ليست الإدارة أن تمتلك صلاحية إصدار التوجيهات وتوزيع المهام ومحاسبة المقصرين، فهذه أمور يستطيع ممارستها كل من جلس على كرسي المسؤولية ومنحته الأنظمة حق الإشراف والمتابعة، ولكن الإدارة الحقيقية تظهر في الطريقة التي تخاطب بها موظفيك وفي قدرتك على جعلهم يؤدون أعمالهم بمحبة وقناعة وشعور بالمسؤولية، فكم من مدير استطاع بكلمة طيبة أن يفتح أبواب الإبداع أمام موظفيه وكم من مدير أغلق تلك الأبواب بلغة متعالية جعلت الموظف يؤدي واجبه خوفًا من المساءلة لا رغبة في الإنجاز.
من المؤسف أن بعض المديرين لا يزالون يتعاملون مع مجموعات العمل عبر تطبيقات التواصل وكأنها ساحات لإصدار الأوامر وإظهار السلطة الإدارية، فتأتي الرسائل محملة بعبارات الإلزام والاستعجال والمطالبة بالتبرير ورفع الإفادات دون مراعاة للأثر النفسي الذي تتركه هذه اللغة في نفوس الزملاء، مع أن المهمة نفسها يمكن إنجازها برسالة تحمل الاحترام والتقدير وتوضح المطلوب وموعد تنفيذه وتفتح المجال أمام من تواجهه صعوبة في الإنجاز، فالفرق بين المديرين قد لا يكون في القرارات التي يصدرونها وإنما في اللغة التي يقدمون بها تلك القرارات للآخرين.
ولعل ما يستحق التأمل أن بعض المسؤولين يعتقد أن شدة اللهجة دليل على قوة الشخصية وأن كثرة الأوامر تعكس الجدية والانضباط، مع أن الموظف الواعي لا يحتاج إلى لغة تشعره بأنه متهم بالتقصير قبل أن يبدأ عمله ولا إلى تذكير متكرر بالمساءلة حتى يؤدي واجباته، فالموظفون شركاء في تحقيق الأهداف وليسوا مجرد أسماء في مجموعة إلكترونية تنتظر التعليمات، ومن حقهم أن يجدوا في خطاب مديرهم ما يحفظ مكانتهم المهنية ويقدر خبراتهم ويحترم إنسانيتهم.
وليس الاعتراض على المتابعة أو طلب الإفادات أو الالتزام بالمواعيد المحددة، فهذه من مقتضيات العمل الإداري ولا تستقيم المؤسسات من دونها، وإنما الاعتراض على الطريقة التي تتحول بها المتابعة إلى ضغط نفسي ويتحول التوجيه إلى خطاب يحمل إيحاءات الاستعلاء ويتحول طلب الإنجاز إلى مناسبة لإظهار الصلاحيات، فليس كل توجيه حازم توجيهًا ناجحًا وليس كل خطاب شديد قادرًا على صناعة الانضباط، وقد ينجز الموظف المطلوب كاملًا ولكنه يفقد في المقابل شيئًا من حماسه وانتمائه وثقته في بيئة العمل.
وإذا كانت رؤية المملكة 2030 قد جعلت تنمية القدرات البشرية ورفع كفاءة الأداء وتعزيز ثقافة العمل من مرتكزات التحول الوطني، فإن تطوير لغة القيادة الإدارية يستحق أن يكون جزءًا أصيلًا من هذا التحول، لأننا لا نستطيع بناء بيئة عمل محفزة بأدوات إدارية حديثة وعقليات تواصل لا تزال تعتقد أن الاحترام يقلل من هيبة المسؤول وأن المشاركة تضعف سلطته، فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى قيادات تفهم الإنسان قبل أن تطالبه بالإنجاز وتدرك أن جودة العلاقة المهنية تؤثر في جودة المخرجات.
وأتساءل عن عدد الدورات التي تقدم للقيادات الإدارية في مهارات الاتصال الإنساني وإدارة الحوار وصياغة التوجيهات، وعن مقدار الاهتمام بتحليل لغة المدير قبل تقييم قدرته على القيادة، فقد نجد مديرًا متميزًا في إعداد التقارير وتنظيم الاجتماعات ومتابعة المؤشرات ولكنه ضعيف في مخاطبة زملائه واستيعاب ظروفهم وتحفيزهم، وهذه فجوة إدارية لا تعالجها كثرة التعاميم ولا الاجتماعات الطويلة وإنما تعالجها ثقافة قيادية تعترف بأن الكلمة جزء من كفاءة المسؤول.
إن المدير الذي يكتب لزملائه بعبارات التقدير والاحترام لا يتنازل عن صلاحياته ولا يفقد شيئًا من مكانته، وإنما يكسب ما هو أثمن من السلطة الإدارية وهو ثقة الموظفين واستعدادهم للعمل معه وتجاوز الصعوبات من أجل نجاح المؤسسة، فالموظف قد يلتزم بالتعليمات لأن النظام يلزمه بذلك ولكنه لن يمنح مديره إخلاصه وحماسه ومبادراته لمجرد أنه صاحب قرار.
يبقى القول إن المدير قد يستطيع أن يفرض على الموظف إنجاز المهمة بحكم سلطته، ولكنه لا يستطيع أن يفرض عليه محبة العملاء واحترام قيادته، فاللغة التي تخرج من هاتف المدير قد تستغرق ثواني لكتابتها ولكن أثرها في نفوس الموظفين قد يستمر سنوات، ومن هذا المنطلق فإن أول ما يحتاج إلى التطوير في بعض بيئات العمل ليس الأنظمة ولا المنصات الإلكترونية وإنما لغة المسؤول الذي يدير الإنسان قبل أن يدير المهمة.
** **
- عبدالله بن مطر المقاحطة