د. عبدالمحسن الرحيمي
في الرابع عشر من أكتوبر 2026، أعلنت شركة داناهر تعاونًا مع شركة إنفيديا لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتسارعة مع الأجهزة العلمية والتشغيل الآلي وبيانات المختبر. والغاية بناء دورة تعلم متصلة: تغذي التجارب النماذج بالنتائج، وتساعد النماذج في تصميم تجارب أفضل. إنه اتجاه لتقليص المسافة بين التنبؤ الحاسوبي والدليل التجريبي، ما تزال قدراته وتطبيقاته قيد التطوير.
تمس هذه الخطوة العلاقة التي تأسس عليها المختبر الحديث: إنسان يسأل، وأداة تقيس، وعقل يفسر. فالأداة تقترب من المشاركة في اقتراح الخطوة التالية، ويتجه البحث نحو منظومة تصل الفرضية بالتنفيذ، ثم تستخدم النتيجة لتوجيه تجربة جديدة. ومع هذا الانتقال، يصبح مصدر السؤال واختيار المسار العلمي قضيتين تتصلان بمستقبل المعرفة وسلطة إنتاجها.
يمكن تسمية هذه المنظومة «العالِم الروبوتي»، بوصفه تعبيرًا عن اتجاه تقني، دون افتراض امتلاك الآلة وعيًا أو استقلالًا علميًا مكتملًا. وقد يتوزع بين أجهزة قياس وأذرع آلية وبرامج ونماذج تعمل في مواقع متعددة، تجمعها القدرة على إنجاز أعمال مترابطة كانت تحتاج إلى تدخل بشري في كل مرحلة.
اقتصاديًا، قد يتيح هذا التحول تحسين جدولة التجارب، وتقليل استهلاك المواد، ورفع كفاءة الأجهزة، واستبعاد المسارات الضعيفة مبكرًا. وقد تتحرر أوقات الباحثين من إجراءات متكررة، فتتجه إلى التفسير والتطوير. لكن تقدير الوفر يتطلب احتساب تكلفة المنظومة كاملة؛ فانخفاض تكلفة التجربة لا يضمن انخفاض تكلفة الاكتشاف إذا أنتجت تجارب كثيرة محدودة القيمة.
وهنا تبرز مفارقة: القدرة على الإنتاج الواسع قد تجعل حسن الاختيار أكثر ندرة وقيمة. فعندما تتسع الاحتمالات القابلة للاختبار، تصبح الأولوية العلمية أشد تأثيرًا في توزيع الموارد. أيُّ مرض نبحث فيه؟ وأيُّ مشكلة تستحق التمويل؟ ومَن تمثلهم بياناتنا؟ إنها اختيارات تصوغ اتجاه العلم، وتتداخل فيها الحاجة الاجتماعية والجدوى الاقتصادية والعدالة.
ولا يقتصر الأمر على المختبر. فقد توقّع إيلون ماسك في سبتمبر 2026 وجود أكثر من مليار روبوت شبيه بالإنسان خلال عشر سنوات، وهو تقدير طموح، لكنه يلفت إلى جيل قد يتعلم مع مساعد ذكي، ويتدرب داخل المحاكاة، ويعمل إلى جوار آلات تتكيف مع مهامها. وفي هذه البيئة، تؤثر المنظومات في فهم الخيارات؛ فالجهة التي ترتب البدائل تسهم في تحديد ما نراه ممكنًا، وما نؤجله، وما قد لا نفكر فيه أصلًا. ولهذا تصبح صياغة السؤال وفحص الإجابة من مقومات الاستقلال الفكري.
وقد تتعمق العلاقة عبر نماذج رقمية تحاكي المصانع والمختبرات وبعض وظائف الجسم، فتُختبر داخلها قرارات قبل تنفيذها. ومع اعتماد المؤسسات عليها، قد يتحول العالم الافتراضي إلى طبقة توجه الحياة اليومية. غير أن كل نموذج ينتقي من الواقع ما يستطيع تمثيله. والخشية أن تمنحه سهولة الاستخدام سلطة تجعل القرار مقبولًا لأنه اجتاز المحاكاة، مع أنها قد تكون أغفلت عاملًا حاسمًا.
وفي السادس والعشرين من الشهر نفسه، أعلن معهد برود انتقال تقنية طوّرها باحثوه إلى جيل جديد من اختبار دم تجاري أطلقته شركة أبوت للاستخدام السريري، لرصد آثار ضئيلة من الحمض النووي الورمي، بما يساعد في الكشف عن بقايا المرض وتقدير احتمال عودته بعد العلاج. وجاء ذلك بعد سنوات من التعاون بين باحثين ومستشفيات وشريك تجاري.
هذا مسار مستقل عن مشروع داناهر وإنفيديا، لكنه يوضح الغاية التي تمنح كفاءة المختبر قيمتها: وصول المعرفة إلى منفعة ملموسة. وتكشف الرحلة أهمية وصل البحث بالتطوير والإنتاج، وتطرح سؤال توزيع العائد؛ فقد تنخفض تكلفة تطوير تقنية صحية دون أن ينخفض سعرها، فتتحدد منفعتها أيضًا بسياسات الإتاحة والمنافسة والتغطية الصحية.
في المملكة العربية السعودية، يلتقي هذا التحول مع رؤية 2030 لبناء اقتصاد تتسع فيه مساهمة المعرفة. ويظهر الاستثمار في قدرات الذكاء الاصطناعي في إطلاق شركة «هيوماين» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، لتطوير مراكز البيانات والحوسبة السحابية والنماذج والتطبيقات، إلى جانب شراكات دولية، منها الشراكة مع إنفيديا؛ بما يهيئ أساسًا لتوسيع البحث واحتضان الابتكار.
وقد رسم سمو ولي العهد اتجاه هذا المسار حين أعلن عام 2022 التطلعات والأولويات الوطنية للبحث والتطوير والابتكار للعقدين المقبلين: صحة الإنسان، واستدامة البيئة والاحتياجات الأساسية، والريادة في الطاقة والصناعة، واقتصاديات المستقبل، مع استهداف وصول الإنفاق السنوي على القطاع إلى 2.5 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2040.
وأرى أن التحدي التالي هو تحويل هذه القدرات إلى فرص للمبتكر: موارد حاسوبية ومختبرات متاحة، وتمويل للتجارب الأولية، ومسارات لتطوير المنتجات. وحين يستطيع الباحث السعودي تحديد المشكلة، وبناء الدليل العلمي، وتطوير الحل، والتفاوض على شراكات تنفيذه، تتجسد السيادة المعرفية في قدرة مؤسسية مستدامة. وهذا ما نسعى إليه في جمعية «بالذكاء الاصطناعي نبتكر الدواء»، بربط الباحثين بأدوات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الدواء وتطويره.
ويتجاوز هذا الطموح حدود الوطن. فخليجيًا، يقدم مشروع «ستارغيت الإمارات» للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي مثالًا على الاستثمار عبر تحالف تقني دولي. وعربيًا وإسلاميًا، توجد أطر قائمة يمكن البناء عليها، منها اتحاد التميز التابع للجنة الدائمة للتعاون العلمي والتكنولوجي بمنظمة التعاون الإسلامي، واهتمام البنك الإسلامي للتنمية بالعلوم والتقنية والابتكار. وأقترح تحالفات تبدأ بمشروعات قابلة للتقييم: اكتشاف أدوية، وتطوير أدوات تشخيص، وتحسين كفاءة المياه والإنتاج الغذائي، تتوزع أدوارها بحسب التخصص والقدرة، وتُنظم فيها حقوق البيانات والملكية الفكرية وتقاسم العوائد منذ البداية. ويمكن للمملكة أن تبادر إلى جمع هذه الإمكانات حول برامج تمنح المنطقة دورًا أوسع في توجيه الابتكار.
أما المجلات العلمية والمختبرات الجامعية، فالأرجح أن تتغير وظائفها. فقد تصبح المنشورات ملفات قابلة للتحديث ترتبط ببياناتها وبرامجها وسجل مراجعاتها، وينتقل جانب من التجارب إلى مرافق مشتركة تعمل عن بُعد. وستزداد أهمية التحكيم المستقل والخبرة التجريبية لتمييز النتائج التي تصمد أمام الفحص. وسيقتضي ذلك تطوير إعداد الباحث وتقييمه؛ فتتقدم مهارات تصميم الدراسة، وتفسير الدليل، والعمل بين التخصصات، والاعتراض المستند إلى المعرفة، وتحتاج الجامعة إلى معايير تكافئ حل المشكلات وجودة المعرفة ومشاركة البيانات، وتمنحها وزنها إلى جانب النشر.
فمَن يقود الاكتشاف إذن؟ الآلة تسرّع الطريق، لكن الإنسان هو من يختار الوجهة. وهنا تقع القيادة الواعية في قلب التحول؛ فهي تدرك أن معيار الأداء يصوغ سلوك المؤسسة، وأن استقلال الآلة في التنفيذ يستلزم وضوح المسؤولية البشرية، وتوازن بين سرعة الإنجاز وحق النتيجة في المراجعة، وبين العائد الاقتصادي والمنفعة العامة.
ولكل جامعة ومركز بحثي ومؤسسة دور في هذا الاختيار، ولكل باحث نصيب من الأمانة. فبحسن السؤال قبل سرعة الجواب، وبما ننجزه من معرفة نافعة وقدرة مستقلة، نعزز مكانة المملكة ونصون فرص أجيالها في صناعة المستقبل.