صبحي شبانة
تؤكد التجربة السعودية في إدارة العلاقات الدولية أن قوة الدول لا تُقاس بمتانة تحالفاتها وحدها، وإنما بقدرتها على تنويع شراكاتها، وتوسيع خياراتها الاستراتيجية، والحفاظ على استقلال قرارها في عالم تتسارع فيه التحولات وتتباين فيه المصالح، فالمملكة العربية السعودية بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة إقليمية ودولية، تقدم نموذجًا في الجمع بين الوفاء للتحالفات الراسخة، وفي مقدمتها الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، والانفتاح على قوى دولية وإقليمية أخرى، بما يعزز قدرتها على حماية مصالحها الوطنية والتعامل مع المتغيرات من موقع القوة والقدرة والثقة، ويعكس هذا النهج إدراكًا عميقًا لطبيعة العلاقات الدولية، التي تقوم على المصالح المتبادلة، وتتأثر بتغير الظروف والأولويات، وتقتضي من الدول امتلاك خيارات متعددة تتيح لها المناورة السياسية، وتدعم استقلال قرارها، وتمنحها قدرة أكبر على الإسهام في صياغة التوازنات الإقليمية والدولية، وتنويع مجالات المصالح الاقتصادية والسياسية والدفاعية، بما يعزز مكانة المملكة وقدرتها على حماية أمنها ومصالحها الوطنية، فالمملكة لا تنظر إلى تنويع علاقاتها باعتباره بديلًا عن تحالفاتها القائمة، ولا باعتباره موقفًا من قوة دولية لحساب أخرى، وإنما بوصفه خيارًا استراتيجيًا يواكب التحولات العالمية، ويمنحها قدرة أكبر على التعامل مع مختلف التحديات، ويؤكد أن قوة الدولة لا تكمن فقط في متانة تحالفاتها، بل أيضًا في اتساع خياراتها، ووضوح رؤيتها، وقدرتها على اتخاذ القرار وفق مصالحها الوطنية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في منطقة تتداخل فيها الحسابات الدولية مع التنافس الإقليمي، وتتعدد فيها مصادر التهديد، وتتشابك فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية، فالتاريخ يؤكد أن التحالفات، مهما بلغت قوتها، لا تعني تطابقًا دائمًا في تقدير الأولويات، وأن الدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها وحساباتها الاستراتيجية، التي قد تتغير بتغير الظروف والتهديدات وتوازنات القوى، لذلك فإن الدول التي تسعى إلى حماية أمنها واستقرارها تحتاج إلى بناء علاقات متوازنة، تجمع بين قوة الشراكات الدولية، وفاعلية التعاون الإقليمي، والقدرة على إدارة الخلافات، من دون أن يتحول أي من هذه المسارات إلى بديل عن استقلال القرار الوطني، وهذا هو جوهر التفكير الإستراتيجي الذي ينبغي أن يحكم علاقات دول المنطقة بعضها ببعض، وعلاقاتها بالقوى الدولية، في مرحلة تتطلب قدرًا أكبر من الوعي بالتحولات، واستيعابًا أعمق لدروس التاريخ، وتجنبًا للرهانات التي قد تبدو ناجحة في لحظة، لكنها تحمل في نتائجها اللاحقة تحديات أكثر تعقيدًا.
السؤال الذي ينبغي أن يشغل عقول صناع القرار في المنطقة ليس من يكسب الجولة الراهنة، وإنما كيف يمكن منع الخلافات الإقليمية من التحول إلى صراعات مفتوحة تستنزف موارد الدول، وتضعف مؤسساتها، وتمنح القوى الخارجية مساحة أوسع للتأثير في مستقبلها، فالتجارب الدولية والإقليمية لا تقدم درسًا واحدًا في كيفية بناء التحالفات، لكنها تكشف بوضوح أن توظيف التناقضات المحلية في إطار صراع دولي لا يضمن السيطرة على نتائجه، وأن إنهاء المواجهة العسكرية لا يعني بالضرورة بناء سلام مستدام، وأن الدول التي لا تمتلك رؤية واضحة لمصالحها قد تجد نفسها أمام استحقاقات لم تكن مستعدة لها، بعدما تتغير أولويات القوى التي شاركت في إدارة الصراع.
وتقدم التجربة الأفغانية واحدة من أكثر التجارب دلالة على هذه الحقيقة، فعندما دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان عام 1979، رأت الولايات المتحدة في المقاومة الأفغانية فرصة استراتيجية لاستنزاف خصمها في الحرب الباردة، وقدمت، بالتعاون مع شركاء إقليميين وعبر قنوات باكستانية، دعمًا واسعًا لفصائل المجاهدين.
وأسهمت هذه السياسة في رفع كلفة الوجود السوفيتي، وصولًا إلى انسحاب القوات السوفيتية عام 1989، لكن انتهاء الاحتلال لم يفتح الطريق أمام دولة مستقرة، ولم تتحول التعبئة العسكرية التي فرضتها ظروف المواجهة إلى تسوية سياسية شاملة قادرة على توحيد البلاد وبناء مؤسساتها، بل دخلت أفغانستان في دوامة من الصراعات الداخلية، وتنازعت القوى المسلحة السلطة، ثم صعدت حركة طالبان إلى الحكم في التسعينيات، قبل أن تعود الولايات المتحدة إلى الحرب في البلاد بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتخوض أطول حروبها الخارجية، لتنتهي تلك التجربة بانسحابها عام 2021 وعودة طالبان إلى السلطة.
ولا يصح اختزال التجربة الأفغانية في القول إن واشنطن أنشأت تنظيم القاعدة مباشرة أو أنها خططت لكل ما أعقب الحرب الباردة؛ فهذه قراءة تتجاوز تعقيدات الوقائع التاريخية، لكن الدرس الاستراتيجي الأوضح أن توظيف قوى محلية في مواجهة خصم دولي لا يضمن السيطرة على النتائج اللاحقة، وأن هزيمة الخصم الخارجي لا تعني بالضرورة بناء نظام سياسي مستقر، وأن انتهاء المهمة العسكرية بالنسبة إلى القوة الكبرى قد لا يعني انتهاء الأزمة بالنسبة إلى المجتمع الذي شهد الحرب، فقد بقي الأفغان أمام تحديات الدولة والسلطة والأمن والتنمية، بينما دفعت المنطقة والعالم أثمانًا متلاحقة لفراغات سياسية وأمنية لم تُعالج جذورها على نحو مستدام.
ومن أفغانستان إلى الشرق الأوسط، تتكرر المعضلة في صور مختلفة، فالقوى الدولية قد تدعم طرفًا في مواجهة طرف آخر، أو تمنح حليفًا هامشًا واسعًا من الحركة، أو تضغط لوقف عملية عسكرية حين ترى أن استمرارها يهدد مصالحها أو يرفع كلفة الصراع، ثم تغير مقاربتها عندما تتبدل الظروف. ولا يعني ذلك أن كل تحالف أمريكي مؤقت بالضرورة، أو أن كل قرار يصدر عن واشنطن يستهدف إضعاف المنطقة، لكنه يعني أن الاعتماد على قوة خارجية لحسم خلاف إقليمي لا يعفي أصحاب الخلاف من التفكير في اليوم التالي، ولا يمنحهم ضمانة بأن تظل حسابات الحليف الخارجي متطابقة مع مصالحهم.
من هنا تأتي أهمية زيارة وفد دول اتفاقية الدفاع المشترك في مكة المكرمة إلى طهران، في سياق جهود خفض التصعيد وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، فهذه الخطوة يمكن أن تمثل مدخلًا لتوسيع قنوات الاتصال، وتخفيف مخاطر سوء التقدير، والبحث عن تفاهمات تحفظ أمن دول المنطقة وتمنع اتساع دائرة المواجهة، لكن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لن تتحدد بمجرد انعقاد اللقاءات أو صدور التصريحات، بل بما يمكن أن تفضي إليه من التزامات عملية، وما إذا كانت ستؤسس لمسار مستدام يعالج أسباب التوتر بدلًا من الاكتفاء باحتواء نتائجه المؤقتة.
وتتعامل المملكة العربية السعودية مع هذه المعادلة من موقع مسؤوليتها الإقليمية ومكانتها الاستراتيجية، ومن إدراكها أن استقرار المنطقة ليس مصلحة سعودية فحسب، بل مصلحة عربية وخليجية ودولية، فالمملكة التي ترتبط بشراكة استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، تدرك أهمية التعاون مع القوى الدولية في مواجهة التهديدات وحماية المصالح المشتركة، كما تدرك في الوقت نفسه أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يستقر ما لم تحترم جميع الأطراف سيادة الدول، وتلتزم بعدم التدخل في شؤونها، وتكف عن استخدام الجماعات والميليشيات المسلحة لتوسيع النفوذ أو الضغط على الحكومات، ولا تعارض بين الأمرين؛ فتعزيز الشراكات الدولية والحوار الإقليمي مساران يمكن أن يتكاملا، متى استندا إلى وضوح المصالح، واحترام السيادة، والسعي إلى تسويات تقلل فرص الحرب وتحفظ للدول حقها في تقرير مستقبلها.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يُفهم التواصل مع طهران بوصفه تنازلًا عن المواقف أو تجاهلًا للخلافات، كما لا ينبغي أن يتحول التنافس مع إيران إلى غاية في ذاته، فالحوار الجاد لا يطلب من الأطراف التخلي عن مصالحها أو التغاضي عن مصادر القلق الأمني، وإنما يتيح وضع هذه المخاوف على الطاولة، وتحديد قواعد واضحة للتعامل معها، واختبار استعداد كل طرف للانتقال من التصريحات إلى الالتزامات، وعلى إيران إذا أرادت بناء علاقات مستقرة مع محيطها العربي، أن تدرك أن الثقة لا يمكن أن تتأسس على الخطاب الدبلوماسي وحده، بل على احترام سيادة الدول، وعدم دعم الجماعات المسلحة خارج مؤسساتها الوطنية، والإسهام في تسوية الأزمات التي تهدد أمن المنطقة، وفي المقابل فإن التعامل العربي مع إيران يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى تجمع بين حماية الأمن الوطني، والحفاظ على أدوات الردع، وفتح المجال أمام الحلول السياسية حين تكون قادرة على تحقيق المصالح ومنع التصعيد، فالمنطقة لا تحتاج إلى انتصار إيراني على العرب، ولا إلى انتصار عربي على إيران، بقدر ما تحتاج إلى وضع حد لمنطق الصراع الصفري الذي يفترض أن أمن طرف لا يتحقق إلا على حساب أمن الطرف الآخر، وهذا لا يعني المساواة بين السياسات أو تجاهل المسؤوليات، بل يعني أن يكون معيار التقييم هو السلوك الفعلي واحترام القواعد المتفق عليها، فالأمن المستدام لا يقوم على النوايا المعلنة وحدها، وإنما على التزامات يمكن التحقق منها، وآليات تتيح معالجة الخلافات، وقنوات اتصال تمنع سوء الفهم من التحول إلى مواجهة، كما لا يمكن بناء الثقة إذا طالبت الدول باحترام سيادتها، بينما تتعامل مع سيادة جيرانها باعتبارها مسألة قابلة للتجاوز عندما تتعارض مع حساباتها.
ويقتضي ذلك أن تتجاوز المنطقة مفهوم التهدئة المؤقتة إلى التفكير في بنية أمنية إقليمية أكثر تماسكًا، فالمطلوب ليس إنشاء تحالف جديد ضد دولة بعينها، ولا فرض اصطفاف سياسي لا يحتمل الاختلاف، وإنما التوافق على مبادئ أساسية: احترام السيادة ووحدة الأراضي، وعدم الاعتداء، ورفض استخدام القوة لتغيير الوقائع السياسية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومنع توظيف الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة، وتسوية النزاعات بالوسائل الدبلوماسية، ويمكن أن تتطور هذه المبادئ إلى آليات اتصال دائمة، وترتيبات للإنذار المبكر، وحوار أمني بشأن الممرات البحرية وأمن الطاقة، وإجراءات لبناء الثقة والحد من مخاطر التصعيد، فالاتفاقات لا تكتسب قيمتها من توقيعها، بل من وضوح التزاماتها وقدرة الأطراف على تنفيذها ومساءلتها عند الإخلال بها، ولا يقل عن ذلك أهمية أن ترتبط منظومة الأمن بالتنمية والمصالح الاقتصادية المشتركة، فالمنطقة التي تتعطل فيها التجارة، وتُستنزف مواردها في النزاعات، وتتعرض منشآتها الحيوية وممراتها البحرية للتهديد، تفقد فرصًا ثمينة لتحسين حياة شعوبها وتنويع اقتصاداتها، أما التعاون في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار والأمن الغذائي والمائي والتكنولوجيا، فيمكن أن يخلق مصالح متبادلة تجعل الحفاظ على الاستقرار خيارًا أكثر جاذبية من استمرار المواجهة، وليس المقصود أن المصالح الاقتصادية تلغي الخلافات السياسية، بل أنها تمنح الدول حوافز إضافية لإدارتها، وتزيد كلفة القرارات التي تهدد الاستقرار الإقليمي، ومن الخطأ في المقابل أن تتحول الدعوة إلى استقلال القرار الإقليمي إلى دعوة للقطيعة مع الولايات المتحدة أو إلى التشكيك في كل شراكة دولية، فالعالم المعاصر يقوم على تشابك المصالح، ولا تستطيع دولة بمفردها مواجهة جميع التحديات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، لكن الشراكة الأكثر رسوخًا هي تلك التي تقوم على المصالح المتبادلة، وتدعم قدرة الحلفاء على حماية أنفسهم، وتمنحهم مساحة للتعبير عن أولوياتهم وتقديراتهم، وكلما كانت دول المنطقة أكثر قدرة على تنسيق مواقفها، وتسوية خلافاتها، وتطوير إمكاناتها، أصبحت شراكاتها الدولية أكثر توازنًا وفاعلية، فالاعتماد المتبادل لا يعني التبعية، والتحالف لا يتعارض مع امتلاك رؤية وطنية مستقلة، بل إن وضوح المصالح الوطنية هو ما يمنح التحالف معناه الاستراتيجي الحقيقي.
إن زيارة طهران تتيح فرصة ينبغي ألا تضيع في الحسابات الآنية أو في تبادل الرسائل السياسية، فإذا نجحت الأطراف في تحويلها إلى مسار مستمر للحوار، فقد تفتح الباب أمام تخفيف التوتر، وتوسيع التفاهمات، ومنع عودة المنطقة إلى مواجهة جديدة، أما إذا ظلت مجرد محطة عابرة، من دون التزامات واضحة أو آليات للمتابعة، فإن أسباب الأزمة ستبقى قائمة، وستظل المنطقة عرضة لدورات متكررة من التصعيد والتهدئة، والمطلوب أن تُقاس نتائج المبادرة بمدى انعكاسها على أمن الدول، واحترام سيادتها، ووقف التدخلات التي تقوض استقرارها، وحماية الممرات البحرية، وإتاحة الفرصة أمام الشعوب لتوجيه مواردها إلى التنمية بدلًا من استنزافها في صراعات مفتوحة،
إن الدرس الذي تقدمه أفغانستان، وتؤكده تجارب أخرى، ليس أن القوى الكبرى لا يمكن الوثوق بها، ولا أن التحالفات الدولية محكومة بالفشل، وإنما أن أي دولة لا تستطيع أن تستعير أمنها بالكامل من الخارج، ولا أن تجعل مستقبلها رهينة لتوازنات قد تتغير، فالقوة الحقيقية لا تتمثل في القدرة على تعطيل الخصم وحدها، بل في القدرة على بناء نظام سياسي وأمني يمنع عودة الصراع، ويصون مؤسسات الدولة، ويحفظ مصالح المواطنين، وحين تتراجع هذه القدرة، تصبح الانتصارات العسكرية مؤقتة، وتتحول التسويات إلى فترات لالتقاط الأنفاس، ويظل المستقبل معلقًا على حسابات الآخرين، ولهذا فإن مسؤولية العقلاء في المنطقة اليوم هي الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، ومن توظيف الخلافات إلى بناء المصالح المشتركة، ومن انتظار ضمانات الخارج وحدها إلى إقامة ترتيبات إقليمية قابلة للتنفيذ، مع الحفاظ على الشراكات الدولية التي تخدم الاستقرار والازدهار، فليس المطلوب أن تختار المنطقة بين واشنطن وطهران، أو أن تستبدل اصطفافًا بآخر، بل أن تمتلك القدرة على التعامل مع الطرفين وسائر القوى الدولية وفق مصالحها، وأن تجعل أمنها مسؤولية مشتركة بين دولها، لا ورقة في صراعات الآخرين.
إن التاريخ لا يعيد نفسه بالصورة ذاتها، لكنه يكشف كلفة الأخطاء حين تتكرر من دون مراجعة، وأفغانستان ليست قدرًا ينتظر الشرق الأوسط، لكنها تذكير بأن إنهاء الحرب لا يساوي بناء السلام، وأن هزيمة الخصم لا تكفي إذا بقيت أسباب الصراع، وأن القوى الخارجية، مهما بلغت قدرتها، لا تستطيع أن تحل محل إرادة الدول في بناء مستقبلها، فالتجارب التاريخية تؤكد أن التدخلات الدولية، حتى حين تبدأ بأهداف معلنة ومبررات تبدو مقنعة في لحظتها، قد تفضي إلى نتائج تتجاوز حسابات أصحابها، وتفتح أبوابًا لأزمات يصعب احتواؤها، وتترك شعوب المنطقة أمام كلفة ممتدة من عدم الاستقرار، لذا فإن الدرس الأهم ليس في إدانة طرف أو تمجيد آخر، بل في إدراك أن الفراغات السياسية، وانهيار مؤسسات الدولة، وتغليب منطق القوة على منطق التسوية، تمثل بيئة خصبة لتكاثر الأزمات، وأن معالجة نتائج الصراعات تظل ناقصة ما لم تمتد إلى جذورها السياسية والأمنية والاقتصادية، وفي منطقة تتشابك فيها المصالح وتتداخل فيها التحديات، من أمن الممرات البحرية والطاقة إلى مكافحة الإرهاب وحماية استقرار الدول، يصبح من الضروري أن تتحول الخبرات القاسية إلى وعي استراتيجي يمنع تكرار الأخطاء، لا إلى مادة لاستدعاء الخصومات وتغذية الانقسامات، فالتنافس بين القوى الإقليمية لا ينبغي أن يتحول إلى سباق مفتوح لاستنزاف الموارد وإضعاف الدول، كما أن اختلاف الرؤى والمصالح لا يبرر إغلاق أبواب الحوار أو التعامل مع الخلاف باعتباره صراعًا صفريًا لا يترك مجالًا للتفاهم.
إن الدول الواثقة من مكانتها هي الأقدر على الجمع بين حماية مصالحها والدخول في مسارات سياسية مسؤولة، وهي التي تدرك أن التسويات لا تعني التنازل عن الثوابت، وأن الحوار ليس بديلًا عن القوة، بل وسيلة لتوظيفها في خدمة الاستقرار، ومنع تحول الأزمات المحدودة إلى مواجهات إقليمية واسعة.
أما الفرصة التي يتيحها الحوار مع طهران، فهي أن تتقدم المنطقة خطوة نحو معادلة أكثر توازنًا، تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ومعالجة مصادر التوتر بشفافية ومسؤولية، وبناء تفاهمات قابلة للاستمرار لا تتوقف عند حدود التصريحات أو المجاملات الدبلوماسية، فنجاح الحوار لا يُقاس بمجرد انعقاد اللقاءات أو صدور البيانات، وإنما بقدرته على إحداث تغيير ملموس في سلوك الأطراف، وتخفيف بؤر التوتر، وتعزيز الثقة، وفتح المجال أمام تعاون يخدم مصالح الشعوب، كما أن أي تقارب إقليمي جاد يحتاج إلى وضوح في الالتزامات، واحترام متبادل للمصالح المشروعة، وإدراك بأن الأمن لا يمكن أن يُبنى لطرف على حساب أمن الآخرين، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بفرض الإرادة، بل بإقامة توازن يحول دون الهيمنة ويمنع الانزلاق إلى المواجهة.
وفي هذا السياق، تظل الشراكات الدولية الراسخة عنصرًا مهمًا في حماية الأمن وتعزيز التنمية، شريطة أن تظل داعمة لاستقلال القرار الوطني، لا بديلًا عنه، فتنويع العلاقات والتحالفات لا يعني القطيعة مع الشركاء التقليديين، ولا يقوم على استبدال محور بآخر، وإنما يعكس فهمًا ناضجًا لطبيعة عالم تتغير فيه موازين القوة وتتبدل فيه الأولويات، ومن حق الدول أن توسع خياراتها، وأن تبني علاقاتها وفق مصالحها الوطنية، وأن تستفيد من شبكة أوسع من الشراكات بما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات، وفي المقابل، فإن مسؤولية القوى الكبرى تقتضي أن تدرك أن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقر طويلًا إذا جرى التعامل معها كساحة لتصفية الحسابات أو إعادة توزيع النفوذ، وأن مصالح العالم فيها تصبح أكثر رسوخًا حين تقوم على الاستقرار والتنمية واحترام سيادة الدول، لا على إدارة الأزمات وإدامة التوترات.
إن المطلوب اليوم ليس انتصار إيران على العرب، ولا انتصار العرب على إيران، وليس إخضاع دول المنطقة لمعادلات تفرضها القوى الكبرى، بل تأسيس بيئة إقليمية أكثر عقلانية، تتنافس فيها الدول على التنمية والازدهار، وتتعاون حين تلتقي مصالحها، وتدير خلافاتها عبر قنوات سياسية واضحة، وتحتفظ في الوقت ذاته بحقها الكامل في حماية أمنها ومصالحها، فالتاريخ لا يمنح دروسه لمن يكتفي باستحضار الوقائع، وإنما لمن يمتلك الشجاعة لمراجعة الحسابات واستخلاص العبر، ولمن يدرك أن كلفة الوقاية من الحرب، مهما بلغت تظل أقل من كلفة إعادة بناء ما تدمره، وأن حماية الدولة ومؤسساتها ووحدة مجتمعاتها هي خط الدفاع الأول عن مستقبلها.
وعليه، فإن الفرصة التي تلوح أمام المنطقة ينبغي ألا تضيع بين الشكوك المتبادلة وحسابات النفوذ الضيقة، بل يجب أن تتحول إلى مسار عملي يعيد الاعتبار للدبلوماسية، ويعزز قواعد حسن الجوار، ويضع حدًا لتوظيف الانقسامات في صراعات الآخرين، ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون الاقتصادي والأمني، فالمطلوب ليس سلامًا هشًا يخفي أسباب الانفجار، ولا تفاهمات مؤقتة تذوب عند أول اختبار، بل نظام إقليمي قادر على استيعاب الخلافات من دون أن يسمح لها بتدمير المشتركات، وعلى حماية السيادة من دون عزل الدول عن محيطها، وعلى بناء علاقات دولية متوازنة تحفظ المصالح من دون ارتهان، فمستقبل المنطقة لن تصنعه موازين القوة وحدها، بل تصنعه أيضًا حكمة القرار، ووضوح الرؤية، والقدرة على تحويل التنافس إلى فرصة للتنمية، والخلاف إلى مساحة للتفاهم، والشراكات الدولية إلى أدوات لتعزيز الاستقلال والاستقرار، وعندها فقط يمكن أن تتحول دروس الماضي من ذكريات مؤلمة إلى أساس لاستراتيجية مستقبلية أكثر حكمة، تجعل السلام خيارًا ممكنًا، والاستقرار مصلحة مشتركة، ومستقبل المنطقة قرارًا يصنعه أبناؤها بالشراكة مع العالم، لا بالارتهان إليه