عبدالرحمن العطوي
ليست المأساة الفلسطينية محصورة في القصف والدمار والضحايا الذين تتناقل صورهم الشاشات بل إن الأخطر من المشاهد التي يراها العالم هو ما يجري خلفها من عمليات تهجير وتضييق واقتلاع للسكان من بيوتهم وأراضيهم في الضفة الغربية في مشهد يكشف أن معاناة الفلسطينيين لا تتوقف عند حدود غزة المنكوبة بل تمتد إلى جبهة أخرى تعمل فيها حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة على فرض واقع جديد بالقوة مستفيدة من انشغال العالم بأزماته المتلاحقة وتراجع الاهتمام الدولي بما يتعرض له الشعب الفلسطيني من انتهاكات متصاعدة.
وفي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى مضيق هرمز وتداعيات الصراع الأمريكي الإيراني ومخاوف الاقتصاد العالمي من اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة تتعرض مدينة الخليل ومناطق في محيطها لواقع بالغ الخطورة في ظل العمليات العسكرية والإغلاقات والقيود على الحركة والتحذيرات التي دفعت عائلات فلسطينية إلى مغادرة مساكنها وسط حالة من الخوف وعدم اليقين بشأن موعد عودتها.
إن ما شهدته الخليل عقب حادثة إطلاق النار على حاجز عسكري ومقتل شخصين متهمين بتنفيذها لا يمكن أن يكون مبررا للعقاب الجماعي أو ذريعة لتهجير عائلات لا يجوز تحميلها مسؤولية أفعال لم يثبت تورطها فيها، فالمسؤولية الجنائية فردية ولا تسقط حقوق المدنيين بسبب جريمة يرتكبها أفراد ولا يجوز أن تتحول الحوادث الأمنية إلى غطاء لإخلاء الأحياء السكنية أو هدم المنازل أو التضييق على السكان في أرزاقهم وتنقلاتهم وحياتهم اليومية.
وهنا تكمن خطورة المشهد حين تتجاوز الإجراءات حدود ملاحقة المشتبه بهم لتطال البيوت والأسر والقرى وتضع المدنيين أمام خيار الرحيل تحت وطأة الخوف والحصار والإغلاق فالمسكن ليس جدرانا يمكن إخلاؤها بقرار عسكري بل هو ذاكرة الأسرة وأمان الأطفال وكرامة الإنسان وجذوره في أرضه وأي سياسة تدفع السكان إلى ترك منازلهم دون ضرورة عسكرية مشروعة وضمانات قانونية لا يمكن التعامل معها باعتبارها إجراء أمنياً عابراً بل تستوجب تحقيقاً ومساءلة وموقفا دولياً واضحاً.
ولا تقف الصورة عند الخليل وحدها فالمؤشرات الأممية تكشف اتساع دائرة الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية إذ تتواصل هجمات المستوطنين على القرى والتجمعات السكنية وتتزايد المخاوف من التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي والمنازل، فيما يجد السكان أنفسهم أمام اعتداءات متكررة وقيود تحول دون وصولهم إلى مزارعهم ومصادر رزقهم وخدماتهم الأساسية وهي وقائع تؤكد أن ما يحدث ليس مجرد حوادث متفرقة يمكن تجاوزها ببيانات الأسف بل أزمة متصاعدة تهدد وجود التجمعات الفلسطينية على أرضها.
والأشد خطورة أن اعتداءات المستوطنين تتواصل في ظل مناخ سياسي تتبنى فيه أطراف متطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية سياسات توسعية وتتعامل مع الأرض الفلسطينية باعتبارها مجالا مفتوحا لفرض الوقائع بالقوة فيما يعجز كثير من السكان عن حماية بيوتهم ومزارعهم أو الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم وهكذا يصبح الخوف أداة ضغط يومية ويغدو الرحيل القسري نتيجة متوقعة حين يفقد الإنسان القدرة على العيش الآمن في المكان الذي ولد فيه.
أما غزة فما تزال تعيش فصولا قاسية من الكارثة الإنسانية رغم اتفاق وقف إطلاق النار والتعهدات المرتبطة به إذ تستمر معاناة السكان في ظل الدمار الواسع والاحتياجات الإنسانية الهائلة والقيود التي تعرقل وصول المساعدات والإمدادات الضرورية في وقت لا يزال فيه المدنيون يواجهون مخاطر القصف وإطلاق النار وتدهور الظروف المعيشية إن غزة التي أنهكها الدمار وفقدت أعدادا هائلة من أبنائها ومنازلها ومرافقها باتت في أجزاء واسعة منها أقرب إلى مدينة أشباح انحسرت الحياة من شوارعها وتبدلت معالم أحيائها فيما ينتظر سكانها الحد الأدنى من مقومات الحياة من مأوى وغذاء وماء ودواء.
إن استمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية رغم الاتفاقيات والتعهدات لا يمثل مجرد إخفاق في تنفيذ الالتزامات بل يضاعف معاناة المدنيين ويجعل الاحتياجات الأساسية رهينة للقرارات السياسية والأمنية وهو أمر يستدعي تحركا دوليا جادا يضمن وصول المساعدات دون عوائق ويحمي العاملين في المجال الإنساني ويمنع استخدام الغذاء والدواء والمأوى أدوات للضغط على شعب أنهكته الحرب.
ومن هنا فإن الحديث عن جبهتين لا يعني الفصل بين مأساتين بل يعني قراءة مشهد تتوزع فيه المعاناة الفلسطينية بين غزة التي لم تتعاف من آثار الحرب والضفة الغربية التي تواجه تصاعدا في العنف والتهجير والقيود على الحركة والحياة، فبينما ينشغل العالم بصور الدمار في القطاع تتسع المخاوف من أن تتحول الضفة إلى ساحة لفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة بعيدا عن الأضواء وبما يقوض فرص السلام ويهدد أي أفق حقيقي لحل عادل ودائم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح انشغال العالم بالأزمات الإقليمية فرصة لتمرير سياسات لا تحظى بالقدر الواجب من الرقابة والمساءلة، فالتصعيد المرتبط بمضيق هرمز والحرب الأمريكية الإيرانية وما يثيره من مخاوف على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي يستحوذ على اهتمام الحكومات والأسواق ووسائل الإعلام، كما أن الحسابات الانتخابية في الولايات المتحدة وما يرتبط بها من استقطاب سياسي قد تزيد من تعقيد المواقف الدولية وتشتت الأولويات لكن هذه التطورات مهما بلغت خطورتها لا تمنح أحدا رخصة لتجاوز القانون الدولي أو استغلال انشغال القوى الكبرى لفرض واقع جديد على حساب شعب أعزل
وتزداد الصورة تعقيدا في ظل الاعتداءات الإيرانية والهجمات التي تنفذها الجماعات المسلحة المرتبطة بها وفي مقدمتها ميليشيا الحوثي الإرهابية بالصواريخ والطائرات المسيرة التي تستهدف المملكة ومرافقها المدنية وأمن سكانها وتهدد سلامة المعتمرين والمواطنين والمقيمين، فالمملكة التي ترفض الإرهاب والاعتداء على المدنيين تعرف جيدا أن أمن المنطقة لا يتجزأ وأن استهداف المطارات والأحياء السكنية والمقدسات أمر مدان لا يمكن تبريره تحت أي شعار سياسي أو مذهبي.
وفي هذا السياق تدرك ميليشيا الحوثي الإرهابية أن تصعيدها وإطلاق صواريخها وطائراتها المسيرة نحو المملكة واستهداف الأماكن المقدسة والمطارات المدنية والأحياء السكنية يسهم في نقل بوصلة الاهتمام الدولي نحو التهديدات الأمنية وتداعياتها الإقليمية والاقتصادية في وقت تتصاعد فيه معاناة الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية وهو ما يجعل هذه الاعتداءات عاملاً إضافياً في تشتيت أنظار العالم عن جرائم الاحتلال ومخططات التهجير وإن لم يكن ذلك دليلاً على وجود تنسيق مباشر مع الحكومة الإسرائيلية فإن النتيجة المؤلمة تتمثل في انشغال العالم بجبهات متعددة بينما يواصل الفلسطينيون دفع ثمن القتل والدمار والتهجير بعيدا عن الاهتمام الدولي الذي تستحقه قضيتهم.
إن خطورة هذا المشهد تكمن في أن تعدد الأزمات وتزامنها قد يؤديان إلى تراجع الحضور السياسي والإعلامي للقضية الفلسطينية فيما تتواصل الانتهاكات على الأرض، فكلما تصاعدت التهديدات في الخليج وانشغلت العواصم بحماية مصالحها الاقتصادية وأمنها الوطني تراجعت مساحة الاهتمام بما يجري في المدن والقرى الفلسطينية وهو ما يستوجب تنبيها دائما إلى أن مواجهة الاعتداءات على المملكة لا تتعارض مع الدفاع عن حقوق الفلسطينيين بل إن الموقف الأخلاقي والقانوني واحد في رفض استهداف المدنيين ورفض تهجير السكان ورفض تحويل الأوطان إلى ساحات مفتوحة للعنف والتطرف، كما أن التضييق على السلطة الفلسطينية وإضعاف قدرتها على القيام بمسؤولياتها المالية والإدارية والأمنية يزيد المشهد هشاشة ويقوض المؤسسات التي يفترض أن تسهم في حماية مصالح الفلسطينيين وإدارة شؤونهم، ومن غير المنطقي أن تتحدث الأطراف الدولية عن الاستقرار فيما تتراجع مقومات الحياة اليومية للفلسطينيين وتتسع القيود المفروضة عليهم وتتعرض مؤسساتهم لضغوط تضعف قدرتها على الاستمرار وتفتح المجال أمام مزيد من الفوضى والفراغ السياسي.
إن المطلوب اليوم ليس بيانات قلق تتكرر كلما سقط ضحايا أو أُخليت منازل بل موقف دولي جاد يضع حدا للتهجير القسري والعقاب الجماعي وعنف المستوطنين ويضمن حماية المدنيين وحرية وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة ويحفظ للفلسطينيين حقهم في السكن الآمن والحياة الكريمة ويمنع استغلال الظروف الدولية لفرض وقائع يصعب التراجع عنها لاحقا كما أن المجتمع الدولي مطالب بالتحقق من أوضاع العائلات التي غادرت منازلها في الخليل والقرى المحيطة بها وضمان عودتها الآمنة وعدم استخدام الحوادث الأمنية ذريعة لتوسيع العقوبات على السكان.
إن فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الكلمات بقدر ما تحتاج إلى عدالة تحمي الإنسان قبل أن يتحول بيته إلى ركام، وقبل أن تصبح قريته ذكرى وقبل أن يعتاد العالم مشاهد الأطفال الذين يحملون ما تبقى من أمتعتهم ويغادرون المكان الذي عاش فيه آباؤهم وأجدادهم، فحين يترك الفلسطيني وحده أمام القصف والتهجير والحرمان من المساعدات لا تكون الخسارة فلسطينية وحدها بل تكون خسارة للقانون الدولي ولمصداقية النظام العالمي وللضمير الإنساني الذي لا يجوز أن يعمل بمعايير مختلفة تبعا لهوية الضحية أو مصالح القوى الكبرى.
إن انشغال العالم بمضيق هرمز وإيران والانتخابات الأمريكية لا ينبغي أن يتحول إلى ستار يحجب ما يجري في فلسطين، فالأزمات مهما تعددت لا تبرر نسيان شعب يدفع ثمن الاحتلال والحرب كل يوم وما يجري في غزة والخليل وسائر الضفة الغربية يستدعي يقظة دولية تتجاوز الحسابات الآنية وتمنع تحويل المأساة إلى واقع دائم.
فالتاريخ لا يسجل فقط من أشعل الحروب بل يسجل أيضا من استغل انشغال العالم لاقتلاع الناس من بيوتهم ومن رأى المأساة ولم يتحرك ومن امتلك القدرة على حماية المدنيين فاختار الصمت، أما الفلسطينيون الذين يتمسكون بأرضهم رغم القتل والدمار والتهجير فلا يطالبون بامتيازات استثنائية بل بحقهم الطبيعي في الحياة والأمن والكرامة شأنهم شأن سائر شعوب الأرض.
وإذا كان العالم يريد سلاماً حقيقياً في الشرق الأوسط فعليه أن يدرك أن السلام لا يولد من تحت الأنقاض ولا يبنى على تهجير السكان ولا يتحقق بإضعاف المؤسسات الفلسطينية أو ترك المستوطنين يفرضون وقائعهم بالقوة بل يبدأ حين يصبح القانون أقوى من السلاح والعدالة أقوى من التطرف وحياة الإنسان أهم من الحسابات الانتخابية والمصالح الاقتصادية وعندها فقط يمكن أن تتوقف دوامة الدم، وأن يجد الفلسطينيون طريقاً إلى مستقبل لا يخاف فيه الطفل من فقدان بيته ولا تضطر فيه الأسرة إلى حمل مفاتيح منزلها والرحيل نحو المجهول.