أحمد صالح حلبي
ليس غريباً أن يستهدف الحوثيون مكة المكرمة فقد سبقهم لذلك القرامطة من قبل، وتحديداً عام 317هـ/ 930م حينما دخلوا مكة المكرمة بقيادة أبي طاهر الجنابي الذي وقف على باب الكعبة وقال مقولته الشهيرة: «أنا بالله، وبالله أنا.. يخلق الخلق، وأفنيهم أنا»، ولم يكتفِ القرامطة بهذا بل أعملوا السيف في الحجاج وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، واستهانوا بحرمة الكعبة المشرفة، وسرقوا الحجر الأسود، وأغلقوا طرق الحج.
كما أنه ليس غريباً عليهم إنكار استهداف مكة المكرمة، فقد سبقهم لذلك أيضاً المستشرقون الذين دخلوا مكة المكرمة كجواسيس أرسلتهم حكوماتهم الاستعمارية للتعرف على الحياة الاجتماعية والاقتصادية بمكة المكرمة، ومعرفة ما تحتضنه هذه المدينة من مقدسات يقصدها المسلمون لأداء فريضة الحج، فاستخدموا كافة الوسائل والسبل للوصول إلى مبتغاهم، فكانت خطوتهم الأولى التظاهر باعتناق الإسلام، وإتقان اللغة العربية، وارتداء الثياب العربية ليظهروا بمظهر العرب المسلمين القاصدين بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، ومن أشهرهم دومينغو فرانثيسكو باديا، الذي عرف باسم علي باي العباسي، وهو رحالة وجاسوس إسباني، وصل إلى مكة المكرمة، خلال الفترة من 1803-1807، متقمصاً مظهر الرجل التقي المسلم، ويعتبر أول أسباني يدخل مكة المكرمة.
وبين هدف القرامطة المتمثل في قتل الحجاج وتعطيل الحج، وسعي المستشرقين للتجسس على الحجاج، نرى الحوثيون يتفقون معهم، وإن اختلف التوقيت، فكلاهما اتفقوا على هدف واحد وهو تعطيل أداء المسلمين لشعيرة الحج ونسك العمرة من خلال توجيه صواريخ وطائرات مسيرة صوب مكة المكرمة.
الحوثيون يرون أن بلوغ أعداد المعتمرين عام 2025 نحو 18.03 مليون معتمر، و1.673.230 حاجاً، يؤكد توفر الأمن والأمان لقاصدي البيت الحرام وزوار مسجد رسوله المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما يتنافى ورغبتهم التي تستهدف إشعار المسلمين بغياب الأمان وزرع الخوف والقلق لديهم ليتوقفوا عن أداء فريضة الحج ونسك العمرة.
أما إن أنكر الحوثيون استهداف مكة المكرمة، واعتبروا أن سقوط شظايا صاروخ في وادي المغمس وليس في مكة المكرمة، فقد يصدقهم من يجهلون طبيعة مكة المكرمة الجغرافية، فوادي المغمس يقع على بعد 21-23 كيلومتر عن مكة المكرمة، وبالقرب من مشعر عرفات، ومن عمل في خدمات الحجاج قبل 10-15 عاماً يعرف جيداً أن وادي المغمس يعرف أيضاً بالوادي الأخضر، وكانت تحجز فيه حافلات نقل الحجاج قبل انطلاقها إلى عرفات ليلة الوقفة الكبرى لنقل الحجاج من عرفات إلى مزدلفة فمنى يوم النفرة.
فلماذا ينكر الحوثيون استهداف مكة المكرمة ؟
إنكارهم لاستهداف مكة المكرمة خشية من تعرضهم لخسائر سياسية ومعنوية لدى الشعوب الإسلامية لكون مكة المكرمة تحتضن قبلة المسلمين، والمساس بها يعني المساس بكرامة الشعوب الإسلامية، فتتحول المكاسب التي يسعون إليها إلى سخط لدى الشعوب الإسلامية.