د. سطام بن عبدالله آل سعد
يُحكى أن جُحَا طاف البلاد والأمصار، وعبر الجبال والبحار، حتى جمع مئات الدنانير، ليدّخرها ليومٍ كبير. ثم حطّ رحاله في إحدى القرى، وجعل يجول فيها يسمع ويرى. فلما طال به المقام، جمع أهلها من الخاصة والعوام، وقال: يا أهل الديار، أبشّركم بنصرٍ تتناقله الأخبار، ومجدٍ تُخلّده الأشعار؛ فإن بلغت دنانيري الألف في هذا المكان، ذاع صيت قريتكم بين البلدان، وتناقل خبرها الركبان! فاستبشر القوم بالنصر الموعود، وترقّبوا بلوغ الألف كأنه فتحٌ مشهود، وصاروا يعدّون دنانير جُحَا عند الصباح، ويرقبون ما يجمعه عند الرواح، حتى أصبح بلوغ الألف حديث الأسواق، وتعلّقت به الآمال والأشواق. وكلما أضاف جُحَا إلى صرّته قنطارًا، صاح فيهم: اقتربنا من النصر دينارًا! فتعالت الأصوات، وارتفعت الهتافات، وكأن الدينار دخل خزائنهم، لا صرّة ضيفهم.
والعجب أنهم أهملوا التجارة والعمل، وانشغلوا بعدّ دنانيره دون كلل أو ملل؛ فإذا كسدت أسواقهم وضاعت أرباحهم، واسوا أنفسهم قائلين: لا بأس، المهم كم بقي لجُحَا ليبلغ الألف؟ ولم يقف هذا الهوس عند الكبار، بل سرى حتى بلغ الصغار، فأخذ الأطفال يرددون في كل درب ومسار: الألف الألف يا جُحَا.. الألف الألف يا جُحَا.
حتى إذا تمّ العدد، وتحقق الوعد، ضجّت القرية بالبشرى، ونُصبت المنابر الكبرى، ونُحرت الذبائح، وتوالت المدائح، وتراصّت الصفوف، وقُرعت الدفوف. ووقف جُحَا وسط الحشود، يتلقى الثناء من الوفود؛ حتى ظنّ القادم من بعيد أن القوم عادوا بنصرٍ مجيد! فلما خفتت الأصوات، لم تمضِ سوى لحظات حتى تقدّم شيخ القرية وقد غمره الغرور، وملأ قلبه الزهو والسرور، وقال: يا جُحَا، هيا نضع الألف في الخزانة، لتبقى في عهدتنا أمانة! فتبسّم جُحَا وقال: أيّ خزانة تعني؟ أتطلب مالًا مني؟ هذه دنانيري، جمعتها بعرق جبيني! فلما أقبل الصباح، مضى جُحَا في انشراح، وبقي أهل القرية كالمجانين، بنشوة الألف منتشين؛ فقد اكتمل الألف في ديارهم، فحسبوا إنجاز جُحَا من أمجادهم. وبينما هم في وهم النصر يعمهون، وعن ديونهم غافلون، جاء القصّاب يطلب الحساب، والطباخ يطرق الباب، فأثقلت الديون كواهلهم، وتراكمت المطالبات في دفاترهم؛ فأخذ جُحَا الدنانير، وورث أهل القرية الفواتير!