د.عبدالرحمن الحبيب
«يميل الخطاب العام حول التغير المناخي نحو التطرف؛ إما في اتجاه التفاؤل المفرط بالتكنولوجيا أو في اتجاه التهويل الكارثي.. لست متشائماً ولا متفائلاً؛ بل أنا متخصص علمي يحاول شرح كيف يعمل العالم في الواقع». ذلك مما جاء في كتاب «كيف يعمل العالم فعلياً» (How the World Really Works) للبروفيسور فاسلف سميل من جامعة مانيتوبا (كندا)، متوقعاً ألا «تلقى وجهة نظره قبولاً لدى أي من هذين الاتجاهين».
يستعرض الكتاب سبع وقائع أساسية تحكم بقاءنا وازدهارنا؛ بدءاً من إنتاج الطاقة والغذاء، ومروراً بعالمنا المادي والعولمة، وصولاً إلى المخاطر الفعلية التي تواجه البشرية وبيئتنا. ويستند تحليله على أسس مادية ومنظور واقعي، معتمداً على الأرقام والبيانات والنتائج العلمية، متجاوزاً الشعارات، ومخالفاً اتجاه التهويل الكارثي بأن العالم محكوم عليه بالهلاك، أو اتجاه التفاؤل المفرط بالتكنولوجيا بأن أمامنا مستقبلاً مشرقاً ومثاليًا بالطاقة النظيفة.
التغير المناخي وعلاقته بالوقود الأحفوري كان محوراً رئيسياً في الكتاب؛ فالمجتمع الحديث لا يزال يعتمد اعتماداً كبيراً على الوقود الأحفوري، سواء في توليد الكهرباء، أو تشغيل وسائل النقل، أو التقدم التقني والعلمي.
المؤلف ينتقد التوقعات غير الواقعية المتفائلة بشأن التخلص الكامل السريع من الكربون الناتج عن الوقود الأحفوري والانتقال التام إلى الطاقة المتجددة في غضون عقد واحد فقط: «لا يمكننا ببساطة التخلي عن هذا العامل الحاسم الذي يحدد مصيرنا في غضون بضعة عقود، ناهيك عن بضع سنوات»، معللاً ذلك بانخفاض كفاءة الطاقة في البدائل المتاحة، وقصور التقنيات وعوائق تتعلق بالبنية التحتية. كما لا يمكن تحقيق خفض سريع لانبعاثات الكربون إلا من خلال تقديم تضحيات تبدو غير مقبولة إطلاقاً بالنسبة للغالبية العظمى من الناس.
بعد ذلك يأتي إنتاج الغذاء عبر الزراعة الحديثة التي تعتمد بشكل أساسي على مدخلات مرتبطة بالوقود الأحفوري كالآت الثقيلة (في الحراثة والبذار والحصاد) والمنتجات الكيماوية الزراعية خاصة الأسمدة، مما يرتبط ببقاء المليارات من البشر.
أما ركائز الحضارة الحديثة كما يسميها المؤلف التي وضعها بالمرتبة الثالثة، فهي أربع: الأمونيا (المستخدمة لإنتاج الأسمدة)، والبلاستيك، والصلب، والأسمنت. المادتان الأوليان تتطلبان الوقود الأحفوري كمادة خام، بينما تتسم عمليات إنتاج هذه المواد جميعها باستهلاك كثيف للطاقة. هذه المواد تُنتج بكميات هائلة تتراوح بين مئات الملايين ومليارات الأطنان سنوياً؛ ولا تتوفر لدينا بدائل واقعية وجاهزة لإنتاجها بتلك الكميات. كما يتناول المؤلف العولمة، والمخاطر المحيطة بكوكبنا، وفهم البيئة، وتوقعات المستقبل، محللاً محركات التجارة العالمية وسلاسل التوريد، ورقائق الحاسوب، فيرى مثلاً أن العولمة ليست حتمية أو حالة دائمة؛ مستكشفاً نقاط الضعف في سلاسل التوريد، والمخاطر الهيكلية العميقة، مثل تركز عمليات التصنيع في مناطق محددة.
انتقادات المؤلف لاذعة لكلا الطرفين المتفائل والمتشائم؛ لأنه حسب قوله: «أولئك الذين يرسمون المسارات المفضلة لديهم نحو مستقبل خالٍ من الكربون مدينون لنا بتفسيرات واقعية، لا مجرد مجموعة من الافتراضات التي تتسم بقدر كبير من العشوائية وعدم الاحتمالية، والمنفصلة تماماً عن الحقائق التقنية والاقتصادية». وكذلك، بالمقابل، يرفض فكرة أصحاب الرؤى الكارثية المحيطة بتغير المناخ، قائلاً: «إن دعاة النظرة الكارثية مخطئون مراراً وتكراراً». لا يقلِّل المؤلف من شأن التكاليف والتحديات المرتبطة بتقدمنا، ولا يبالغ فيها، بل يكتفي بعرض الواقع: «هذا هو وضعنا الراهن، وهذه هي متطلبات توجيه حضارتنا نحو مسار معين؛ وقد لا يعجب ذلك كثيراً من الناس لأنها مؤلمة.»
وعلى أية حال، يوضح المؤلف في الفصل الأخير أن التنبؤ على المدى الطويل أمر بالغ الصعوبة، وينطوي بطبيعته على قدر كبير من عدم اليقين، كما أنه عرضة للخطأ.