء على حساب نشاط آخر أكثر أهمية؟ هذه الأسئلة تساعدنا على بناء علاقة متوازنة مع التقنية بدل تصنيف كل استخدام طويل على أنه ضار، أو كل استخدام قصير على أنه آمن.
الصحة النفسية.. حين تتحول المقارنة إلى ضغط
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءًا من البيئة التي تتشكل فيها تصورات الناس عن النجاح والجمال والسعادة. فمن خلال الصور والمقاطع، نشاهد إنجازات الآخرين ورحلاتهم ومظاهر حياتهم، وقد يكون هذا المحتوى مصدرًا للإلهام والتعلم، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مصدر للمقارنة والضغط النفسي. فعندما يشاهد الشاب صورًا متتابعة لأشخاص يعرضون نجاحاتهم أو ممتلكاتهم أو أنماط حياتهم، قد يبدأ في مقارنة واقعه اليومي بما يراه، متجاهلًا اختلاف الظروف وما قد يكون غائبًا عن الصورة من صعوبات وتحديات. وقد تؤدي هذه المقارنة إلى مشاعر الإحباط أو عدم الرضا أو الشعور بالتأخر عن الآخرين. ولا يعني ذلك أن متابعة إنجازات الآخرين تؤدي بالضرورة إلى مشكلات نفسية؛ فقد تكون محفزة إذا دفعت إلى التعلم ووضع أهداف واقعية. لكن التأثير يختلف بحسب طبيعة المحتوى، وحالة الشخص النفسية، وطريقة تفسيره لما يشاهده. وتزداد أهمية هذه المسألة لدى الأطفال والمراهقين، الذين ما زالوا في مراحل بناء الهوية والثقة بالنفس. فقد يصبح عدد الإعجابات والتعليقات مقياسًا يتعاملون من خلاله مع قيمتهم الشخصية، أو يشعرون بالرفض عندما لا يحصلون على التفاعل الذي توقعوه. وهنا ينبغي للأسرة أن تساعد أبناءها على فهم أن التفاعل الرقمي لا يحدد قيمة الإنسان، وأن الشهرة على المنصات ليست معيارًا شاملًا للنجاح أو السعادة. ومن المهم ألا نفترض أن وسائل التواصل هي السبب الوحيد وراء القلق أو الحزن أو العزلة؛ فالصحة النفسية تتأثر بعوامل أسرية واجتماعية واقتصادية وشخصية متعددة. لكن إذا لاحظ الشخص أن استخدام منصة معينة يزيد توتره باستمرار، أو يدفعه إلى المقارنة المرهقة، فقد يكون من المفيد مراجعة الحسابات التي يتابعها وتنظيم وقت الاستخدام. وإذا استمرت المعاناة وأثرت في حياته اليومية، فمن المناسب طلب المساعدة من مختص مؤهل.
النوم والحركة.. احتياجات لا ينبغي أن تزاحمها الشاشة
من أكثر العادات الرقمية شيوعًا استخدام الهاتف قبل النوم لمتابعة الأخبار أو مشاهدة المقاطع أو الرد على الرسائل. وقد يقرر المستخدم تصفح الهاتف لبضع دقائق، ثم يجد نفسه مستمرًا مدة أطول مما كان ينوي. ولا يرتبط الأمر بضوء الشاشة وحده؛ فتأخير موعد النوم، والاستثارة الذهنية الناتجة عن المحتوى، والإشعارات المتكررة، كلها عوامل قد تجعل الحصول على الراحة الكافية أكثر صعوبة. وعندما يتكرر تأخير النوم، قد ينعكس ذلك على النشاط خلال النهار، والانتباه، والمزاج، والقدرة على التعلم وأداء المهام. لذلك، من المفيد تخصيص فترة هادئة قبل النوم، وتقليل الإشعارات الليلية، وإبعاد الهاتف عن السرير عندما يكون ذلك ممكنًا. كما ينبغي النظر إلى النوم باعتباره حاجة أساسية لا نشاطًا مؤجلًا إلى أن ينتهي المستخدم من متابعة كل ما يظهر على الشاشة؛ فالمحتوى الرقمي لا ينتهي، بينما يحتاج الجسد إلى وقت منتظم للراحة. ومن جهة أخرى، قد تمنحنا التقنية شعورًا بالحركة والنشاط ونحن في أماكننا، بينما يبقى الجسد ساكنًا لفترات طويلة. فقد يجلس الطالب أمام الحاسوب ساعات للدراسة، أو يقضي الموظف معظم يومه في الاجتماعات الافتراضية، ثم يواصل استخدام الهاتف في وقت الراحة.
والانشغال الذهني بالعمل أو التعلم لا يلغي حاجة الجسم إلى الحركة. فالجلوس لفترات ممتدة، خصوصًا مع وضعية غير مناسبة، قد يرتبط بالإجهاد وآلام الظهر والرقبة والكتفين. كما أن استبدال الأنشطة الحركية بالتصفح المستمر قد يقلل فرص ممارسة الرياضة أو المشي. ولا يتطلب تحسين هذه العادات تغيير نمط الحياة بالكامل؛ إذ يمكن البدء بالحركة بين فترات العمل، والمشي بانتظام، وتخصيص وقت لنشاط بدني يتناسب مع العمر والحالة الصحية. ويمكن للأسرة أن تجعل الحركة نشاطًا مشتركًا من خلال المشي أو ممارسة الألعاب أو الخروج إلى الأماكن المفتوحة. ومن المفيد كذلك توظيف التقنية نفسها لدعم الصحة، عبر تطبيقات النشاط البدني أو التذكير بالاستراحة. وهذا يؤكد أن التقنية ليست سبب المشكلة دائمًا، بل يمكن إعادة توجيهها لتكون جزءًا من الحل.
التركيز والتعلم.. كيف نحمي انتباهنا؟
يحتاج التعلم العميق إلى وقت يسمح بالفهم والتأمل والتجربة وتصحيح الأخطاء. لكن بعض أنماط الاستخدام الرقمي تشجع على الانتقال السريع بين المهام؛ فقد يقرأ الطالب فقرة، ثم ينتقل إلى رسالة، ثم يعود إلى الدرس، قبل أن يتوقف لمتابعة إشعار آخر. ولا يعني ذلك أن جميع التطبيقات تضعف التركيز؛ فالتقنية توفر أدوات فعالة للتعلم والتفاعل والوصول إلى المصادر العلمية. لكن التبديل المتكرر بين المهام قد يقطع تسلسل التفكير ويجعل إنجاز الأعمال التي تتطلب تركيزًا متواصلًا أكثر صعوبة. ومن المفيد أن يتعلم الطلاب تنظيم بيئة الدراسة الرقمية، من خلال تحديد مهمة واحدة لكل فترة عمل، وإغلاق التطبيقات غير الضرورية، وإيقاف الإشعارات التي لا تتطلب استجابة فورية، وتخصيص فترات للراحة. كما تستطيع المؤسسات التعليمية تصميم أنشطة رقمية واضحة الأهداف، وتعليم الطلاب مهارات تنظيم الوقت والانتباه. ولا ينبغي أن يتحول هذا التوجيه إلى لوم للطلاب أو افتراض أنهم يفتقرون إلى الإرادة؛ فالبيئة الرقمية نفسها قد تتضمن مصادر متعددة للمقاطعة. والمطلوب هو تعليمهم كيفية إدارة هذه البيئة والاستفادة من أدواتها، لا مجرد مطالبتهم بمقاومة كل مشتت.
العلاقات الإنسانية في زمن التواصل المستمر
من المفارقات أن التقنية التي قرّبت المسافات بين الناس قد تتزامن أحيانًا مع تراجع جودة التواصل بين الموجودين في المكان نفسه. فقد يجتمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، بينما ينشغل كل منهم بهاتفه، أو يجلس الأصدقاء في لقاء مشترك ويتوزع انتباههم بين الحوار والإشعارات. ولا يعني ذلك أن التواصل الرقمي أقل قيمة دائمًا؛ فقد يحافظ على العلاقات بين أفراد الأسرة البعيدين، ويتيح تبادل الدعم والخبرات. لكن وجود وسيلة اتصال لا يضمن بالضرورة وجود تواصل إنساني عميق. فالحوار المباشر يتضمن عناصر لا تنقلها الرسائل النصية دائمًا، مثل نبرة الصوت وتعبيرات الوجه والانتباه المتبادل. وعندما يتكرر الانشغال بالهاتف أثناء الحديث، قد يشعر الطرف الآخر بأن حضوره أقل أهمية.
ومن هنا تأتي أهمية الاتفاق على أوقات تكون فيها العلاقات الإنسانية أولوية، مثل الوجبات الأسرية والزيارات واللقاءات المهمة. والأفضل أن تطبق هذه القواعد على الكبار والصغار معًا؛ فمن الصعب مطالبة الأبناء بترك هواتفهم بينما ينشغل الوالدان بأجهزتهما في الموقف نفسه. والهدف ليس منع الهاتف في جميع المناسبات، بل تحقيق توازن يسمح بالاستفادة من التواصل الرقمي دون أن يحل محل التواصل المباشر الذي تحتاج إليه العلاقات الإنسانية.
الأطفال والمراهقون.. بين الحماية والاستقلالية
تحتاج علاقة الأطفال والمراهقين بالتقنية إلى اهتمام خاص، لأنهم يمرون بمراحل متتابعة من النمو والتعلم وبناء الهوية. ولا توجد قاعدة واحدة تناسب جميع الأعمار؛ فما يحتاج إليه الطفل الصغير يختلف عن احتياجات المراهق الذي يقترب من الاستقلال. وفي تقرير نشره المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا في سبتمبر 2024، استنادًا إلى دراسة شملت نحو 280 ألف طفل ومراهق تتراوح أعمارهم بين 11 و15 عامًا في 44 دولة ومنطقة، ارتفعت نسبة المراهقين الذين ظهرت لديهم مؤشرات الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي من 7 % عام 2018 إلى 11 % عام 2022. كما أشار التقرير إلى أن 12 % كانوا معرضين لخطر الاستخدام الإشكالي للألعاب الرقمية. ولا تعني هذه النتائج أن جميع المراهقين الذين يستخدمون وسائل التواصل بكثرة يعانون مشكلة، ولا تثبت أن التقنية وحدها سبب التحديات النفسية التي يواجهونها. لكنها تلفت الانتباه إلى الحالات التي يصبح فيها الاستخدام صعب التحكم، أو يؤثر في النوم والدراسة والعلاقات والأنشطة اليومية.
والحل لا يكمن في المنع المطلق أو ترك الطفل دون توجيه، بل في وضع قواعد واضحة تتناسب مع عمره، والحوار حول المحتوى والمخاطر، وإشراك الأبناء تدريجيًا في تنظيم عاداتهم الرقمية. ومن المهم أن تنتبه الأسرة إلى التغيرات المستمرة، مثل اضطراب النوم أو الانسحاب من الأنشطة المعتادة أو التوتر الشديد عند تعذر الوصول إلى الجهاز. وهذه العلامات لا تكفي وحدها لتشخيص مشكلة صحية، لكنها قد تكون سببًا لفتح حوار هادئ وطلب مساعدة مختص إذا استمرت الصعوبات أو أثرت في الحياة اليومية. كما ينبغي أن يشعر الطفل بالأمان عند الإبلاغ عن تجربة مزعجة عبر الإنترنت، وألا يخشى أن يؤدي طلب المساعدة تلقائيًا إلى اللوم أو العقاب. فالحوار والثقة عنصران أساسيان في الحماية، إلى جانب أدوات الرقابة المناسبة للعمر.
كيف نبني عادات رقمية صحية؟
لا تحتاج التربية الرقمية الصحية إلى خطة معقدة، بل يمكن أن تبدأ بخطوات صغيرة ومتفق عليها. تستطيع الأسرة مراجعة روتينها اليومي لمعرفة ما إذا كان استخدام الأجهزة يؤخر النوم أو يزاحم الدراسة أو يقلل الحركة والتواصل. وبعد تحديد الجوانب التي تحتاج إلى تحسين، يمكن الاتفاق على خطوات عملية، مثل تخصيص وقت هادئ قبل النوم، وإبعاد الهواتف عن مائدة الطعام، وتحديد فترات للدراسة دون إشعارات، وإدراج نشاط بدني في الجدول الأسبوعي. ومن الأفضل أن تكون الأهداف واضحة وقابلة للتطبيق، وأن يشارك الأبناء في اختيارها. ومن المفيد أيضًا مراجعة التطبيقات والإشعارات وإلغاء ما لا يحتاج إليه المستخدم، وتفعيل أدوات التركيز، وتنظيم الحسابات التي يتابعها. فليس كل ما يصل إلى الهاتف يستحق الاهتمام الفوري، وليس من الضروري أن يكون الإنسان متاحًا طوال الوقت.
وفي المقابل، ينبغي توفير بدائل واقعية وجذابة للاستخدام الرقمي، مثل الرياضة والقراءة والهوايات والأنشطة الاجتماعية. فمن الصعب مطالبة الطفل بترك الجهاز إذا لم يجد أنشطة بديلة تناسب اهتماماته، أو إذا كان جميع من حوله يقضون أوقاتهم أمام الشاشات. ويجب ألا تتحول هذه الممارسات إلى منافسة بين الأسرة وأبنائها، بل إلى اتفاق مشترك هدفه بناء نمط حياة تتعايش فيه التقنية مع النوم والحركة والتعلم والعلاقات الاجتماعية بصورة متوازنة.
متى نحتاج إلى طلب المساعدة؟
من المهم التمييز بين الاستخدام الذي يحتاج إلى تنظيم، والمشكلة التي تستدعي دعمًا متخصصًا. فقد يزداد استخدام الشخص للهاتف خلال فترة ضغط دراسي أو عمل طارئ، ثم يعود إلى نمطه المعتاد. لكن عندما تستمر الصعوبات أو تؤثر بوضوح في النوم أو الدراسة أو العمل أو العلاقات، أو يصبح الشخص عاجزًا عن التحكم في استخدامه رغم محاولاته، فقد يكون من المناسب استشارة مختص مؤهل. وينطبق الأمر أيضًا عندما تظهر تغيرات نفسية مستمرة أو قلق شديد أو عزلة ملحوظة أو تراجع واضح في الأداء اليومي. ولا ينبغي تشخيص الأطفال أو المراهقين اعتمادًا على عدد ساعات استخدام الأجهزة وحده، أو افتراض أن كل مشكلة نفسية ناتجة عن المنصات الرقمية؛ فالتقييم المهني يأخذ في الحسبان ظروف الشخص وتجربته والعوامل المحيطة به. كما لا يمكن لأدوات الرقابة الأبوية أن تحل محل الحوار أو الدعم النفسي عند الحاجة. فهي تساعد على تنظيم الوصول إلى المحتوى، لكنها لا تستطيع وحدها فهم أسباب القلق أو معالجة المشكلات الأسرية أو تعليم مهارات إدارة المشاعر. ولهذا تظل الحماية التقنية أكثر فاعلية عندما تقترن بالتواصل الإنساني والثقة.
الخلاصة: التقنية يجب أن تدعم الحياة لا أن تزاحمها
إن الصحة النفسية والجسدية في العصر الرقمي لا تتعلق بعدد الساعات أمام الشاشة وحده، بل بطبيعة علاقتنا بالتقنية ومدى قدرتنا على توظيفها دون أن تطغى على احتياجاتنا الأساسية. فالنوم والحركة والتركيز والعلاقات الإنسانية ليست أنشطة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الانتهاء من التصفح، بل عناصر أساسية لحياة متوازنة. ولا تتحقق التربية الرقمية الصحية بالمنع المطلق أو الرقابة المستمرة، بل ببناء الوعي، وتوفير القدوة، وتنمية القدرة على اتخاذ القرار، ووضع حدود واقعية تتناسب مع العمر والاحتياجات. كما تتطلب الاستعداد لمراجعة العادات وتعديلها عندما نلاحظ أنها لم تعد تخدم أهدافنا أو تؤثر سلبًا في حياتنا.وفي نهاية المطاف، ليست الغاية أن نعيش بعيدًا عن العالم الرقمي، بل أن نكون قادرين على المشاركة فيه دون أن نفقد توازننا أو استقلالنا أو جودة علاقاتنا. فالتقنية الناجحة هي التي توسع فرص الإنسان وتساعده على التعلم والتواصل والإبداع، لا التي تستنزف انتباهه وتزاحم احتياجاته الأساسية. وفي الجزء الثالث من هذه السلسلة، سننتقل من علاقة الفرد بالتقنية وتأثيرها في صحته إلى مسؤوليته داخل الفضاء الرقمي، من خلال مقال المواطنة الرقمية.. الأخلاق والحقيقة في عالم مفتوح، الذي يتناول التحقق من المعلومات، واحترام الخصوصية، وأخلاقيات التفاعل، وكيف يمكن لكل مستخدم أن يسهم في بناء بيئة رقمية أكثر وعيًا واحترامًا ومصداقية.
** **
- أكاديمي وباحث في التقنية والذكاء الاصطناعي