«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
مع تعاقب الفصول، تستقبل سواحل جدة أسراب الطيور المهاجرة التي تعبر البحر الأحمر في رحلات تربط مناطق التكاثر في الشمال بمناطق الشتاء في إفريقيا، مستفيدة من الموقع الجغرافي للمملكة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وما يوفره الساحل من شواطئ ومسطحات طينية ومناطق رطبة تساعد الطيور على التغذية والراحة خلال رحلاتها الطويلة.
تبرز أهمية هذه الحركة الموسمية خلال الربيع والخريف، حين تتنقل أنواع عديدة بين مناطق التكاثر والشتاء، فيما تستقر أنواع أخرى على الساحل أو تزوره لفترات متفاوتة. يمنح هذا التنوع جدة مشهدًا طبيعيًا متجددًا، ويؤكد أهمية حماية البيئات الساحلية التي تعتمد عليها الطيور في دورة حياتها.
33,817 طائرًا في دراسة علمية
تقدم دراسة علمية منشورة في 15 أغسطس 2026 بدورية Estuarine, Coastal and Shelf Science، بعنوان Responses of coastal bird communities to habitat types and anthropogenic factors along the Saudi Red Sea coast، نتائج ميدانية مهمة عن الطيور الساحلية في المملكة. شمل المسح، الذي أُجري في يوليو 2024، 127 موقعًا وستة أنواع من الموائل الساحلية، وسجّل الباحثون 33,817 طائرًا من 58 نوعًا. وأظهرت النتائج اختلاف توزيع الطيور وأعدادها بحسب طبيعة الموائل؛ إذ ارتبطت الطيور الشاطئية بالمسطحات الطينية والشواطئ الرملية والطينية ومناطق المانجروف، فيما سجلت الجزر أعدادًا أكبر من الطيور البحرية مقارنة بموائل أخرى.
شكلت الخرشنة بيضاء الخد والخرشنة صغيرة العرف والنورس الأسخم قرابة 80 % من إجمالي الطيور المرصودة. كما حددت الدراسة مواقع ذات أهمية للطيور الساحلية والبحرية، ونبهت إلى تأثير العوامل البشرية في توزيعها، مؤكدة ضرورة حماية الموائل المهمة والحد من الاضطرابات المحيطة بها.
وتخص هذه الأرقام المواقع التي شملها المسح على امتداد الساحل السعودي للبحر الأحمر، ولا تمثل تعدادًا خاصًا بمدينة جدة أو إحصاءً سنويًا شاملًا؛ لكنها تقدم مؤشرًا علميًا على ثراء البيئة الساحلية وأهمية تنوع موائلها.
الغذاء والمانجروف.. مقومات البقاء
تجد الطيور الساحلية في المياه الضحلة والمسطحات الطينية مصادر متنوعة للغذاء، تشمل الأسماك الصغيرة والقشريات واللافقاريات. وتختلف طرق التغذية باختلاف الأنواع؛ فالخرشنات تلتقط الأسماك من المياه، بينما تبحث الطيور الخواضة عن الكائنات الصغيرة في الطين والمياه الضحلة، وتستفيد البلشونات ومالك الحزين من المناطق التي تتيح لها اصطياد فرائسها.
وتؤدي أشجار المانجروف، المعروفة محليًا بالقرم أو الشورى، دورًا بيئيًا مهمًا؛ إذ توفر جذورها موائل للكائنات البحرية الصغيرة، وتدعم السلسلة الغذائية، وتسهم في تثبيت الرواسب والحد من تآكل الشواطئ. وتزداد قيمة هذه البيئات عندما تتصل بالشواطئ والجزر والمسطحات الضحلة، بما يوفر للطيور مواقع متكاملة للتغذية والراحة.
وفي دراسة محلية نُشرت عام 2012، رصد الباحث عبدالله ج. الغامدي، من جامعة الملك عبدالعزيز، تجمعات الطيور في موائل مائية شرقي جدة، اعتمادًا على بيانات ميدانية جُمعت عام 2003. وسجلت الدراسة 63 نوعًا في الخريف و62 نوعًا في الربيع، بما يعكس التغير الموسمي في وجود الطيور. غير أن قدم بياناتها ومحدودية المواقع التي شملتها يجعلانها مرجعًا تاريخيًا، لا وصفًا دقيقًا للوضع الراهن على كامل ساحل جدة.
حماية الموائل تفتح آفاق السياحة البيئية
تواجه البيئات الساحلية تحديات محتملة، من بينها التوسع العمراني والتلوث والاضطرابات البشرية، وهي عوامل قد تقلل فرص الطيور في التغذية والراحة والتكاثر. وتؤكد النتائج العلمية أهمية متابعة هذه التغيرات، وتحديث بيانات الرصد، وتحديد المواقع التي تستحق أولوية الحماية.
في المقابل، تتيح مواسم الهجرة فرصة لتطوير أنشطة السياحة البيئية في جدة، مثل مراقبة الطيور والتصوير الطبيعي والجولات التثقيفية، شريطة تنظيمها بما يحمي الموائل ويجنب الطيور الإزعاج، خصوصًا في مناطق التعشيش والتجمعات الموسمية.
وتنسجم هذه الجهود مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في صون الموارد الطبيعية وتعزيز الاستدامة. فحماية الطيور لا تنفصل عن حماية الشواطئ والجزر والمناطق الرطبة التي تعتمد عليها؛ كما أن الرصد العلمي المنتظم يمكن أن يساعد على معرفة الأنواع التي تزور جدة، ومواعيد وصولها، وأعدادها، ومدى تأثرها بالتغيرات البيئية.
تؤكد هذه المعطيات أن سواحل جدة ليست مجرد واجهة بحرية للمدينة، بل جزء من منظومة بيئية تتجاوز حدودها الجغرافية، وتربط بين مسارات الهجرة عبر القارات. والحفاظ على هذه الثروة يبدأ بصون موائلها، وتعزيز المعرفة العلمية بها، وإتاحة المجال أمام الجمهور لاكتشافها ضمن سياحة مسؤولة تحترم الطبيعة.