«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
اختتمت الرياض أعمال النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي 2026، الذي استضافته استوديوهات جاكس للأفلام يومي 28 و29 أكتوبر، برعاية صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، وزير الثقافة رئيس مجلس إدارة هيئة الأفلام، وبإشراف الهيئة وتنظيم شركة «بنش مارك»، تحت شعار «لقاء صُنّاع المشهد».
جمع المنتدى صُنّاع القرار والمنتجين والمخرجين والمستثمرين وشركات الإنتاج والتوزيع ومقدمي الخدمات الفنية والتقنية، لمناقشة مستقبل الصناعة السينمائية السعودية، وتوسيع فرص الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز كفاءة الإنتاج والتسويق، والاستفادة من التقنيات الحديثة، إلى جانب تنمية المواهب وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات غير الربحية.
تأتي النسخة الرابعة امتدادًا لثلاث دورات سابقة شهدت توقيع 94 اتفاقية تجاوزت قيمتها الإجمالية مليار ريال، إلى جانب تنظيم 62 جلسة حوارية و70 ورشة عمل، بمشاركة 177 متحدثًا واستفادة أكثر من 3570 متدربًا، فيما بلغ عدد الشركاء والرعاة 38 جهة.
تعكس هذه الحصيلة اتساع شبكة العلاقات المهنية والاستثمارية التي أسهم المنتدى في بنائها، فيما ركزت نقاشات النسخة الجديدة على تحديات تحويل نمو الإنتاج السينمائي إلى صناعة مستدامة، قادرة على جذب الاستثمارات، وتطوير نماذج الأعمال، والوصول إلى جمهور أوسع.
122 مليون ريال.. حضور متنامٍ للأفلام السعودية
تكتسب مناقشات المنتدى أهميتها في ضوء المؤشرات الاقتصادية للسوق السينمائية؛ إذ تجاوزت إيرادات شباك التذاكر في المملكة 920 مليون ريال خلال عام 2025، فيما تخطت إيرادات الأفلام السعودية 122 مليون ريال، عبر 11 فيلمًا من أصل 538 فيلمًا عُرضت خلال العام، وفق بيانات هيئة الأفلام التي أوردها الصندوق الثقافي.
تعكس هذه الأرقام تنامي الحضور التجاري للإنتاج المحلي، لكنها تطرح في الوقت نفسه تحديات تتعلق بتوسيع قاعدة الجمهور، وزيادة الحصة السوقية للأفلام السعودية، وتعزيز قدرتها على تحقيق عوائد تدعم استمرارية شركات الإنتاج وتمويل مشروعات جديدة.
وفي جلسة «الإعلام والأفلام: كيف يصنع قطاعان قصة نمو واحدة؟»، ناقش المشاركون دور الإعلام في التعريف بالأعمال السينمائية وصُنّاعها، وتوسيع حضور السينما السعودية، وبناء علاقة مستدامة مع الجمهور.
ويتجاوز هذا الدور الترويج للأفلام قبيل عرضها إلى إبراز التجارب الإبداعية، وصناعة الاهتمام بالأعمال المحلية، والتعريف بالمواهب الجديدة، والاستفادة من تنوع المنصات الإعلامية والرقمية للوصول إلى شرائح مختلفة من المشاهدين.
كما يمكن للأفلام أن تسهم في التعريف بالوجهات السعودية ومقوماتها الثقافية والسياحية، بما يفتح مجالات للتكامل بين السينما وقطاعات اقتصادية أخرى. ومع تغير عادات المشاهدة وتعدد منصات العرض، تزداد أهمية تطوير إستراتيجيات تسويق تستند إلى فهم الجمهور واهتماماته، وتراعي طبيعة كل عمل والفئات المستهدفة به.
اقتصاديات الإنتاج.. من الفكرة إلى الجدوى الاستثمارية
احتلت اقتصاديات الإنتاج والتمويل والبنية التحتية جانبًا مهمًا من نقاشات المنتدى، في ظل الحاجة إلى تطوير مشروعات تجمع بين القيمة الفنية والجدوى الاقتصادية، وتستفيد من الفرص المتاحة في السوق المحلية، وتستقطب الشراكات والاستثمارات.
فصناعة الفيلم لا تبدأ بالتصوير ولا تنتهي بعرضه؛ بل تمر بمراحل متكاملة تشمل تطوير النص، وتأمين التمويل، والتحضير، والتصوير، والمونتاج، والصوت، والمؤثرات البصرية، ثم التسويق والتوزيع وإدارة الحقوق. ويؤثر توافر الخدمات المتخصصة والخبرات المؤهلة في جودة الإنتاج وتكاليفه، وفي قدرة الشركات على تنفيذ مشروعات متنوعة.
تبرز أهمية تطوير آليات التمويل والشراكات الاستثمارية في توسيع قاعدة الشركات المنتجة، وفتح المجال أمام التعاون مع المؤسسات الدولية، ودعم المشروعات بمختلف أنواعها، من الأفلام الجماهيرية إلى التجارب الفنية المستقلة.
كما يمثل تطوير الاستوديوهات والمعدات ومرافق ما بعد الإنتاج والخدمات الفنية عنصرًا أساسيًا في رفع جاهزية السوق، وتحسين كفاءة التنفيذ، والاستفادة من المواقع السعودية المتنوعة والكوادر الوطنية، بما يعزز قدرة المملكة على استقطاب مشروعات إنتاجية محلية ودولية.
الذكاء الاصطناعي.. فرص تقنية ومسؤولية إبداعية
حضر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة ضمن موضوعات المنتدى، إلى جانب مجالات الرسوم المتحركة والموسيقى التصويرية وإنتاج المحتوى، في ضوء التحولات التي تعيد تشكيل أساليب العمل في الصناعة السينمائية.
تتيح الأدوات الحديثة إمكانات لتطوير التصميم والمعالجة البصرية وتسريع بعض مراحل الإنتاج، كما تمنح المواهب الناشئة والمشروعات المستقلة خيارات جديدة لتطوير أعمالها. غير أن توظيف هذه التقنيات يثير تساؤلات مهنية وقانونية تتعلق بحقوق المؤلف، وحماية الملكية الفكرية، واستخدام الأعمال المحمية في تدريب النماذج الذكية، وتحديد حقوق المبدعين في المحتوى الناتج عنها.
من هنا، تبرز أهمية الجمع بين التدريب التقني والوعي القانوني، بما يضمن الاستفادة من الابتكار مع صون الحقوق الإبداعية. فالقيمة الحقيقية للتقنية لا تقاس بسرعة الإنجاز أو خفض التكلفة وحدهما، بل بقدرتها على تحسين جودة العمل وتوسيع إمكاناته الفنية، في إطار رؤية إبداعية وخبرة بشرية واعية.
ورش تدريبية لتنمية المهارات السينمائية
إلى جانب الجلسات الحوارية واللقاءات المهنية، شمل المنتدى ورش عمل تدريبية تناولت مجالات الرسوم المتحركة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج، والموسيقى التصويرية، وحقوق الملكية الفكرية، مستهدفة تطوير المهارات العملية لدى العاملين والمهتمين بصناعة الأفلام. تكمل هذه الورش الجانب المعرفي الذي تقدمه الجلسات، من خلال إتاحة الفرصة للتعرف على أدوات وأساليب عمل حديثة، وتعزيز الخبرات الفنية والتقنية، وربط التدريب بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
وتكتسب البرامج التدريبية أهميتها من تعدد التخصصات التي تقوم عليها صناعة الفيلم، والحاجة إلى كوادر مؤهلة في مختلف مراحل الإنتاج، من تطوير الفكرة والمعالجة البصرية إلى تصميم الصوت وإدارة الحقوق. كما يسهم الاستثمار في التدريب في توسيع فرص المواهب الوطنية، ورفع جاهزيتها للمشاركة في مشروعات إنتاجية أكثر احترافية.
القطاع غير الربحي.. شريك في بناء المنظومة
سلط المنتدى الضوء على دور القطاع غير الربحي في دعم صناعة الأفلام، من خلال جلسة «دور القطاع غير الربحي في دعم وتطوير صناعة الأفلام»، التي تناولت إسهامات المؤسسات والمبادرات الثقافية في تمكين المواهب، وتطوير المعرفة السينمائية، وتوفير منصات لعرض الأعمال، وتعزيز فرص التدريب والتعاون المهني.
شارك في الجلسة سلطان الشهير، المدير العام للإدارة العامة لمنظمات القطاع غير الربحي بوزارة الثقافة، وأحمد الملا، مؤسس ومدير مهرجان أفلام السعودية، وفيصل بالطيور، الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي، وأدارها الناقد السينمائي علي زعلة.
ووفق الأرقام التي طُرحت خلال النقاش، نما القطاع غير الربحي بمعدل سنوي بلغ 32 %، فيما تأسست 62 % من منظماته خلال العامين الماضيين، وهي مؤشرات تعكس اتساع حضوره وتزايد المبادرات العاملة في المجال.
ولا يقتصر دور هذه المؤسسات على تنظيم المهرجانات والفعاليات، بل يمتد إلى بناء القدرات، وتطوير المبادرات التعليمية والثقافية، واحتضان المواهب، وتوسيع فرص عرض الأعمال والتواصل بين المبدعين والمنتجين والموزعين.
ويظل نجاح هذا الدور مرتبطًا بقدرة المؤسسات على تحديد أولوياتها، وبناء شراكات فاعلة مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص، وقياس الأثر الفعلي لبرامجها في تنمية المواهب وتعزيز استدامة الصناعة.
معرض يجمع أطراف الصناعة
وصاحب المنتدى معرض متخصص ضم شركات وجهات عاملة في قطاعات الإنتاج السينمائي والإعلامي، والخدمات الفنية والتقنية، والاستوديوهات والمعدات، والتمويل والاستثمار، والإعلام والتسويق، والتأمين وإدارة المخاطر، والملكية الفكرية، والتعليم وتنمية المواهب.
وأتاح المعرض مساحة للتواصل المباشر بين المنتجين والمستثمرين ومقدمي الخدمات والشركاء المحتملين، والتعرف على الحلول المتاحة لتطوير المشروعات ورفع كفاءة الإنتاج، واستكشاف فرص التعاون بين الشركات المحلية والدولية.
وتبرز أهمية هذا التنوع في تكامل التخصصات التي تتطلبها الصناعة السينمائية، من الخدمات الفنية ومرافق الإنتاج إلى التمويل والتسويق والتوزيع وإدارة الحقوق. كما يتيح التواصل بين المؤسسات التعليمية والشركات تحديد المهارات المطلوبة، وتطوير برامج تدريب تستجيب لاحتياجات السوق وتدعم تأهيل الكفاءات الوطنية.
من الاتفاقيات إلى صناعة مستدامة
تأتي النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي ضمن جهود هيئة الأفلام لتطوير المنظومة السينمائية في المملكة، بما يتسق مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة ورؤية السعودية 2030، عبر توسيع فرص الاستثمار، وتأهيل الكفاءات، وتعزيز الشراكات، وتطوير البنية التحتية، ودعم حضور السينما في المشهدين الثقافي والاقتصادي.
وبين اتفاقيات تجاوزت قيمتها مليار ريال في الدورات الثلاث السابقة، وإيرادات للأفلام السعودية تخطت 122 مليون ريال خلال عام 2025، وبرامج مهنية وتدريبية تناولت التمويل والتسويق والتقنيات الحديثة، تتضح ملامح مرحلة تتطلب البناء على ما تحقق، وتحويل نمو النشاط السين مائي إلى صناعة أكثر استدامة وتنوعًا.
التحدي لا يكمن في زيادة الإنتاج وحدها، بل في بناء منظومة متكاملة تتيح تمويل المشروعات وتنفيذها وتوزيعها بكفاءة، وتوسع جمهور الأفلام السعودية، وتحمي حقوق المبدعين، وتمنح الشركات والمواهب الوطنية فرصًا أكبر للمنافسة إقليميًا ودوليًا.
ومن هنا، تقاس قيمة هذه المنصات المهنية بقدرتها على تحويل الحوار إلى شراكات، والمعرفة إلى مهارات، والفرص الاستثمارية إلى مشروعات قابلة للاستمرار؛ بما يجعل السينما رافدًا ثقافيًا واقتصاديًا، ويمنح الإبداع السعودي مساحة أوسع للوصول إلى الجمهور داخل المملكة وخارجها.