د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
مرت السعودية بعدد من أزمات النفط وصدمات الأسعار أو الإمدادات منذ سبعينات القرن الماضي، 5 أزمات مرت بها السعودية خلال 40 عاما ولكنها تجاوزتها، انهيار الأسعار عام 1986 إلى أقل من 10 دولارات للبرميل، وهو ما خفض إيرادات السعودية من 82 مليار دولار إلى 58 مليار دولار، أقدمت على إصدار سندات خزينة للمرة الأولى عام 1987، أزمة 1994 أيضا وصلت أسعار النفط إلى أقل من 12 دولارا للبرميل، وإلى أقل من 9 دولارات للبرميل عام 1997 بسبب الانهيار الآسيوي، وأزمة الكساد العالمي عام 2008، وأزمة عام 2014 انخفضت الأسعار حول 50 دولارا للبرميل، حتى أتت رؤية المملكة 2030 للتغلب على هذه الأزمات من خلال الإصلاحات الاقتصادية، سجلت الصادرات غير النفطية 155 في المائة مقارنة بعام 2016، فيما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51 في المائة، وحققت 93 في المائة من مستهدفات الرؤية خلال عشر سنوات.
فالتخطيط طويل المدى يعني القدرة على التكيف مع المتغيرات، وأن الإصلاحات التي عززت تنوع الاقتصاد أسهمت في زيادة قدرة السعودية في التعامل مع الأزمات وتحويل التهديدات إلى فرص لتعزيز مكانتها ومواصلة أولوياتها التنموية لتدخل السعودية قائمة العشر الأكبر جاذبية للاستثمار التعديني، واحتلالها المرتبة الأولى في مؤشرات الجاهزية الرقمية والأمن السيبراني، وسيركز صندوق الاستثمارات في الخمس سنوات القادمة على بناء منظومات اقتصادية محلية بقدرات تنافسية عالية لتعزيز المحتوى المحلي بالشراكة مع القطاع الخاص لتحقيق التحول الاقتصادي والوصول إلى عوائد مالية مستدامة.
الأزمة الحالية الناجمة عن الحرب الأمريكية الإيرانية أعادت هذه الأزمة أمن الطاقة إلى صدارة الأولويات والاهتمامات، وفرضت إعادة النظر بشكل جوهري في مفهوم المرونة والقدرة على الصمود وعلى امتصاص الصدمات.
عملت السعودية خلال هذه الأزمة على ضمان تدفق نفطها لعملائها في أنحاء العالم، رغم الهجمات التي استهدفت بنيتها النفطية، استطاعت شركة أرامكو أكبر شركة للنفط في العالم على التكيف مع هذه الاضطرابات غير المسبوقة، خططت الدولة منذ فترة مبكرة قبل أكثر من أربعة عقود على تعدد مسارات التصدير، وتوسيع قدراتها الإستراتيجية في التخزين في الخارج، حتى شكلت السعودية صماما لأمن الطاقة العالمي بفضل قدرتها الموثوقة على تزويد الأسواق الدولية بالإمدادات النفطية، رغم التحديات والتصعيد الجيوسياسي.
الأزمة غير مسبوقة من حيث الأثر على أسواق الطاقة خصوصا وأن 20 في المائة من الطلب العالمي يأتي من منطقة الخليج، كذلك الغاز المسال بنفس النسبة، أتت الحرب والمخزونات العالمية لم تكن بالمستوى المطلوب كما قبل خمس سنوات، رغم ذلك لم تصل الأسعار فوق 200 دولار، وإن كان وصلت الأسعار في الديزل لأسباب أخرى تتعلق بقدرة المصافي والاعتماد على الإمدادات، فالسحب من المخزونات العالمية عبر وكالة الطاقة الدولية بنحو 420 مليون برميل، ولعبت الصين دورا في تخفيض الاستيراد إلى 5 ملايين برميل يوميا، ووجود خط شرق غرب يصدر 7 ملايين برميل يوميا، ساعدت هذه العوامل في عدم رفع الأسعار، وتحتاج الأسواق في العامين القادمين إلى زيادة 2 إلى 3 ملايين برميل يوميا لملء المخزونات وتلبية الزيادة في الطلب.
اتجهت الدولة إلى إنشاء خط شرق غرب بسعة 1.8 مليون برميل يوميا، ثم تمت توسعته بإضافة خطوط جديدة إلى 5 ملايين برميل يوميا، ثم إلى 7 ملايين برميل وستتم توسعته في العامين القادمين إلى 10 ملايين برميل يوميا.
وتمتلك شركة أرامكو مرونة وعددا من السيناريوهات، ومن أهم ركائزها سرعة الصيانة بأسرع وقت ممكن، مع توفر بيئة تحتية لتحقيق سرعة الصيانة، إلى جانب امتلاك شركة أرامكو تصنيع محتوى سلاسل الإمداد بنحو 70 في المائة وستصل إلى 75 في المائة في 2030 عزز من سرعة الصيانة وسرعة الاستجابة والجاهزية وعودة الإنتاج في أسرع وقت.
ولدى السعودية 3 ممرات تصدير، الخليج العربي، البحر الأحمر، والبحر المتوسط عبر سيدي كرير، وستتجه الدولة نحو إيجاد ممرات جديدة، إلى جانب زيادة كمية التخزين الإستراتيجي والتجاري مع الشركاء والتوسع في التخزين في آسيا بشكل خاص باعتباره السوق الأكبر للسعودية.
يتطلب أمن الطاقة منظومات أكثر مرونة، واستثمارات مستمرة، وشراكات موثوقة قادرة على مواجهة التحديات وضمان استمرارية الإمدادات، وتعاون الدول المنتجة والمستهلكة لحماية البنية التحتية ومسارات الإمداد، وتتطلع السعودية للعمل مع سنغافورة وشركائها في آسيا والعالم لتعزيز القدرة على الصمود ودعم الازدهار المشترك.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا