دهام بن عواد الدهام
آثار ذاكرتي المتعبة الأستاذ والصديق القدير فيصل البحيران في لقاء مبارك إلى (سوق البحر) في سكاكا أو (سوق حزم البحر) أن أعود إليه براحلتي وقلمي.
هناك في هذا السوق التراث أصدق أنباء من الكتب (أحياناً) ولا تزل الفرصة قائمة أن يبقى هذا المعلم جزءاً من تاريخ هذه المنطقة وعاصمتها الإدارية سكاكا، وإن كنت على أمل أن الإدارات ذات الاختصاص وعناية سمو أمير المنطقة أن يكون الاهتمام للمحافظة على هذا الكيان التراثي الذي عايش وعاصر مراحل من حياة وتاريخ المدينة. مع هذه الثقة والأمل يساورني الخوف والتوجس أن يكون مصيره مصير مدرسة البنات الثانية (بيت القبيسي) والتي رغم جهدي المتواضع للمحافظة عليها كتراث عريق رغم ملكيتها الخاصة (كأحد معالم التعليم للبنات في سكاكا حين كان أهلها يتسارعون لإلحاق بناتهم للدراسة فيها)، أصبحت اليوم (أثراً بعد عين) وأزالتها الجرافات وأنهت أثراً هاماً تراثاً معمارياً وتعليمياً، محاولاتي للحفاظ عليه أطمأننت على حمايته بعد معلومات من إدارة الآثار والتراث بالمنطقة أن الموقع سجل في قائمة التراث العمراني في منطقة الجوف بالرقم (186) وتم رفعه مساحياً وتوثيقه وتصنيفه (وفق المرسوم الملكي يعد إزالة التراث العمراني المسجل يعد مخالفة بموجب نظام الآثار والتراث العمراني).
كما أخشى أن يكون مصير السوق أيضاً كما حصل للمعلم التجاري السوق المركزي (القيصرية) (لا أعلم إن كان سجل ضمن التراث المعماري قبل الإزالة)، لكن نظامه المعماري الفريد وتعدد ممراته والمحال التجارية التي كانت تجمع مختلف التجار باختلاف مهنهم في المدينة وبما فيها مكتب للبلدية ومحل للجمعية التعاونية ومن شاخت الذاكرة عن ذكرهم يعطي هذا المعلم أهميته التراثية.
أعود إلى سوق البحر واستذكر بقايا زمن عشته قربه وبه نحن سكان الجوار لكن لي فيه ما يربطني من ذكريات دكان جدي زايد اللاحم وبعض من الأقارب وذلك المسجد (مسجد الشيخ فيصل) المتربع على كتفه الشمالي ذهاباً وإياباً لفروض الصلاة وساحة السوق الفسيحة التي تحيط بها المحلات التجارية من الجهات الأربع مع تداخل بعض المنازل الخاصة كما يتوسطها سرداب عميق كل ما كنا نعرفه كصغار أنه لتجميع مياه الأمطار نظراً لعدم استواء الموقع المنحدر والمنخفض عن الجغرافيا حوله وربما كان له دور آخر لا نعرف لماذا سمي سوق البحر أو سوق حزم البحر في منطقة صحراوية لم تدون الذاكرة ولا ما أطلعت عليه من كتب مدعاة هذه التسمية إلى أن اتحفني الأستاذ البحيران بأنه مشتق من بير (قليب للبحيران) يشارك ريها خمس أو ست مزارع في الجهة الشمالية الغربية من السوق مع أن (قليب) الجفر التي تسقي بساتين (حوطة) خمسة بالسني بواسطة الدواب قبل أن تتوفر المكائن الآلية أقرب للموقع وتتمثَّل بيئة السني من الدواب و(مجر)، المسار الخاص بهذه الدواب يكون بانحدار معاكس لموقع البير يستخرج الماء بواسطة هذه السواني.
يقول الأستاذ عبدالرحمن بن عبدالكريم المفرج في كتابه (رحلة التغير في الديرة) لتوصيف حال المدينة وما مر عليها من عصور متقدمة وارتباطها بسكنى الإنسان الأول وتعاقب الحضارات عليها ما قبل الإسلام وبعده بحكم موقعها الجغرافي المميز (لا يعرف عنا لكثر مما تناقلته الروايات الشعبية من خلال بعض الحكايات والأشعار المروية المعتمدة على الذكرة وحدها ولا يسندها في هذا سجل مخطوط. أرضها غني بالماء وظاهرها مظلل بالنخيل والأشجار وتزخر بالآثار والشواخص وما هو تحت سطحها أعظم وإن تعرض بجهالة أو عدوان للتجريف والتدمير، بل أهمل ولم يلق العناية والقراءة الصحيحة التي تكشف التاريخ الحقيقي الذي لم يكتب بعد).
اهتم المؤلف بالتغيرات الجغرافية والجيومكانية خاصة ما ارتبط منها بسوق البحر ولارتباط هذه التراث المكاني بالمدينة وأفرد تفاصيله والمتغيرات حوله.
يدون هذا الكاتب المشهد القديم وما حصل عليه من تغيير كما أعاد تحليلياً نشأة سوق البحر إلى فترات زمنية تتطابق والزمن الوجودي للإنسان في هذه البقعة مركزاً لتبادل المنافع بين البيع والشراء للمقيم والعابر حين تطورت حاجة الإنسان ووسائل نقله حين كان هذا السوق (مناخ) لرواحل العابرين وتجارة الماشية حتى أشار المؤلف عن نشأت السوق وربما ارتباطه (بالمشاهدة تجار من العراق استقروا في سكاكا) لا تستند إلى توثيق لأن وجودهم في المنطقة يعتبر حديثاً نوعاً ما لا يتوافق مع حاجة المدينة إلى مركز لتبادل المنافع التجارية خاصة وأن المكان يتوسط طرق القوافل إلى العراق والشام ضارب بالقدم والأهمية، كذلك التي تجليها وجود مسجد قبل أن يعمل الشيخ فيصل على تطويره وبناء جامع مكانه، (1363هـ) ارتباط هذا السوق بذاكرة المدينة وأهلها ممن مارسوا التجارة فيه أو استفادوا من تعاملاتهم التجارية في كل ما يحتاجونه وارتباط هذه الأزمنة بحياة وحاجة السكان تتوارثها أجيال بعد أجيال.
لقد دوّن الكتاب المشار إلهي أكثر من (90) اسماً تجاراً مارسوا التجارة المتعددة في هذا السوق دليلاً على النشاط التجاري المختلف إضافة إلى وجود آبار للمياه (تحت مصطلح حسو) أو مبادرة السكان المحيطين أصحاب المزارع بتوفير مصادر مياه لمرتاديه بالتغذية بالمياه (قرو) وبالتأكيد هناك أسرار وذكريات لم تكن مكتوبة، بل تحفظها ذاكرة أهلها والأجيال والأحفاد من بعدهم.. -كتاب رحلة التغيير في الديرة- للكاتب المفرج جميل المعلومة والتوصيف الزماني والمكاني للديرة يعلو مضمونه (سوق البحر وتفاصيله).
هنا رسالتي لمن يهمه الأمر وتأكيداً لاهتمام سمو أمير المنطقة بهذه المواقع التاريخية التراثية أن لا تتركه الجهات ذات العلاقة وأعني بهم (الأمانة -المكتب الإستراتيجي- إدارة التراث المعماري وزارة الثقافة) المنطقة تعج بالآثار والتراث المعماري تجسيداً لأصالتها وأهميتها في العهود القديمة المتجددة بفضل قيادتنا الحكمية وفقها الله إلى الخير في كافة أرجاء الوطن.