رائد عبدالله محمد الزهراني
في 30 نوفمبر 2022، ظهر أمام العالم تطبيق لم يكن كثيرون يعرفون ماذا يفعل. لم يكن هاتفًا جديدًا، ولا منصة تواصل اجتماعي، ولا محرك بحث آخر.
كان روبوت محادثة ذكيًّا.
وأغلبنا جرّبه أول مرة من باب الفضول.. سؤال، ثم سؤال آخر، ثم سؤال ثالث. وربما لم يتوقع كثيرون أن تصبح هذه الأداة خلال سنوات قليلة جزءًا من الدراسة والعمل والبرمجة، وحتى كتابة الرسائل اليومية.
فخلال شهرين فقط، وصل عدد مستخدميه إلى 100 مليون. وللمقارنة: تيك توك احتاج تسعة أشهر تقريبًا ليصل إلى هذا الرقم، وسناب شات احتاج قرابة أربع سنوات.
وفي أكتوبر 2025، تجاوز عدد مستخدميه 800 مليون شخص كل أسبوع. أي تقريبًا شخص من كل عشرة على هذا الكوكب.
والأمر لا يتوقف عند تطبيق واحد. فبحسب تقرير ستانفورد لمؤشر الذكاء الاصطناعي 2026، وصل استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى نحو 53 % من السكان خلال ثلاث سنوات فقط، وهذا أسرع من انتشار الكمبيوتر الشخصي والإنترنت في بداياتهما.
لكن وراء هذه الأرقام قصة أكبر من الذكاء الاصطناعي نفسه. إنها قصة البيانات.
أحيانًا، عندما نستخدم خدمة رقمية، لا نفكر في الرحلة التي قطعتها المعلومة قبل أن تصل إلينا. وبحكم عملي في تقنية المعلومات، أرى هذه الرحلة كل يوم من الجهة الأخرى للشاشة: خوادم وشبكات وأنظمة تعمل بصمت، حتى تصلك الإجابة في ثانية.
كل شيء نفعله اليوم تقريبًا يترك خلفه بيانات: عملية شراء، بحث في قوقل، صورة، موقع على الخريطة، دفع بالجوال.. كلها بيانات.
لكن البيانات وحدها ليست ثروة.
الثروة تبدأ عندما نفهمها، ونتأكد من دقتها، ونحللها، ثم نحوّلها إلى خدمة أفضل أو تكلفة أقل أو فرصة جديدة.
وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي. فالإنسان، مهما كان خبيرًا، لا يستطيع أن يقرأ ملايين السجلات في لحظة. أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع أن يحللها وهي تتدفق، ويلتقط منها ما يهم، ويخرج باستنتاج خلال ثوانٍ.
فبدل أن ننتظر تقريرًا في آخر الشهر لنعرف ماذا حدث، أصبحنا نعرف ماذا يحدث الآن.. وأحيانًا ماذا سيحدث بعد قليل.
قد يملك بنك ملايين السجلات عن عملائه، لكنه إن لم يعرف كيف يستفيد منها، فهو مثل من يملك مالًا ولا يعرف كيف يستثمره.
ومن هنا لم تعد البيانات والذكاء الاصطناعي موضوعًا يخص أقسام تقنية المعلومات فقط، بل أصبحا في قلب أي شركة تريد أن تنافس.
وهذا العام تحديدًا يحمل اسمًا خاصًا عندنا. في مارس 2026، وافق مجلس الوزراء على تسمية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي».
وهذه التسمية ليست مجرد عنوان لعام. إنها رسالة بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفًا تقنيًا داخل الجهات، بل أولوية تهم الطالب والموظف وصاحب المشروع.
ونحن نعيش الأشهر الأخيرة من هذا العام، لا يشغلني كثيرًا ماذا فعلنا خلاله، بقدر ما يشغلني: ماذا سيبقى بعده؟ مهارات تعلمناها، ومشاريع بدأت، وبيانات أصبحت أكثر تنظيمًا. فالعام ينتهي.. لكن الأثر هو ما يصنع الثروة.
وتطمح الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي إلى أن تكون المملكة ضمن أفضل 15 دولة في العالم في الذكاء الاصطناعي، مع جذب استثمارات تقارب 75 مليار ريال.
وانطلاقًا من هذا الطموح، أُطلقت شركة هيوماين، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة.
هيوماين ليست شركة تقنية عادية. فهي تبني مراكز بيانات ضخمة، وتطور الحوسبة السحابية، وتعمل على نموذج لغوي عربي، ولها شراكات مع شركات عالمية كبرى. وحين أرى هذا المشروع يكبر، أشعر بفخر حقيقي. فخر بأن بلدنا لا يكتفي بمواكبة هذه الثورة، بل يريد أن يكون رائدًا في صناعتها.
وما أتطلع إليه شخصيًا هو أن تتجاوز آثار هذه الجهود بناء التقنيات، لتشمل ابتكارات متقدمة، وفرصًا جديدة لشبابنا، ومعرفة تُبنى وتبقى في وطننا، وحلولًا سعودية قادرة على المنافسة عالميًا.
على أن البنية التحتية وحدها لا تكفي. فالمنافسة اليوم لم تعد على من يملك أذكى نموذج، بل على من يملك البيانات الموثوقة، والبنية التحتية، والعقول القادرة على تحويل كل ذلك إلى قيمة.
ولنأخذ القطاع المصرفي مثالًا فكل عملية مالية ينفذها عملاؤه تترك خلفها بيانات، وهذه البيانات ليست مجرد سجلات محفوظة، بل يمكن للذكاء الاصطناعي تحليلها واكتشاف أنماط الاحتيال، والتنبؤ بالمخاطر المالية، وفهم احتياجات العملاء، والمساعدة في اتخاذ قرارات ائتمانية أسرع وأكثر دقة.
وهنا لا تعود البيانات مجرد أرقام مخزنة، بل تتحول إلى قيمة يستفيد منها البنك وعملاؤه.
وهذا هو الفرق بين امتلاك التقنية والاستفادة منها. أحيانًا يبدأ المشروع بجملة بسيطة: «نريد أن نستخدم الذكاء الاصطناعي»، ثم تظهر الأسئلة الحقيقية: أين البيانات؟ هل هي دقيقة ومكتملة؟ هل الأنظمة تتحدث مع بعضها؟ وغالبًا تكون هذه الأسئلة أصعب من اختيار التقنية نفسها.
فقد تملك شركة أحدث الأنظمة، ولا تجني منها شيئًا إن كانت بياناتها مبعثرة أو غير دقيقة، أو كانت حلولها لا تعالج مشكلة حقيقية. فالبيانات حينها مجرد أرقام كثيرة.. لا تعرف ماذا تقول.
وكلما استخدمت أداة ذكاء اصطناعي اليوم، أتذكر أن ما أراه على الشاشة ليس إلا الجزء الأخير من القصة.
فالذكاء الاصطناعي قد يكون بداية الثورة، لكن الثروة الحقيقية تبدأ من بيانات نعرف كيف نفهمها ونستثمرها.