تُقاس السياسات الاقتصادية بقدرتها على الموازنة بين حاجات المجتمع الآنية ومتطلبات نموه البعيد. وفي حزمة الإجراءات الداعمة للمواطنين، التي واكبت تعديل تعريفتي الكهرباء والمياه، ما يستحق القراءة بوصفه أدواتٍ متكاملة الأهداف وإن اختلفت وسائلها.
فالدعم النقدي يعالج الأثر المباشر على الدخل المتاح، وهو أشد أهمية للأسر محدودة الدخل التي تستحوذ الاحتياجات الأساسية على نصيب أكبر من ميزانيتها. وميزته أنه يترك للأسرة حرية الإنفاق وفق حاجتها الفعلية، دون افتراض نمط استهلاك واحد للجميع. أما التسعير الأوضح لكلفة الاستهلاك فيحفِّز على الترشيد والبحث عن الحلول الأكثر كفاءة، فتعمل الأداتان جنبًا إلى جنب: إحداهما تخفف العبء، والأخرى تُحسن استخدام الموارد. أما تعديل الأجر المعتمد لاحتساب العامل السعودي كاملًا في «نطاقات» فهو الأبعد أثرًا في سوق العمل. وهو لا يفرض زيادة تلقائية على الرواتب القائمة، بل يربط الاحتساب الكامل بمستوى أجر يرتفع إلى 5,000 ريال في أبريل 2027 ثم 6,000 ريال في أبريل 2028. وهذا الفارق جوهري؛ فالمنشآت تستجيب للحوافز، وحين يرتبط وزن الاحتساب الكامل بأجر أعلى تصبح العروض الوظيفية عند هذا المستوى خيارًا أجذب لمن يسعى إلى مستهدفات التوطين.
وتتجلى الفرصة الأكبر في أن تنتقل المنافسة من استيفاء النسب إلى بناء وظائف أفضل: تدريب أعمق، وبيئة عمل أجود، وتطوير للمهارات ينعكس إنتاجية أعلى، فالإنتاجية هي الأساس الذي تقوم عليه الأجور المستدامة. ويمنح التطبيق على مرحلتين المنشآت، على اختلاف أحجامها وقدراتها، وقتًا كافيًا لمراجعة سياسات التوظيف والأجور، ويتيح رصد استجابة السوق.
ولا ضمان لتساوي النتائج بين الفئات والقطاعات، فأثر السياسات يحتاج إلى وقت. لذا ينبغي قياسه بمؤشرات ملموسة: الأجور الفعلية، وجودة الوظائف الجديدة، ومعدلات الاستمرار الوظيفي، وكفاءة الاستهلاك، ومدى تخفيف الأعباء عن الأسر. وكلما تحولت الحوافز إلى نتائج تُرى في الدخل الحقيقي وجودة الوظائف، صار أثرها أعمق وأطول عمرًا.
** **
- د. بندر الجعيد