أحمد الأسمري
وزير الصحة الأمريكي روبرت كينيدي الابن، الذي أثار جدلاً وسخريةً بمواقفه من اللقاحات وترويجه مزاعم تناقض الأدلة الطبية، وجد هذه المرة ضالته في العرب، فأطلق حكماً على نحو 500 مليون إنسان، زاعماً أنهم لا يقدمون للعالم علماً ولا أدباً، ولا يحصدون جوائزه الكبرى.
ولن نحتاج إلى استعراض ما قدمته الحضارة العربية الإسلامية للبشرية في مختلف ميادين المعرفة، من الرياضيات والفلك والفلسفة إلى الأدب والفنون، للوقوف على تهافت هذا الحكم. يكفي أن نتوقف عند جانب واحد من ذلك الإرث، هو الطب، الذي يتولى كينيدي اليوم مسؤولية وزارته في الولايات المتحدة، وكان لعلماء عرب فضل كبير في تطوره، ولا تزال أسماؤهم ومؤلفاتهم حاضرة في تاريخه.
ولو خصص كينيدي شيئاً من وقته لقراءة تاريخ الطب، لعرف أن الطبيب الأندلسي أبا القاسم الزهراوي وضع قبل أكثر من ألف عام موسوعته «التصريف»، التي وصف فيها عشرات الأدوات الجراحية وطرق استخدامها، وظلت مرجعاً للأطباء في أوروبا قروناً. ولعرف أيضاً أن ابن النفيس قدم في القرن الثالث عشر وصفاً علمياً للدورة الدموية الرئوية، سبق به ما استقر عليه الطب الأوروبي لاحقاً.
وهذان اسمان من سجل علمي أوسع شهدته الحواضر العربية الإسلامية، حيث ازدهرت المستشفيات والمدارس الطبية، وتقدمت أعمال التأليف والترجمة والممارسة السريرية، وانتقلت المؤلفات الطبية إلى أوروبا وأسهمت في تطور المعرفة والعلاج. ولم يكن ذلك الإرث معزولاً عن حركة علمية وفكرية واسعة ازدهرت في أراضينا العربية وامتدت إلى ميادين أخرى، وشارك في بنائها علماء ومفكرون من شعوب متعددة تحت مظلة حضارية واحدة.
وحتى اليوم تتواصل إسهامات العرب في الطب، وتبرز المملكة العربية السعودية بريادتها العالمية في فصل التوائم الملتصقة، عبر برنامج طبي وإنساني يقوده الدكتور عبدالله الربيعة، وامتدت خدماته إلى أطفال من مختلف قارات العالم، فضلاً عن الإنجازات المتقدمة لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في زراعة الأعضاء. ويبرز كذلك الجراح المصري العالمي مجدي يعقوب، أحد رواد جراحة القلب وزراعته، الذي أسهم في تطوير تقنيات جراحية أنقذت حياة آلاف المرضى.
ولأن الوزير الأمريكي اختار الاستشهاد بالجوائز الحديثة، فإن الوقائع تقدم رداً مباشراً على مزاعمه، فالعالم المصري أحمد زويل نال جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، والسعودي من أصل فلسطيني عمر ياغي فاز بالجائزة نفسها عام 2025، وسبق أن نال جائزة وولف في الكيمياء عام 2018، فيما حصل الأديب المصري نجيب محفوظ على نوبل للآداب عام 1988، ونال عالم الرياضيات البريطاني من أصل لبناني مايكل عطية ميدالية فيلدز عام 1966.
وهذه أسماء قليلة من سجل أوسع، لكنها كافية لدحض التعميم الذي أطلقه كينيدي. فالإبداع العلمي والأدبي لا تحتكره جنسية أو قومية، ولا تُختزل إسهامات مئات الملايين من البشر في عدد الجوائز التي يحصلون عليها، مهما بلغت مكانتها.
والأشد إحراجاً للوزير أن الرد جاء من داخل عائلته، إذ أعربت شقيقته كيري كينيدي عن خجلها من تصريحاته، مستحضرة إسهامات العرب في الحضارة الإنسانية، ورافضة الأحكام التي تنتقص من قدراتهم ومنجزاتهم. وهو موقف يذكّر بأن الاعتراض على مثل هذه التصريحات ليس خلافاً بين العرب والغرب، وإنما دفاع عن حقائق تاريخية وقيم إنسانية يفترض أن تكون موضع اتفاق.
ولا يحتاج العرب إلى شهادة كينيدي لإثبات مكانتهم، كما أن الاعتزاز بتاريخهم لا يعفيهم من مسؤولية تطوير حاضرهم العلمي ومؤسساتهم البحثية.
وما استعرضناه من تاريخ الطب وإنجازاته المعاصرة ليس سوى جانب محدود من عطاء حضاري امتد قروناً، وتوزع على حقول المعرفة الإنسانية. ولعل ما يحتاجه الوزير الأمريكي، قبل إصدار أحكامه على الشعوب، هو التمسك بأبسط مبادئ العلم الذي يتولى مسؤولية أحد أهم قطاعاته: أن الأحكام تُبنى على الأدلة، لا على الانطباعات والأحكام المسبقة.