بين قرار يدعم دخل الأسرة، ومؤسسات تعليمية تنافس عالميا، ومشاريع قطارات تختصر المسافات، تستمر مسيرة التحول السعودي في تفاصيل الحياة اليومية في منطقة تتوالى عليها الأزمات، حيث تواصل المملكة مسارات تنموية تجمع ما بين حماية الأمن، وتنويع مصادر الاقتصاد والاستثمار في الأرض والإنسان سعيا للارتقاء بجودة حياة المواطن ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.
تعزيز الحماية الاجتماعية
أتت التوجيهات الملكية الكريمة الصادرة في 25 أكتوبر 2026، بناء على ما عرضه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، لتضيف حلقة جديدة إلى منظومة الدعم الاجتماعي مشتملة على إضافة بدل شهري بمقدار 500 ريال للفئات المشمولة من الموظفين المدنيين والعسكريين والمتقاعدين، وأفراد عائلة المشترك أو المتقاعد المتوفى الخاضع لنظام التأمينات الاجتماعية، إلى جانب دعم شهري مماثل للأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي وفق الضوابط المنظمة، بحسب صيغة البيان.
اقتصاد متين يواجه التقلبات
منذ تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد في يونيو 2017، تسارعت برامج التحول الوطني ضمن أُطر رؤية السعودية 2030، التي أطلقت في العام 2016، ليمتد أثرها إيجابيا، إلى مفاصل الاقتصاد، وقرارات التعليم، وتعزيز الصحة، وتوفير الإسكان، وتطوير منظومة النقل، والتوسع في برامج الترفيه، على الرغم من تقلبات النفط، والأوضاع الإقليمية ضمن الاختبارات المؤثرة في مسيرة التنفيذ.
وتكشف مؤشرات الربع الثاني من العام 2026 جانبا من هذه المعادلة؛ إذ تقلصت نسبة البطالة بين السعوديين 6.5 %، ونمت الأنشطة غير النفطية بمعدل 0.9 % على أساس سنوي، على الرغم من الانكماش الطفيف في الناتج المحلي بمعدل 4.7 % متأثرا بتراجع مداخيل المنتجات النفطية، وهي أرقام تؤكد أهمية استمرار التنويع الاقتصادي، وتحويل الاستثمارات إلى إنتاجية وفرص عمل مستدامة.
وفي موازنة العام26، خُصص نحوا من 202 مليار ريال للتعليم، و259 مليارا للصحة والتنمية الاجتماعية؛ بما يعكس حجم الالتزامات الموجهة إلى الخدمات الأساسية وبناء القدرات، مع التمييز بين المخصصات المعتمدة والإنفاق الفعلي الذي تكشفه تقارير التنفيذ.
التعليم.. والاستثمار في المستقبل
يمثل التعليم قاعدة واسعة للاستثمار في الانسان السعودي، حيث بلغ عدد طلبة التعليم العام نحو 6.4 مليون طالب وطالبة في العام 2025، وتجاوز خريجو مرحلة البكالوريوس والماجستير والدكتوراة 214 ألف خريج وخريجة، وهي قاعدة بشرية يرتبط أثرها التنموي بجودة التأهيل ومواءمته مع سوق العمل.
أما على المستوى الدولي، فقد شمل تصنيف QS لتصنيف الجامعات للعام 2027، والصادر في 2026، اثنتين وعشرين جامعة سعودية حكومية وأهلية. إضافة إلى ذلك، سجلت ست جامعات سعودية حضورا ضمن قائمة الأكاديمية الوطنية للمخترعين لأفضل مئة جامعة عالميا في تسجيل براءات الاختراع الأمريكية خلال 2025. وفي التعليم العام، حقق الطلبة السعوديون 24 جائزة دولية في معرض «ISEF 2026»، شملت 12 جائزة كبرى، في مؤشر على اتساع الحضور العلمي والبحثي للمؤسسات التعليمية السعودية.
الابتعاث.. جسر المعرفة
كجسر تواصل علمي وثقافي في مساحات المعرفة العالمية، فقد أعلنت وزارة التعليم في العام 2026 أن برنامج «الابتعاث الاستراتيجي» سجل أكثر من 56 ألف مبتعث. وبالتوازي، تتيح منصة «ادرس في السعودية» المخصصة للطلبة الدوليين، فرصا تعليمية تشمل الحصول على منحة تعليمية كاملة أو جزئية، بما يدعم مسار التبادل العلمي والثقافي، ويعزز حضور المملكة كوجهة مفضلة للتعلم والبحث.
من المسكن إلى المسار الرياضي
في مستهدفات تحسين الحياة، بلغت نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن 66.24 % بنهاية 2025، فيما ارتفع متوسط العمر المتوقع للفرد إلى حوالي 80 عاما بحسب بيانات برنامج تحول القطاع الصحي، ليمتد معنى جودة الحياة ما بين المسكن والخدمات الصحية، إلى الحي الذي يسهل التريض فيه، ووسائل النقل المتاحة. وفي ذات السياق، أعلنت وزارة البلديات والإسكان خلال العام 2026 أن برنامج «بهجة»، أضاف أكثر من 12 مليون متر مربع من الفضاءات المجتمعية، وقد شملت المرحلة الأولى افتتاح مشروع المسار الرياضي بمدينة الرياض في فبراير 2025 لتوسيع خيارات الحركة والنشاط البدني والترفيه.
النقل العام.. وتغيير تفاصيل اليوم
بات مشروع مترو الرياض جزءا من تفاصيل الحياة اليومية لسكان العاصمة؛ إذ سجل نحو 30.4 مليون رحلة ركوب خلال الربع الثالث من 2026، ضمن أكثر من 40.9 مليون رحلة عبر قطارات المملكة، وبينما يخدم المترو التنقل داخل العاصمة، تؤدي شبكات القطارات الأخرى، كقطار الحرمين، وشبكتا الشرق والشمال للنقل، دورا مختلفا في ربط الوجهات وتيسير الحركة.، ليمنح هذا التوسع، المواطنون والزوار، خيارات أوسع للوصول إلى أعمالهم ووجهاتهم، ويجعل تكامل منظومة النقل العام أحد أهم عناصر تطوير المدن، وتحسين تجربة الحياة اليومية. بها
الترفيه.. حضور عالمي بنكهة سعودية
سجلت انشطة الترفيه، 45.7 مليون زيارة للفعاليات خلال النصف الأول من العام 2026، كما أن المملكة العربية السعودية تتجه إلى محطات ترفيه كبرى، تشمل استضافة كأس آسيا 2027، وإكسبو الرياض 2030، وكأس العالم 2034؛ وهي استضافات تحمل فرصا كبرى في مجالات السياحة، والاقتصاد والأعمال، والتبادل الثقافي. ويمتد أثر هذه الفعاليات إلى تجربة المواطن والزائر بما تتيحه من خيارات ترفيهية وثقافية ورياضية، إضافة إلى تنامي فرص المشاركة والعمل.
كورونا.. اختبار الصحة والاقتصاد
الجدير بالذكر، أن تلك التحولات الكبرى في البنية الاقتصادية والثقافية والمجتمعية لم تجر في غياب للأزمات الإقليمية والدولية، فخلال عام جائحة كورونا، أعلنت المملكة مبادرات تجاوزت مخصصاتها 214 مليار ريال لدعم الاقتصاد والقطاع الخاص، إلى جانب تخصيص 47 مليار ريال إضافية للقطاع الصحي، كمخصصات معلنة خلال تلك المرحلة، إلا أنها ليست إجمالي التكلفة النهائية للاستجابة للجائحة. كما أتاحت المملكة علاج المصابين بالفيروس مجانا، بمن فيهم مخالفو أنظمة الإقامة والعمل، في استجابة وضعت حماية الصحة العامة في مقدمة الأولويات، وربطت الإجراءات الوقائية بالدعم الصحي والاقتصادي للجميع.
حماية الأمن... ومساعي السلام
أمنيا، واجهت المملكة تهديدات الصواريخ والطائرات المسيرة المرتبطة بالنزاع في اليمن، إلا أنها واصلت تطوير قدراتها الدفاعية؛ ومن شواهدها، تدشين أول وحدة من منظومة «ثاد» في يوليو 2025، وامتداد لتعزيز منظومة الأمن الإقليمي، وقعت كلا من السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك في أغسطس 2026، لتعزيز مفهوم الردع الجماعي والتعاون الدفاعي وفي مجال الأمن البحري، قادت المملكة مبادرة إنشاء «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات»، لحماية حرية الملاحة والمصالح البحرية المشتركة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، واستضافت الرياض في يوليو 2026 اجتماعا بمشاركة ممثلين من 43 دولة، أصدرت خلاله 14 دولة بيانا مشتركا داعما للمشروع؛ في خطوة تربط أمن المنطقة باستقرار التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وإمدادات الطاقة.
وبالتوازي مع تعزيز الدفاع والشراكات، طرحت المملكة مبادرتها لإنهاء الأزمة اليمنية عام 2021، ودعمت جهود التهدئة والمسار السياسي؛ بما يعكس أهمية الجمع بين حماية الحدود وردع التهديدات، والعمل الدبلوماسي لخفض التصعيد وتهيئة الظروف للسلام.
استدامة المنجز وأثره في حياة المواطن
تظل أمام هذه المسيرة تحديات تتعلق بتكلفة المعيشة، واستدامة التمويل، وجودة الوظائف، وتحويل المشروعات إلى أثر متوازن بين المناطق؛ ومن هنا، تكتسب القرارات قيمتها حين يلمس المواطن نتائجها في دخله وخدماته ووقته وفرص أبنائه.
إن ما تشهده المملكة مسيرة وطنية متصلة الحلقات؛ تستثمر في الإنسان منذ الطفولة، وتسانده في التعليم والصحة والسكن، وتفتح أمامه أبواب المستقبل؛ وفي مواجهة الأزمات، تبرز قيمة مواصلة البناء، والجمع بين حماية الأمن ورعاية المجتمع، تلك هي المعادلة التي تسعى السعودية إلى ترسيخها: أمن يحمي المنجز، وتنمية توسع الفرص، وعطاء يتواصل عبر الأجيال… لأنها السعودية؛ عطاء يتواصل، وتنمية تعبر الأزمات.
** **
- سمير الحازمي