د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
تذكر المصادر التاريخية (مثل كتابات اليعقوبي وابن حوقل) أن فروعاً كاملة وعشائر كبرى من بني حنيفة هاجرت بـ«العيالات والذراري» واستقرت استيطاناً كلياً في وادي العلاقي وأسوان لإدارة مناجم الذهب. وهناك انصهروا مع قبائل البجا المحلية وأسسوا إمارة سياسية متكاملة عُرفت بـدولة الكنوز. وتسمى هذه الرحلة: (الهجرة الجماعية الكبرى) وذلك من قران (القرينة) إلى وادي العلاقي في صعيد مصر.
تذكر المصادر التاريخية (مثل كتابات اليعقوبي وابن حوقل) أن فروعاً كاملة وعشائر كبرى من بني حنيفة هاجرت بـ»العيالات والذراري» واستقرت استيطاناً كلياً في وادي العلاقي وأسوان لإدارة مناجم الذهب. وهناك انصهروا مع قبائل البجا المحلية وأسسوا إمارة سياسية متكاملة عُرفت بدولة الكنوز. وتسمى هذه الرحلة: (الهجرة الجماعية الكبرى) وذلك من قران (القرينة) إلى وادي العلاقي في صعيد مصر(1).
قال اليعقوبي في البلدان صفحة 172: [معادن التبر]
ومن أراد المعادن معادن التبر خرج من أسوان إلى موضع يقال له الضيقة بين جبلين، ثم البويب، ثم البيضية، ثم بيت ابن زياد، ثم عذيفر جبل الأحمر، ثم جبل البياض، ثم قبر أبي مسعود، ثم عفار، ثم وادي العلاقي. ووادي العلاقي كالمدينة العظيمة به خلق من الناس وأخلاط من العرب والعجم أصحاب المطالب وبها أسواق وتجارات، وشربهم من آبار تحفر في وادي العلاقي، وأكثر من بالعلاقي قوم من ربيعة من بني حنيفة من أهل اليمامة انتقلوا إليها بالعيالات والذرية (2).
أسباب هجرة بني حنيفة من بلدة قُرّان (القرينة) بنجد
هاجر سكان بلدة قُرّان التاريخية (القرينة حالياً في وادي الشعيب بـنجد) من بني حنيفة نتيجة تداخل عوامل سياسية واقتصادية وأمنية قاهرة، تُلخص في النقاط التالية:
ش بطش الدولة الأخيضرية وضغطها السياسي: يُعد هذا السبب المباشر والأقوى؛ فبعد قيام الدولة الأخيضرية في اليمامة عام 252هـ، ضيّق الأخيضريون الخناق على القبائل المحلية وساموهم سوء العذاب، وصادروا أملاك بني حنيفة ونخيلهم ومزارعهم في قرّان، مما أجبر سكانها (وخاصة بنو سحيم من بني حنيفة) على الجلاء جماعياً بذراريهم فراراً من الاستبداد.
* توالي سنوات القحط والجفاف: عانت بلدة قرّان - وهي مجتمع زراعي يعتمد كلياً على النخيل والزراعة البطنية في الأودية - من موجات جفاف حادة شحت معها المياه وجفت الآبار، مما جعل البقاء فيها مستحيلاً اقتصادياً.
* النزاعات القبلية وانعدام الأمن: أدى ضعف سيطرة الخلافة العباسية على نجد إلى انتشار الفوضى والفتن والحروب بين القبائل، مما جعل البلدات غير المحمية عرضة للمغارم والنهب، ففقدت قرّان استقرارها الأمني.
* جغرافية الفرص الاقتصادية البديلة: تزامنت هذه الظروف الطاردة في نجد مع انتعاش واكتشاف مناجم الذهب والزمرد في وادي العلاقي بصعيد مصر، مما مثّل وجهة جاذبة لبني حنيفة لتعويض خسائرهم الزراعية وبناء نفوذ جديد (3).
تأسيس دولة الكنوز في صعيد مصر والنوبة
وقد انحدر من سلالة بني حنيفة: الكنوز وأقاموا : (دولة الكنوز) هي دولة عربية قامت في جنوب مصر وشمال السودان (238هـ - 466هـ)، وقد ظهرت إمارة بنو حنيفة التي نزلت في وادي العلاقي نتيجة لزواج رؤساء حنيفة من بنات رؤساء قبائل البجا سكان هذه المنطقة من الصحراء، مما أدى إلى انتقال حكم بلاد البجا في هذه المنطقة إلى زعماء حنيفة حسب النظام المحلي الذي يجعل وراثة الحكم لابن البنت وابن الأخت.
اتسعت هذه الإمارة العربية كثيرًا في عهد أبي المكارم هبة الله الذي يعرف بالأهوج المطاع بعد أن تولّى حكم حنيفة بعد موت والده أبي يزيد، ويعتبر أبو المكارم هبة الله هو المؤسس الحقيقي لإمارة حنيفة الكبرى في أسوان وبلاد النوبة؛ فقد اتسعت حدود الإمارة في عهده حتى أصبحت تضم صعيد مصر الجنوبي من قوص إلى أسوان، كما ضمت جزءًا كبيرًا من بلاد النوبة الشمالية وهي المنطقة التي تعرف باسم مريس التي تقع جنوب وادي حلفا، كما ضمت وادي العلاقي بالصحراء الشرقية.
ساعد أبو المكارم هبة الله الحاكم بأمر الله الفاطمي في القضاء على أبي ركوة الذي كان قد ثار على الحاكم بأمر الله في عام 397 هـ/ 1006م، ولجأ إلى الصعيد ثم إلى بلاد النوبة فظفر به أبو المكارم وأرسله إلى القاهرة، فأكرمه الحاكم ولقّبه بلقب كنز الدولة، وصارت حنيفة في أسوان والنوبة تعرف منذ ذلك الحين باسم بني كنز، وسار هذا اللقب علمًا على جميع أمرائها حتى انتهت دولتهم (4).
مشاهير بني حنيفة (بني كنز) التاريخيين في الصعيد
من مشاهير بني حنيفة في الصعيد:
* أشهب بن ربيعة الحنفي: من أوائل قادة بني حنيفة في صعيد مصر بالقرن الثالث الهجري، تزعم القبيلة في مواجهاتها الباكرة لحماية مناطق التعدين في وادي العلاقي.
* الأمير بشر بن مروان الحنفي: أحد كبار زعماء ربيعة وبني حنيفة الذين ساهموا في توطيد النفوذ العربي في أسوان ومصاهرة قبائل البجا لتأسيس الإمارة الحنيفية.
* أبو المكارم هبة الله (كنز الدولة): أشهر ملوكهم على الإطلاق، وهو الذي نال لقب «كنز الدولة» من الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بعد أن نجح في إلقاء القبض على الثائر «أبو ركوة»، ومنذ عهده سُميت السلالة والقبيلة بـ«الكنوز».
* الأمير نجم الدين بن كنز الدولة: من أمراء الكنوز الأقوياء الذين عاصروا الدولة الأيوبية، ودخلوا في صراعات سياسية كبرى مع صلاح الدين الأيوبي للحفاظ على استقلال إمارتهم في جنوب مصر (5).
الشخصيات المعاصرة من قبيلة الكنوز
تنتشر قبيلة الكنوز اليوم في محافظة أسوان (مثل قرى بلانة، وتوشكى، وجرف حسين، وعنيبة) وهاجر جزء كبير منهم إلى القاهرة والإسكندرية، وبرز منهم شخصيات أثرت الحياة الثقافية والسياسية في مصر، ومنهم:
* المشير محمد حسين طنطاوي: القائد العام السابق للقوات المسلحة المصرية ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي أدار البلاد في الفترة الانتقالية عام 2011. ينتمي المشير طنطاوي إلى قرية أبو هور في أسوان، وهي إحدى القرى التاريخية الأساسية لأبناء قبيلة الكنوز.
* الأديب إدريس علي: روائي مشهور، له روايات عالمية مترجمة إلى عدة لغات (مثل «دنقلا» و»المنفد»)، وهو من أبناء قبيلة الكنوز بأسوان.
* الأديب والمؤرخ الشاطر بصيلي عبد الجليل: أحد كبار الباحثين والمؤرخين التاريخيين في مصر، وله دراسات مرجعية شهيرة حول تاريخ النوبة وجنوب مصر وقبائلها.
* ومن المشاهير المنتمين للكنوز من بني حنيفة الموسيقي أحمد منيب والموسيقي حمزة علاء الدين (6).
علماء الأزهر والقضاة من بني حنيفة في مصر
* الشيخ محمد بن أحمد بن عيسى بن سليمان الحنفي المذهب، المالكي قبيلة (الشيخ الحنفي): هو أحد كبار علماء الأزهر الشريف والمالكية في القرن الثاني عشر الهجري. وكان العلماء يداعبونه في مجالس العلم بالأزهر الشريف لمفارقة اسمه ومذهبه فيقولون له: «يا حنفي مذهباً، مالكي قبيلة»، وهو من العلماء الذين جمعوا بين التدريس في الجامع الأزهر والولاية الفقهية.
* القاضي عبد العزيز بن محمد الحنفي (من علماء القرن الرابع الهجري): تولى القضاء في ثغر الإسكندرية وأسوان، وكان من فصحاء وقضاة بني حنيفة المستقرين في مصر، وله أحكام شهيرة مدونة في كتب القضاة.
* الفقيه أبو المكارم بن كنز الدولة الحنفي: لم يكن مجرد حاكم سياسي لإمارة الكنوز في أسوان، بل كان عالماً فقيهاً يرجع إليه الناس في النوازل الفقهية بجنوب مصر، وكان يجمع القبائل على القراءات والفقه.
* الشيخ علي الكنزي الحنفي: من علماء أسوان والأزهر في العصور المتأخرة، برز في علوم الفقه المالكي وتفسير القرآن، وتولى التدريس لأبناء قبائل جنوب مصر (7).
الهوامش:
(1) ينظر:
1 - كتاب «صورة الأرض» - ابن حوقل، دار صادر، بيروت، ص 50-52 (وصف هجرة ربيعة وبني حنيفة إلى المعدن).
2 - كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» (خطط المقريزي) - تقي الدين المقريزي، دار الكتب العلمية، الجزء 1، ص 193-195 (ذكر نزول بني حنيفة أسوان وتأسيس الكنوز).
3 - كتاب «تاريخ بن خلدون» (العبر وديوان المبتدأ والخبر) - ابن خلدون، دار الفكر، المجلد 4، ص 310.
(2) كتاب «البلدان» - أحمد بن أبي يعقوب (اليعقوبي)، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 172.
(3) ينظر:
1 - كتاب «تاريخ اليمامة: جغرافيا وتاريخاً» - عبد الله بن محمد بن خميس، الجزء 2، ص 240 - 245 (تاريخ بلدة قران والجلاء الأخيضري).
2 - كتاب «بنو الأخيضر في اليمامة» - د. فهد العتيبي، مجلة الدارة السعودية، العدد 3 (يفصل مصادرة الأخيضريين لأملاك بني حنيفة).
3 - كتاب «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» - ابن شداد، تحقيق يحيى عبارة (أسباب تفرق ربيعة وبني حنيفة من نجد).
(4) ينظر:
1 - كتاب «المقفي الكبير» - تقي الدين المقريزي، دار الغرب الإسلامي، ترجمة أبي المكارم هبة الله (كنز الدولة).
2 - كتاب «اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا» - المقريزي، الجزء 2، ص 65 (تفاصيل ثورة أبي ركوة ومنح لقب كنز الدولة).
3 - كتاب «تاريخ أسوان ونواحيها» - أحمد أحمد الحتة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 88 - 94 (تأسيس إمارة الكنوز وعلاقتها بنظام إرث البجا للابن الأخت).
(5) ينظر:
1 - كتاب «الكامل في التاريخ» - ابن الأثير، دار صادر، المجلد 9 (أحداث الصراع بين الأيوبيين والكنوز بقيادة الأمير نجم الدين).
2 - كتاب «تاريخ النوبة الحديث وإقليم العهد القديم» - الشاطر بصيلي عبد الجليل، الهيئة المصرية العامة للكتاب (استعراض لسير ملوك وأمراء ربيعة وبني حنيفة في أسوان).
(6) ينظر:
1 - كتاب «ملامح المجتمع النوبي: دراسة أنثروبولوجية في منطقة أسوان» - د. محمد رياض ود. كوثر عبد الرسول، دار المعارف (توزيع القرى والقبائل النوبية وجداول قرى الكنوز ومنها أبو هور وتوشكى).
2 - كتاب «موسوعة أعلام مصر في القرن العشرين» - وكالة أنباء الشرق الأوسط (التراجم المعاصرة للمشير طنطاوي، وأحمد منيب، وحمزة علاء الدين وأصولهم الجغرافية).
(7) ينظر:
كتاب «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» - عبد الرحمن الجبرتي، دار الجيل (تراجم علماء الأزهر في القرن الـ12 وطرفة تداخل الألقاب والمذاهب).
كتاب «قضاة قرطبة ومصر» - ابن زولاق (أخبار قضاة مصر وأسوان في العصر الإخشيدي والفاطمي).
كتاب «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» - شمس الدين السخاوي (ترجمة لعلماء أسوان المنتسبين للكنوز وبني حنيفة).