أ.د.عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري
يأتي اختيار المملكة العربية السعودية ضيف شرف على صالون الجزائر الدولي للكتاب في نسخته التاسعة والعشرين في المدة من الثامن والعشرين من أكتوبر وحتى السابع من نوفمبر من عام 2026م تتويجًا لعلاقات سياسية متميزة، وعلاقات ثقافية راسخة، وتأكيدًا على ما حققته الثقافة السعودية من منجزات على كافة الصعد.
وتتولى هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة قيادة مشاركة المملكة في المعرض، وتشارك عدد من الجهات الحكومية، منها: وزارة التعليم، ووزارة الشؤون الإسلامية، ومكتبة الملك فهد الوطنية، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ومجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة، وغيرها من الجهات.
وقد تفاعلت وزارة الثقافة والفنون الجزائرية مع اختيار المملكة ضيف شرف، فنظمت ندوة كبرى يوم الخميس 29 أكتوبر 2026م عنوانها «مساهمة المملكة العربية السعودية في دعم الثورة الجزائرية»، وشارك فيها أربعة باحثين.
وهذا يقودنا إلى استذكار بعض أطر العلاقات الثقافية القديمة مع الجزائر، ووقوف المملكة مع الشقيقة في ثورتها، ومساندتها، وكانت المملكة من أوائل الدول العربية التي سعت إلى إجراء ترتيبات عاجلة لتبادل التمثيل الدبلوماسي بعد الاستقلال في عام 1962م، ووقفت المملكة إلى جانب الجزائر وأمدتها بمعلمين لدعم وجود اللغة العربية منذ عام 1964م.
وقد وثّقت صحيفة اليمامة عام 1385هـ/1965م أسماء الموفدين إلى الجزائر في ذلك العام، وعددهم ثمانية، وهم: محمد بن عبدالعزيز الربيعة، وعبدالرحمن بن محمد الفرائضي، وإسماعيل يعقوب قدح، ويوسف إدريس فطاني، ومحمد بن عبدالسلام، وعبدالعزيز أبو حيمد، وعبداللطيف الرشود، وعبدالله الحقيل، ثم ذهب مجموعة كبيرة من السعوديين على مراحل إلى هناك، ومنهم: إسماعيل السماعيل، وحمد الزيد، وعمر البليهد، وإبراهيم طالع الألمعي، وإبراهيم شحبي، وسلامة الهمش، وعبدالعزيز الرويس، وغيرهم.
وقد تولى محمد بن عبدالسلام مهمة أخرى في الجزائر فيما بعد، وهي العمل ملحقًا ثقافيًا، ومن قدامى الموفدين: عبدالعزيز بن أحمد السلمان الذي اُنتدب للتدريس لمدة خمس سنوات في مدينة وهران بدءًا من العام 1386هـ/1966م، ودرّس «اللغة العربية والتربية الدينية».
كما أسهمت في تنظيم مهرجان ثقافي في الجزائر، وهو «مهرجان الأيام الثقافية السعودية في الجزائر»، وكان هذا في عام 1404هـ/1984م، ونتج عنه جمع عدد من القصائد في كتاب طبعته جامعة الملك سعود.
ومن أبرز الأدباء السعوديين الذين زاروا الجزائر وكتبوا عنها شعرًا ونثرًا: الشيخ حمد الجاسر، والأستاذ عبدالعزيز الرفاعي، والأستاذ عبدالله بن إدريس، والأستاذ عبدالله الحقيل رحمهم الله، والأستاذ إسماعيل السماعيل، والدكتور حمد الزيد، والدكتور مازن مطبقاني، والأستاذ هزاع الشمري، والأستاذ محمد الجلواح، وغيرهم.
وقد واكب الشعراء والأدباء السعوديون الدعم السياسي للثورة الجزائرية بدعم أدبي وإعلامي وحماسة منقطة النظير حفل بها ديوان الشعر السعودي، والمؤلفات السعودية بعامة، والصحافة السعودية، وكان أن وجدنا نصوصًا عديدة شعرية ونثرية توثّق هذه الأحداث، وكان من النتائج أن نهض بعض الباحثين لدراستها في رسائل عليا في الماجستير والدكتوراه، أو في بحوث عامة، وهذا يؤكد ضخامة المدونة وصلاحيتها للبحث العلمي العالي، ومن العناوين التي نجدها في هذا السياق: ذاكرة الجزائر في ديوان الشعر السعودي للدكتور محمد بن عبدالله الدوسري (1428هـ/2007م)، والشعر السعودي في الكفاح الجزائري للدكتور عبدالله بن عودة العطوي (1430هـ/2009م)، وحضور الجزائر في الأدب السعودي لعبدالله الحيدري (1446هـ/2025م).
كما أن هناك كتبًا أخرى صدرت وتناولت أدباء جزائريين، أو تناولت ظواهر معينة ترتبط بالجزائر، ومنها كتاب الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيّع عن الشاعر الجزائري محمد العيد الخليفة، وكتاب الدكتور مازن مطبقاني عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وغيرها من المؤلفات.
وعُني الشاعر السعودي محمد الجلواح بالشرح والتعليق على ديوان الشاعر الجزائري مبارك جلواح، وصدر الديوان عن نادي نجران الأدبي.
وقد درجت السفارة الجزائرية في الرياض على تنظيم فعالية بمناسبة ذكرى الثورة، مع دعوة الأدباء والمثقفين السعوديين للمشاركة، وسبق أن دعيت في عام 1430هـ/2009م، وحضرت، وأذكر أن من بين المكرمين من الأدباء السعوديين الشيخ عبدالله بن إدريس رحمه الله.
وأنتهز هذه الفرصة، وهي اختيار المملكة ضيف شرف في صالون الجزائر الدولي للكتاب؛ لتقديم وافر الشكر والتقدير لوزارة الثقافة، ولهيئة الأدب والنشر والترجمة، ولسفارة المملكة في الجزائر والملحقية الثقافية هناك على جهودهم الحثيثة للتنسيق والترتيب لمشاركة المملكة في صالون الجزائر الدولي للكتاب، وهو ما نأمل أن يستمر طوال العام، وليس مرتبطًا بمناسبة محدّدة.
** **
- أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا