د. طلال الحربي
تتقاسم الكتب التي تتصدى لموضوع النجاح وبناء الذات في المكتبة العربية مصيرين: إما أن تذوب في كثرة الشعارات المستوردة فلا يبقى منها أثر، وإما أن تستند إلى تجربة حقيقية ورؤية متماسكة فتفرض على الناقد أن يقرأها بجدية. وكتاب معالي المهندس منصور بن هلال المشيطي «نظرية البِشت في هندسة الحياة» ينتمي إلى الصنف الثاني، لأنه لا يكتفي بتقديم النصائح، بل يشيّد استعارة ثقافية كاملة من رمز راسخ في الوجدان الخليجي، ويجعلها إطارًا لتأمل النجاح والأثر والمسؤولية.
وهذه القراءة تنطلق من الخطاب الذي كتبه المؤلف على الغلاف الأخير، وهو نص يختزل مشروع الكتاب ويكشف عن منهجه في مخاطبة قارئه، وتستمد حدودها من حدوده، فلا تدعي إحاطة بمتن الكتاب الذي لم يتح لها هذا الغلاف إلا مفتاحه.
ولا يخفى على من يعنى بعتبات النص أن العنوان في هذا الكتاب مشروع قائم بذاته. فالبِشت في الذاكرة السعودية ليس قطعة قماش تُلبس، بل علامة مقام ووقار، يرتديه صاحبه في لحظات التكليف والتكريم والحضور العام الفرح والحزن ، فيغدو شاهدًا على انتقال الإنسان من فرديته إلى دوره، ومن ذاته إلى ما تحمّله من أمانة.
وحين يقرن المؤلف هذا الرمز بعبارة «هندسة الحياة» فإنه يجمع حقلين دلاليين يبدوان متباعدين: حقل التراث بما فيه من هيبة ووجدان، وحقل الهندسة بما تقتضيه من قياس وتخطيط وانضباط منهجي. وهذا الازدواج يبشّر بخطاب يتجاوز ثنائية الأصالة والمعاصرة، ويرى في الموروث مادة حية قابلة لأن تُبنى منها مفاهيم تخاطب الحاضر. ولعل في صياغة العنوان على هيئة «نظرية» ما يعلن طموح المؤلف إلى أن يرتقي بخبرته من مستوى الحكاية إلى مستوى التأصيل، وهو طموح يحسب له.
أما بنية الخطاب الموجه إلى القارئ فتستحق وقفة أطول، لأنها المكان الذي تتجلى فيه فلسفة الكتاب في التواصل. فالنص يستهل بنداء مزدوج، «أخي القارئ، أختي القارئة»، يرسم علاقة قوامها المودة والمساواة، ويخلع عن الكاتب عباءة الواعظ ليضعه في موقع الرفيق في الطريق. ثم يأتي الإعلان الأهم حين يقرر المؤلف أنه لم يكتب قصصًا، لأن القارئ نفسه هو القصة. وهذه عبارة تفتح للناقد بابًا واسعًا، إذ تعيد توزيع الأدوار بين النص ومتلقيه على نحو يتقاطع مع ما قررته نظريات التلقي من أن المعنى لا يكتمل إلا بمشاركة القارئ في إنتاجه. فالمؤلف لا يملأ فراغ الكتاب بحكايات جاهزة يستعيرها من سير الناجحين، بل يترك ساحة التجربة لقارئه، ويكتفي بأن يضع بين يديه «أداة» يقيس بها مسافته نحو رسالته ويراجع بها اتجاهه ويبني بها وعيه. ولهذه المفردات دلالتها، فالقياس والمراجعة والاتجاه والبوصلة قاموس مهندس عركته الميادين، نقل منطق الإنجاز المؤسسي إلى مجال الذات والمعنى، فصار الإنسان مشروعًا يُخطَّط له ويُقاس تقدمه ويُصحَّح مساره.
وفي مستوى الخطاب الثقافي، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه محاولة جادة لإنقاذ أدب التنمية الذاتية من مآخذ طالما رددها النقاد عليه: استسهال المعالجة، وتكرار الشعارات، واقتباس نماذج من بيئات بعيدة عن سياق القارئ العربي.
أما هنا فنحن أمام تجربة تنهض على خبرة مهنية وإدارية طويلة، وتتكئ على رمز محلي أصيل، وتتجه إلى أن تكون «دليلًا عمليًا» بتعبير المؤلف لا موعظة تحفيزية عابرة. وثمة ملمح أخلاقي يستوقف القارئ في التوازن الذي يقيمه الخطاب بين النجاح الشخصي والأثر العام، فالمؤلف لا يجعل الفرد غاية في ذاته، بل يربط نجاحه بقدرته على أن يُنجِح غيره وأن يكون جزءًا من قصة أثر أكبر. وهذا يعيد إلى الأذهان تقليدًا إنسانيًا وعربيًا عريقًا يقيس قيمة الإنسان بما يخلّفه من نفع، ويقترن فيه الطموح بالمروءة وخدمة الجماعة. ومن شأن هذا المنظور أن يخرج حديث النجاح من الأنانية التي لازمت كثيرًا من أدبياته.
وعلى مستوى اللغة، تتسم الصياغة في هذا النص التقديمي بالرصانة والاقتصاد، فهي تؤثر الجملة المحكمة ذات الإيقاع الهادئ على الإنشاء المزخرف، وتلائم بذلك موضوعها، إذ إن الحديث عن هندسة الحياة يقتضي لغة منضبطة لا ترهق القارئ ولا تستخف بعقله. وتتكرر في النص صور الرحلة والجسر والرفيق والبوصلة والمسارات، فتنسج حقلًا استعاريًا متسقًا يمنح الخطاب وحدته الدلالية ويجعل قراءته أقرب إلى الاستدلال بالصورة منه إلى الإرشاد المباشر. وأجمل ما في الخاتمة دعوته إلى أن يقرأ القارئ بتأنٍّ ويتوقف حيث يلزم، فهي دعوة إلى القراءة بوصفها تأملًا لا استهلاكًا، وفيها احترام لزمن المتلقي وعقله، وهو احترام نادر في كتابة تميل أحيانًا إلى الإيجاز التلقيني.
ولا يستقيم الحكم على هذا العمل دون النظر إلى سياقه الحضاري، فهو ثمرة مناخ ثقافي أعادت فيه رؤية المملكة 2030 للثقافة موقعها في صلب المشروع الوطني. فقد شهدت السنوات الماضية تحولًا لافتًا في رعاية الكلمة والمثقف، تجسد في إنشاء وزارة الثقافة وهيئاتها المتخصصة، وفي اتساع معارض الكتاب ومبادرات النشر والترجمة والجوائز الأدبية، وفي ترسيخ قناعة بأن الاستثمار في الإنسان ووعيه هو الاستثمار الأبقى. وفي هذه البيئة بات من الطبيعي أن يتجه أصحاب التجارب القيادية إلى تدوين خبراتهم وتحويلها إلى معرفة مشتركة، وأن تجد هذه الكتابات دور نشر ومنصات تحتضنها. وكتاب المشيطي مثال على هذا التفاعل المثمر بين التجربة العملية والرعاية الثقافية.
وجملة القول إن «نظرية البِشت في هندسة الحياة» إضافة جديرة بالتقدير إلى المكتبة السعودية والعربية، لأنه صادر عن خبرة طويلة وروح مسؤولة، وصيغ بوعي بالقارئ ومقام الكلمة، واستثمر رمزًا ثقافيًا أصيلًا في بناء رؤية معاصرة للإنسان والأثر. وإذا كان البِشت يُلبس على الكتفين دلالةً على حمل الأمانة، فإن هذا الكتاب يضع على كتفي قارئه أمانة أن يكون بطل قصته وصانع أحداثها، وهي أمانة لا يحملها إلا من أدرك أن الحياة تُصمَّم بوعي كما تُشيَّد الصروح الكبرى، وأن قيمة النجاح في أثره الباقي.