فائز بن سلمان الحمدي
من أعجب ما يبتلى به العقل أن تتسع حيلته وتضيق حكمته، وأن يبلغ من دقة النظر في مخارج الكلام ما لا يبلغه من النظر في عواقب الأعمال؛ فيحسن صاحبه أن يواري قبح المقصد بجمال العبارة، وأن يلبس الأذى من رقيق الألفاظ ما يخفي خشونته، حتى ليحسب أن ما استعصى على أفهام الناس قد استتر عن علم الله، وأن ما أفلت من مؤاخذة الخلق قد نجا من تبعة الحق.
ولقد ترى الرجل قد أوتي حظًا من براعة البيان ولطف التصرف في وجوهه، فإذا غاب عنه من يريد النيل منه أرسل في المجلس كلمةً ظاهرها البراءة، وفي طياتها من التعريض ما يبلغ به مأربه؛ لا يسمي فيؤاخذ، ولا يصرح فيستوقف، ولكنه يترك للمعنى أن يسري حيث أراد، ثم يأوي إلى احتمالات اللفظ آمنًا في ظنه، راضيًا عن نفسه، معجبًا بما يراه من نفاذ الحيلة وحسن التخلص. وما علم أن هذا الذي يستطيل به ليس من شرف الفطنة في شيء، وإنما هو عجز المروءة حين تستعين بذكاء العقل على ضعف الضمير؛ إذ لم يجد في نفسه من الاستقامة ما يحجزه عن الإساءة، ولا من الشجاعة ما يحمله على تحمل تبعتها، فاتخذ من غموض العبارة سترًا، ومن غيبة المقصود مجالًا، ومن سكوت السامعين شاهدًا يتوهم به تمام براعته. وإن في هذا المسلك من خفاء النقيصة ما هو أبلغ في الدلالة عليها من ظهورها؛ لأن النفس التي تستحيي من التصريح بالقبيح، ثم لا تستحيي من إرادته، قد جعلت للناس من الحرمة في ظاهرها ما لم تجعل لله من المراقبة في باطنها. فهي تخشى انكشاف العيب ولا تخشى استقراره، وتعنى بسلامة الصورة أكثر من عنايتها بصلاح الحقيقة، حتى يغدو همها أن تحسن التستر لا أن تحسن التورع. وقد كشف القرآن عن هذا الداء في كلمة لو استقر معناها في القلب لأغنته عن كثير من المواعظ، فقال سبحانه: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا}، وأي خسران للعقل أعظم من أن يحتاط المرء لعلم الناس ولا يحتاط لعلم الله، وأن يحكم إغلاق الأبواب التي تنفذ منها إليه التهمة، ويترك أبواب قلبه مشرعةً لما يفسد عليه سريرته؟!
إن للألفاظ عند الناس أحكامًا تجري على ظواهرها، وللمقاصد عند الله حقائق لا تغيرها صناعة البيان؛ فرب كلمة استقامت حروفها واعوجت نيتها، ورب عبارة لان مسمعها وخشن موردها، ورب تعريض كان في ميزان القصد أصرح من التصريح. وما كان حسن السبك يومًا دليلًا على حسن الطوية، ولا كان عجز السامع عن إقامة الحجة برهانًا على براءة المتكلم مما يعلمه من نفسه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». متفق عليه. فإذا كانت النية روح العمل، فما يغني المرء أن يجمل جسد العبارة وقد أفسد روحها؟ وكيف يطمئن إلى سلامة لفظ يعلم أنه لم يرد به السلامة، وإنما أراد أن يبلغ من أذى غيره ما لا يجرؤ على تحمل مسؤوليته؟
وما أهون الذكاء حين يبتذل في هذه الصغائر، وما أشد فقر النفس حين لا تجد ما تتعالى به إلا الانتقاص من غائب، أو الاستطالة على عرض لا يحضر صاحبه ليدفع عنه! فإن شرف الإنسان لا يعرف بمقدار ما يستطيع أن يقول إذا أمن الجواب، ولكن بمقدار ما يمتنع عنه إذا قدر عليه؛ وليس من المروءة أن يحسن المرء أدبه في حضرة الناس، ثم يجعل من غيبتهم إجازةً لأخلاقه من قيودها.
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الغيبة: «ذكرك أخاك بما يكره»، فلما سئل عما إذا كان فيه ما يقال، قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته». رواه مسلم. وإن من الكلام ما يبلغ بالتعريض مبلغ التصريح، ويعرف المقصود منه وإن لم يذكر اسمه؛ غير أن العدل يقتضي ألا تجعل الظنون سبيلًا إلى اتهام السرائر، فإن القلوب إلى الله، ولا يعلم حقائقها سواه. وإنما موضع المؤاخذة فيمن يعلم من نفسه فساد القصد، ثم يستريح إلى أن الناس لا يملكون على قصده بينة. وليس كل من سكت عن التلميح غافلًا عنه، ولا كل من أعرض عن الإساءة عاجزًا عن جوابها؛ فقد يكون الصمت أرفع من الخصومة، والإعراض أشرف من الانتصار، ويكون في ترك المسيء وشأنه من صيانة النفس ما لا يكون في مجاراته.
وكم من امرئ ظن أنه استغفل مجلسًا، وما استغفل إلا نفسه؛ إذ كشف من ضيق صدره وسوء اختياره ما لم يكن ليكشفه لو أمسك لسانه، فكانت عبارته التي أراد بها الحط من غيره أبلغ في الدلالة على ما في نفسه. على أن الخطب ليس في أن يفطن الناس أو لا يفطنوا، ولا في أن تعرف الإشارة أو يخفى مرماها؛ فإن وراء هذه الموازين المحدودة علمًا لا تحده الألفاظ، ولا تستره الاحتمالات، ولا يحتاج في إدراك المراد إلى تصريح أو قرينة.
قال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فسبحان من يعلم من الكلام ما لم ينطق به، ومن الخاطر ما لم يستقر في عبارة، ومن السريرة ما لا يحسن صاحبها أن يفصح عنه لو أراد! كيف يتسع غرور الإنسان حتى يتوهم أن دقة حيلته تغني عنه شيئًا أمام هذا العلم المحيط؟ وكيف يعجب بقدرته على إخفاء مراده عمن لا يعلم إلا ما يسمع، ويغفل عمن يعلم ما تكن الصدور قبل أن تتحرك به الشفاه؟
إن المرء ليرثى له حين يكون أحرص على ألا يعرف عيبه من أن يبرأ منه، وأشد خوفًا من سقوط منزلته في أعين الناس من سقوطها بما يقترف في ميزان الحق؛ لأنه قد استبدل بفضيلة الاستقامة مهارة التستر، وبسلامة الضمير سلامة المظهر، وبمراقبة الله مراعاة الخلق. وليس الذكاء فضيلةً بنفسه حتى يستقيم به المقصد، ولا البيان شرفًا لصاحبه حتى يشرف به ما يقول؛ فكم من فطنة أوردت صاحبها موارد الهوان، وكم من براعة في الكلام كشفت عن ضآلة النفس أكثر مما سترت من عيوبها. وإنما العقل الرفيع ما هذبته الحكمة، واللسان الكريم ما صانته المروءة، والقلب السليم ما استحيا من الله في خلوته استحياءه منه في علانيته. ثم إن للسرائر يومًا تمحص فيه حقائقها، وتنكشف عند الحساب خباياها، فلا تنفع صاحبها حيلة أحكمها، ولا عبارة أحسن تصريفها، ولا مخرج كان يلجأ إليه كلما ضاق عليه سبيل الاعتذار. قال سبحانه: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}.
وما أهيبها من خاتمة لكل غرور، وما أبلغها من موعظة لمن ظن أن خفاء القصد يسقط تبعته! فهنالك لا يكون الشأن فيما استطاع المرء أن يقنع به الناس، وإنما فيما قدم بين يدي الله؛ ولا فيما زينه من ظواهر القول، وإنما فيما انعقد عليه القلب وصدر عنه العمل.
فليست كرامة الإنسان أن يحسن إخفاء ما يستحيي من إظهاره، وإنما كرامته أن يترفع عن أن يضمر ما يستحيي منه؛ وليس كمال فطنته أن يجعل بين لفظه ومقصده مسافةً تعجز السامعين، وإنما كمال بصيرته أن يجعل بين نفسه وبين دناءة المقاصد حاجزًا من التقوى لا تتخطاه دواعي الهوى.
وما أعظم الفرق بين من يجهد عقله ليستر ما في قلبه عن الناس، ومن يجهد نفسه ليطهر قلبه مما لا يرضي الله! فالأول يحسن سياسة الظاهر ويهمل حقيقة الباطن، والآخر يبدأ من سريرته، فإذا صلحت استقام له من أمر لسانه ما لا تستقيم به حيل المتكلفين.
وإن أحق الناس بالرثاء من أعجبته قدرته على المواربة حتى نسي أنها لا تغير من حقيقة قصده شيئًا؛ فاستراح إلى جهل الناس بما يضمر، ولم يستوحش من علم الله به.
فيا ليت من بلغ من الذكاء أن يخفي مراده عن الخلق، يبلغ من الحكمة أن يصلح مراده للخالق؛ فإن غاية الحيلة أن يعجز الناس عن معرفة ما في القلب، وغاية البصيرة أن يستحيي القلب من أن يكون فيه ما لا يرضي الله.
وما خدع الناس بمثل ما خدع هذا المتذاكي نفسه؛ إذ حسب أن سلامته من فهمهم سلامة من حسابه، وما درى أن الذي عجزت عنه أفهامهم لم يغب لحظةً عن علم الله.
{أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ}.