إبراهيم أبوهيف
أعادت الانتخابات الإسرائيلية رسم حدود النفوذ داخل النظام السياسي في توقيت بالغ الحساسية للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بعدما أظهرت نتائجها الأولية تراجع القدرة البرلمانية للتحالف الذي يقوده بنيامين نتنياهو، مع استمرار احتفاظه بمركز الثقل داخل المعسكر اليميني، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وتكشف القراءة المتعمقة للمشهد أن التحول الحقيقي يتجاوز مسألة استمرار نتنياهو أو استبداله، إلى تراجع قدرة البنية الحزبية الإسرائيلية على إنتاج حكومة مستقرة تستند إلى أغلبية متماسكة، في ظل استمرار التوافق الواسع بين القوى اليهودية الرئيسية حول مرتكزات الأمن القومي والتعامل مع الفلسطينيين وإيران، وهو تطور يضع واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيدًا، تتعلق بإدارة حليف يحتفظ بقدرات عسكرية مؤثرة، بينما تتراجع قدرته على إنتاج قرارات سياسية تحظى باستقرار مؤسسي، في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية ضغوطًا داخلية متصاعدة بسبب الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحرب، وتنامي الخلافات حول حدود الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل.
وتشير النتائج إلى حصول معسكر نتنياهو على 54 مقعدًا، مقابل 47 لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، و19 للأحزاب العربية، وهي أرقام أولية تعكس اتجاهًا واضحًا نحو فقدان الائتلاف الحاكم أغلبيته السابقة، مع استمرار احتمالات تغير التوزيع النهائي للمقاعد، وتكمن الدلالة السياسية في أن نتنياهو احتفظ بموقع يسمح له بالتأثير في تشكيل السلطة رغم تراجع التحالف الداعم له، نتيجة افتقار خصومه إلى صيغة ائتلافية قادرة على ترجمة تفوقهم العددي المحتمل إلى حكومة، وقد أسهمت قواعد النظام البرلماني الإسرائيلي في إنتاج هذه الحالة، حيث تتيح هشاشة التحالفات استمرار رئيس الحكومة القائم خلال مفاوضات التشكيل، وتمنح القوى الصغيرة قدرة على تعطيل البدائل، الأمر الذي يحول الانقسام البرلماني إلى مصدر إضافي لاستمرار النفوذ السياسي لرئيس حكومة فقد جزءًا مهمًا من قدرته على الحكم المستقر.
وتكشف النتائج عن نجاح نتنياهو في الاحتفاظ بجانب مؤثر من قاعدته السياسية رغم إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، وما تبعها من حروب طويلة وتراجع في المكانة الدولية لإسرائيل، وقد اعتمد بقاؤه السياسي على إعادة صياغة معيار تقييم أدائه لدى قطاعات من الناخبين، من المسؤولية عن الإخفاق الأمني الأول إلى النتائج العسكرية التي تحققت خلال المواجهات اللاحقة، وهي عملية أعادت توظيف التهديدات الخارجية في إعادة بناء شرعيته السياسية، مع استمرار الانقسام بشأن المسؤولية عن إدارة الحرب وتكاليفها، ويعكس ذلك طبيعة التحول في المجتمع الإسرائيلي، حيث تراجعت قدرة الخطاب المعارض على تقديم تصور أمني مختلف بصورة جوهرية، واتجهت المنافسة إلى المفاضلة بين القيادات الأكثر قدرة على إدارة المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، بما يفسر تقدم شخصيات ذات خلفية عسكرية داخل المعارضة، ويحد في الوقت نفسه من احتمالات ترجمة تغيير الحكومة إلى تغيير مماثل في العقيدة الأمنية للدولة.
وتبدو هذه النتيجة أكثر وضوحًا عند تحليل التركيبة السياسية للمعارضة، فصعود غادي آيزنكوت، واستمرار حضور نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، يعكسان اتجاهًا إلى إعادة توزيع القيادة داخل المعسكر القومي والأمني الإسرائيلي، مع بقاء مساحات واسعة من التوافق بشأن مواجهة إيران، والاحتفاظ بالتفوق العسكري، ورفض تقديم تنازلات جوهرية في الملف الفلسطيني لدى عدد من هذه القوى،
ولذلك فإن التراجع الانتخابي للائتلاف الحاكم يعبر بدرجة كبيرة عن أزمة في إدارة السلطة والتحالفات الداخلية، مع استمرار الرسوخ المجتمعي للاتجاهات القومية والأمنية التي تعززت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يفرض التعامل بحذر مع التقديرات التي تربط خروج نتنياهو المحتمل من الحكم بتحول استراتيجي في سياسات إسرائيل الإقليمية، إذ تملك المؤسسة الأمنية ومراكز النفوذ الحزبية القدرة على ضمان استمرارية العديد من التوجهات الأساسية، بصرف النظر عن هوية رئيس الحكومة.
ويضيف: ارتفاع تمثيل الأحزاب العربية مستوى آخر من التعقيد، بعدما أصبح مجموع مقاعدها قادرًا على ترجيح التوازن العددي داخل الكنيست، حيث تمنح إضافة مقاعدها إلى معسكر المعارضة أغلبية حسابية تتجاوز العدد المطلوب لتشكيل الحكومة، بينما تحول الاعتبارات الأيديولوجية والحزبية دون تحويل هذه الأغلبية إلى ائتلاف قابل للتنفيذ بسهولة، وتكشف هذه الحالة عن خلل بنيوي في توزيع السلطة السياسية، يتمثل في استمرار استبعاد الأحزاب العربية من حسابات الشراكة الحكومية لدى قطاعات رئيسية من المعارضة، رغم الحاجة إلى تمثيلها البرلماني لإنهاء حكم نتنياهو، وقد يتحول هذا التناقض إلى أحد أهم محددات المرحلة المقبلة، لأنه يمنح نتنياهو قدرة على استثمار الخلافات بين خصومه، ويضع قادة المعارضة أمام تكلفة سياسية داخل قواعدهم الانتخابية حال قبولهم صيغة للحكم تعتمد على دعم عربي مباشر أو غير مباشر، بما يجعل قدرة الأحزاب على التوصل إلى تفاهمات سياسية أكثر أهمية من مجموع المقاعد التي حصلت عليها.
ويتصل مأزق تشكيل الحكومة باختلالات داخلية تراكمت خلال سنوات الحرب، خاصة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والأحزاب الدينية، والخلاف حول إعفاءات التجنيد، والضغوط الناتجة عن استدعاء قوات الاحتياط، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتراجع القدرة على معالجة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، وقد أصبحت قضية توزيع أعباء الخدمة العسكرية بين فئات المجتمع الإسرائيلي عاملًا مؤثرًا في التحالفات الحزبية، بعد اتساع الفجوة بين احتياجات الجيش ومطالب الأحزاب الدينية بالحفاظ على الامتيازات التي يتمتع بها أنصارها، ويعني ذلك أن الحكومة المقبلة ستواجه قيودًا في تمويل احتياجات المؤسسة العسكرية والحفاظ على شراكاتها السياسية في الوقت نفسه، خصوصًا مع استمرار تأثير التعبئة العسكرية على سوق العمل والإنتاجية والمالية العامة، وهي ضغوط تحد من قدرة أي ائتلاف على إدارة مواجهة إقليمية طويلة بالتوازي مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وتزداد خطورة هذه الاختلالات عندما تتقاطع مع احتمالات التصعيد العسكري، حيث يستطيع رئيس حكومة يواجه انسدادًا برلمانيًا الاستمرار في إدارة العمليات الأمنية والعسكرية من خلال المؤسسات القائمة، بينما تتقلص مساحة التوافق السياسي اللازمة لتحمل تبعات القرارات الإستراتيجية الممتدة، وقد يؤدي استمرار نتنياهو خلال مرحلة تصريف الأعمال إلى زيادة الاعتماد على المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية في إدارة الملفات الخارجية، مع استمرار التنافس بين القيادة السياسية وخصومها حول المسؤولية عن القرارات ونتائجها، وتظل هذه البيئة قابلة لإنتاج قرارات أمنية تحمل حسابات سياسية متداخلة، خاصة في الملف الإيراني، الذي حافظ على موقعه باعتباره أحد أهم مصادر الإجماع داخل قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية الإسرائيلية، وأحد الأدوات التي يستخدمها نتنياهو لتعزيز موقعه في مواجهة منافسيه.
وعند الانتقال إلى الحسابات الأمريكية، تظهر أهمية التدخل المباشر الذي قام به دونالد ترامب لدعم نتنياهو خلال الحملة الانتخابية، بعدما ربط استمرار التعاون بينهما باستكمال المواجهة مع إيران، وهو تدخل جعل العلاقة الشخصية بين الرئيس الأمريكي ورئيس الحكومة الإسرائيلية جزءًا من معادلة الشرعية الانتخابية داخل إسرائيل، غير أن القراءة المؤسسية للموقف الأمريكي تكشف عن مصالح أكثر اتساعًا من حدود هذه العلاقة، فقد ظهرت تحفظات داخل فريق ترامب بشأن أداء نتنياهو وإدارته لبعض الملفات الإقليمية، خاصة ما يتعلق بالحرب على إيران والترتيبات السياسية في غزة، كما أن امتناع نائب الرئيس جيه دي فانس عن تبني موقف مماثل في تأييد نتنياهو عكس وجود تباينات بشأن الانخراط المباشر في المنافسة السياسية الإسرائيلية، وهو ما يشير إلى أن الدعم الشخصي الذي قدمه ترامب يرتبط بحساباته السياسية وعلاقته القائمة مع نتنياهو، بينما تحتفظ دوائر أخرى داخل الإدارة باستعداد للتعامل مع قيادة إسرائيلية مختلفة إذا كان ذلك يخدم الأهداف الأمريكية.
وتنبع أهمية هذا التباين من اختلاف المصالح بين واشنطن وتل أبيب في إدارة الحرب وتحديد توقيتاتها، حيث يمثل استمرار المواجهة مع إيران بالنسبة إلى نتنياهو عنصرًا أساسيًا في ترسيخ خطابه الأمني والحفاظ على مركزية دوره السياسي، بينما ترتبط الحسابات الأمريكية بتكلفة العمليات العسكرية، وأسعار الطاقة، وأمن الملاحة، واستنزاف المخزونات التسليحية، وحجم الموارد المطلوبة لاستمرار الانتشار العسكري في المنطقة، وقد كشفت التقديرات التي حصلت عليها وكالة رويترز من بيانات وزارة الدفاع الأمريكية عن تجاوز تكاليف الحرب على إيران 47 مليار دولار، وهو مستوى يعكس اتساع الالتزامات المالية المرتبطة بالعمليات العسكرية وتعويض الذخائر والمعدات، مع استمرار احتمالات ارتفاع الفاتورة نتيجة تكاليف إصلاح المنشآت العسكرية وتعويض الخسائر التشغيلية، وتؤثر هذه المعطيات في حسابات الإدارة الأمريكية باعتبارها جزءًا من الضغوط الاقتصادية والمالية التي أصبحت أكثر حضورًا في المنافسة الحزبية الداخلية.
وتكشف استطلاعات الرأي الأمريكية عن تحول في العلاقة بين الحرب والسلوك الانتخابي، حيث أظهر استطلاع لمجلس شيكاغو للشؤون العالمية أن 68 % من المشاركين اعتبروا الحرب على إيران غير مستحقة لتكاليفها، بينما ربطت قطاعات واسعة آثارها بارتفاع الأعباء المعيشية، وتبرز دلالة هذه المؤشرات في أن التأثير السياسي للحرب يتجاوز المواقف المباشرة من العمليات العسكرية، ليمتد إلى تقييم الأداء الاقتصادي للإدارة الجمهورية، خاصة مع ارتفاع الحساسية تجاه أسعار الوقود والط اقة والسلع الأساسية، وقد أظهرت قياسات مركز بيو خلال أكتوبر أن المخاوف من أسعار الغاز والطاقة أصبحت أكثر انتشارًا مقارنة ببداية العام، بما يعزز العلاقة بين القرارات الإستراتيجية الخارجية والرضا الاقتصادي الداخلي، ويجعل قدرة ترامب على تحقيق نتائج عسكرية محدودة الفائدة الانتخابية إذا استمرت انعكاساتها الاقتصادية على الأسر الأمريكية، وهي زاوية تختلف بصورة جوهرية عن طبيعة توظيف الإنجازات العسكرية في المنافسة الإسرائيلية.
ويفسر هذا الاختلاف جانبًا من القيود التي تحكم العلاقة بين ترامب ونتنياهو، فالقيادة الإسرائيلية تنظر إلى استمرار الضغط على إيران باعتباره أداة لتعزيز الردع وتقييد قدراتها العسكرية، مع إمكانية توظيفه داخليًا في ترسيخ أولوية الأمن، بينما يحتاج الرئيس الأمريكي إلى موازنة أي عملية عسكرية جديدة مع حسابات التضخم والإنفاق الدفاعي واستقرار الأسواق وموقف الناخبين من استمرار الحرب، وتزداد حساسية هذه المعادلة مع اقتراب انتخابات الثالث من نوفمبر، بعد أن أصبحت تكاليف المواجهة إحدى القضايا التي تستخدمها المعارضة الديمقراطية في مساءلة الإدارة الجمهورية، الأمر الذي يحد من قدرة نتنياهو على افتراض استمرار التطابق بين أولوياته العسكرية وأولويات البيت الأبيض، ويجعل مستوى التنسيق بين الطرفين مرتبطًا بتقدير أمريكي مستقل للعائد الاستراتيجي وتكلفة التصعيد.
وتحمل نتائج الانتخابات الإسرائيلية تأثيرًا إضافيًا في صورة ترامب السياسية، بعدما اختار دعم نتنياهو بصورة علنية قبل أيام من الانتخابات الأمريكية، وقد منحه هذا التدخل فرصة لإظهار قدرته على التأثير في أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة، لكنه ربط جزءًا من خطابه السياسي بأداء قيادة تواجه أزمة داخلية في تشكيل الحكومة، وتظل أهمية هذه المسألة مرتبطة بطبيعة توظيفها داخل المنافسة الأمريكية، حيث يمكن أن تستخدمها القوى الجمهورية لتأكيد استمرارية التحالف والقدرة على التأثير في القرارات الإقليمية، بينما تستطيع القوى الديمقراطية الاستناد إلى استمرار الأزمة الإسرائيلية لتوجيه انتقادات إلى سياسات الدعم الشخصي والارتباط بقيادات أجنبية تواجه انقسامات داخلية، مع ضرورة التمييز بين تأثير هذه التطورات في الخطاب الانتخابي وبين قدرتها على تغيير اتجاهات التصويت خلال الفترة القصيرة المتبقية على الاقتراع، خاصة أن ملفات الاقتصاد والهجرة والرعاية الصحية والإنفاق العام تحتفظ بأوزان انتخابية أكبر داخل الولايات المتحدة.
وتكشف العلاقة بين الاستحقاقين عن اختلاف مؤسسي مؤثر في تقدير النتائج، فالانتخابات الإسرائيلية تحدد التوازن الذي ستنبثق عنه السلطة التنفيذية، بينما تستهدف انتخابات التجديد النصفي إعادة توزيع القوة داخل الكونغرس، بما يرتبط به من أدوات تشريعية ورقابية ومالية، ولذلك فإن أي تغير في أغلبية أحد المجلسين سيؤثر في قدرة الإدارة الأمريكية على تمرير بعض أولوياتها ومواجهة التحقيقات البرلمانية ومناقشات تمويل العمليات الخارجية، مع استمرار احتفاظ الرئيس بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية والقرارات العسكرية، وتزداد أهمية هذه الأدوات في ظل التحول التدريجي داخل الحزب الديمقراطي نحو مراجعة الدعم العسكري لإسرائيل وشروطه، وقد عكست تحركات أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين خلال الأشهر الماضية اتساع التوافق الحزبي حول المطالبة بمساءلة إسرائيل بشأن بعض الممارسات في الأراضي الفلسطينية، بما يشير إلى تحول مؤسسي يمكن أن يمتد تأثيره إلى صياغة المواقف التشريعية خلال السنوات التالية.
ويتصل هذا التحول بتراجع مستويات التأييد الشعبي الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، حيث أظهرت استطلاعات منشورة خلال العام الحالي انخفاضًا في مستوى التعاطف التقليدي معها، وارتفاع التأييد لتقليص المساعدات العسكرية أو وقفها لدى قطاعات من الناخبين، مع استمرار تفاوت كبير بين القواعد الجمهورية والديمقراطية والمستقلين، وتتمثل الأهمية الاستراتيجية لهذه المؤشرات في اتساع الفجوة بين استمرارية الشراكة الأمنية على المستوى المؤسسي وتغير المزاج السياسي والاجتماعي الذي يوفر لها الدعم الداخلي، وهو تطور قد يزيد مستقبلًا تكلفة تمرير بعض القرارات المتعلقة بالمساعدات العسكرية أو العمليات المشتركة، خصوصًا إذا استمرت الحرب في استنزاف الموارد الأمريكية أو ترتبت عليها مواجهات جديدة، وتظل هذه العملية تدريجية بطبيعتها، نتيجة ارتباط العلاقات بين البلدين بشبكة واسعة من التعاون العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي والتشريعي تراكمت عبر عقود.
ومن منظور إدارة النفوذ، يمنح المأزق الإسرائيلي واشنطن مساحات مختلفة للتأثير في الحكومة المقبلة، إذ يحتاج نتنياهو، حال استمراره في موقعه خلال مرحلة تفاوض ممتدة، إلى الحفاظ على الدعم الأمريكي باعتباره عنصرًا رئيسيًا في قدرته على إدارة التحديات الخارجية، بين ما ستكون أي قيادة بديلة مطالبة بإثبات قدرتها على بناء علاقة فعالة مع البيت الأبيض، ومن ثم فإن تغير هوية رئيس الحكومة قد يعيد تشكيل قنوات الاتصال وآليات التفاوض، مع استمرار الاعتماد الإسرائيلي الواسع على الولايات المتحدة في المجالات العسكرية والدبلوماسية، غير أن القدرة الأمريكية على استثمار هذه العلاقة ستتوقف على مدى استعداد الإدارة لاستخدام أدوات النفوذ المتاحة لها، وعلى طبيعة التحالف الحكومي الإسرائيلي، وحجم المعارضة الداخلية لأي ترتيبات إقليمية تتطلب قرارات سياسية تتجاوز إدارة المواجهة العسكرية.
وتبرز هنا تداعيات مباشرة على مستقبل الملفات الإقليمية، حيث تؤدي هشاشة الحكومة الإسرائيلية إلى تعقيد الاتفاقات التي تحتاج إلى التزامات سياسية ممتدة، خاصة ترتيبات الأمن والإدارة في قطاع غزة، والتطورات في الضفة الغربية، والعلاقة مع لبنان وسوريا، والملف الإيراني، وقد تسمح بعض الحكومات الائتلافية بإعادة تنظيم العلاقة مع واشنطن وتحسين القدرة على إدارة التفاوض، بينما قد تمنح التحالفات التي تعتمد على أحزاب متشددة قدرة إضافية لهذه القوى على تعطيل التسويات أو فرض شروط ترفع تكلفتها السياسية، ولذلك فإن تقييم الحكومة المقبلة يجب أن يستند إلى طبيعة مراكز الاعتراض داخل ائتلافها، وموقع المؤسسة العسكرية من قراراتها، وقدرتها على توفير غطاء سياسي لأي تفاهمات، مع إدراك أن استمرار الاحتلال والاستيطان وغياب التسوية العادلة للقضية الفلسطينية يمثل عوامل أساسية في إعادة إنتاج التوترات، مهما تغيرت القيادات وأساليب إدارتها.
وتشير مجمل المعطيات إلى أن الأزمة الإسرائيلية المقبلة قد تتخذ شكل تعثر طويلا في تشكيل الحكومة، أو قيام ائتلاف يعتمد على تفاهمات دقيقة بين أحزاب متعارضة، أو استمرار نتنياهو في إدارة السلطة خلال مرحلة سياسية ممتدة، وتختلف انعكاسات كل مسار على العلاقة مع واشنطن، فاستمرار حكومة ضعيفة قد يمنح الإدارة الأمريكية قدرة على التأثير في بعض القرارات نتيجة ارتفاع الحاجة الإسرائيلية إلى الدعم الخارجي، مع تراجع قدرة تلك الحكومة على ضمان تنفيذ التفاهمات داخليًا، بينما قد تسمح حكومة أكثر تماسكًا بإدارة تفاوض سياسي أكثر انتظامًا، مع استمرار الخلافات حول الملفات الاستراتيجية الكبرى، ويظل العامل الأكثر تأثيرًا هو مدى استعداد الطرفين لتحويل التفاهمات العسكرية إلى ترتيبات سياسية مستقرة، خاصة مع اتساع تكلفة المواجهات المفتوحة على الاقتصادين الإسرائيلي والأمريكي وعلى أمن المنطقة.
وعلى هذا الأساس، فإن التأثير الأكثر أهمية للانتخابات الإسرائيلية في المشهد الأمريكي يرتبط بإعادة تقييم جدوى الاعتماد على العلاقة الشخصية بين ترامب ونتنياهو بوصفها ضمانة لاستمرارية التفاهمات الاستراتيجية، بعدما أظهرت النتائج حدود قدرة الدعم الأمريكي على معالجة اختلالات النظام الحزبي الإسرائيلي، بالتزامن مع تصاعد القيود الاقتصادية والانتخابية التي تواجه الرئيس الأمريكي في إدارة الحرب، وتكشف هذه المعادلة عن تراجع هامش المناورة السياسية لدى الطرفين رغم استمرار امتلاكهما أدوات عسكرية واستخباراتية واسعة، حيث تحتاج إسرائيل إلى سلطة قادرة على إدارة التزاماتها الداخلية والخارجية، بينما تحتاج واشنطن إلى ضبط تكاليف انخراطها الإقليمي والحفاظ على التوازن بين أولويات الأمن ومتطلبات الاقتصاد الداخلي.
ويستقر التقدير الإستراتيجي عند أن انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر دشنت مرحلة تتزايد فيها الفجوة بين القدرة العسكرية الإسرائيلية والاستقرار السياسي اللازم لتوظيفها، في حين تضع انتخابات الكونغرس إدارة ترامب أمام قيود قد تعيد ترتيب أولوياتها في التعامل مع إيران والملف الفلسطيني ومستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية، وتمنح هذه التطورات أهمية متزايدة لدور المؤسسات وموازين القوى الداخلية مقارنة بالعلاقات الشخصية بين القيادات، مع استمرار احتمالات التباين بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية في توقيت التصعيد وحدوده وتكلفته، وهو ما يجعل مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب مرتبطًا خلال المرحلة المقبلة بقدرة الطرفين على إدارة آثار الحرب القائمة، وتحويل النفوذ العسكري والسياسي إلى ترتيبات قابلة للاستمرار، في ظل بيئة إقليمية تتزايد فيها تكلفة المواجهة وتتراجع فيها قدرة الحلول العسكرية المنفردة على معالجة الأسباب السياسية والأمنية للصراعات.