د. سجى عارف
لم تكشف هجمات ميليشيا الحوثي الإرهابية جاهزية المملكة العربية السعودية فحسب بل جاهزية مجتمع تربى على أن أمن الوطن ليس مسؤولية المؤسسات وحدها بل مسؤولية شعب بأكمله.
فلم تدخل المملكة أي مواجهة تمس أمنها واستقرارها إلا وهي تدرك حجم مسؤولياتها وتبعات قراراتها ولم تكن الاعتداءات التي نفذتها الميليشيا ضد المدن والمنشآت مجرد تحدٍ أمني عابر بل اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على الصمود، وقد أثبتت المرحلة كفاءة منظومة الردع وجاهزية قدرتها على حماية الأمن واستمرار التنمية رغم التهديدات، فهي لم تتعامل بمنطق رد الفعل بل بمنطق الدولة التي تبني قدراتها وتُعزز جاهزيتها وتستشرف المخاطر قبل وقوعها.
هذه المواجهة كشفت حقيقة راسخة في الوجدان السعودي وهي أن الانتماء للوطن ليس شعارًا يردد في المناسبات بل قيمة متجذرة في نفوس أبنائه فالمواطن السعودي نشأ على تقدير معاني الشجاعة والتضحية والوفاء واستلهم من تاريخ وطنه ومن سيرة الآباء والأجداد نماذج الصبر والثبات والدفاع عن المبادئ والحقوق، وعندما تتعرض الأوطان للتحديات تظهر المعادن الحقيقية للشعوب ويثبت المواطن انتماءه بالوعي والمسؤولية والالتزام قبل أي شيء آخر.
وقد يكون الدرس الأهم من مواجهة الحوثي أن الحروب المستقبلية لن تُحسم بالسلاح وحده بل بقدرة الدول على بناء مواطن واعٍ رقميًا ومهاريًا قادر على خدمة وطنه في الميدان أو المستشفى أو في مراكز الأمن السيبراني أو في غرف الأخبار، فقد لا يُطلب من المواطن حمل السلاح بقدر ما يُطلب منه توظيف مهاراته في خدمة وطنه في مجاله وتخصصه، ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ ثقافة الخدمة الوطنية بمفهومها الواسع بوصفها منظومة تعزز المسؤولية والانتماء والجاهزية المجتمعية وتهيئ الأجيال للمشاركة في حماية الوطن كلٌ في موقعه.
وأثبتت الأحداث كذلك أن وحدة الوطن تظل فوق كل الانتماءات الأخرى ففي لحظات التحدي تختفي الفوارق المناطقية والقبلية والاعتبارات الشخصية ويبقى اسم المملكة هو الهوية الجامعة التي يلتف الجميع حولها ويضحى بنفسه من أجلها، فالوطن لا تحميه العصبيات وإنما يحميه مواطنون يضعون مصلحة بلادهم فوق كل اعتبار ويؤمنون بوحدة الصف خلف القيادة ومؤسسات الدولة.
وأثبتت سنوات المواجهة أن الرهان على ضعف إرادة المواطن السعودي كان رهانًا خاسرًا، فمحاولات تصوير المجتمع السعودي بوصفه مجتمع رفاهية لا يعرف التضحيات تجاهلت ما ترسخ في وجدان أبنائه من قيم الشجاعة والنجدة والدفاع عن العقيدة والوطن والقيادة، وأدرك السعوديون أكثر من أي وقت مضى أن المحافظة على الأمن والاستقرار والتنمية مسؤولية وطنية تستحق البذل والعطاء.
وإذا كانت الدولة قد أوكلت مهمة الدفاع العسكري المباشر إلى مؤسساتها وقواتها المسلحة المؤهلة والمدربة فإن مشاعر الجاهزية والاستعداد لخدمة الوطن متى استدعت الحاجة ومتى طلبت الدولة ذلك تظل حاضرة في وجدان كثير من أبناء هذا الوطن الذي يرون في الدفاع عن بلادهم شرفًا وواجبًا قبل أن يكون مسؤولية.
وكشفت هذه المرحلة حقيقة مهمة غابت طويلًا عن كثير من المجتمعات المعاصرة وهي أن المواطن ليس مستهلكًا للأمن بل شريكًا في صناعته، فالدول التي تنجح في مواجهة التحديات الكبرى ليست تلك التي تمتلك أقوى الجيوش بل التي تنجح في بناء إنسان يُدرك أن حماية الوطن تبدأ من الوعي والانضباط والالتزام والعمل والإنتاج وأن الجاهزية الوطنية ليست مهمة مؤقتة تفرضها الأزمات بل ثقافة مستدامة تصنع قوة الدولة وقدرتها على الصمود جيلًا بعد جيل.
فالمملكة لم تكن تدافع عن حدودها فحسب بل كانت تدافع عن مشروع دولة ومستقبل أمة ومسيرة تنمية اختارها أبناؤه بإرادتهم والتفوا حولها بقيادتهم، وبقدر ما أثبتت القوات المسلحة جاهزيتها العالية أثبت المجتمع السعودي أن قوة الوطن ليست فيما يملكه من سلاح فقط بل فيما يملكه من رجال ونساء يدركون أن الانتماء مسؤولية وأن الأوطان تبقى قوية ما بقي أبناؤها على أهبة الاستعداد لخدمتها وحمايتها.