أحمد الأسمري
تلقى اليمين الشعبوي ضربتين انتخابيتين خلال أيام قليلة. ففي صربيا، فقد معسكر ألكسندر فوتشيتش أغلبيته البرلمانية، وفق النتائج الأولية، أمام حركة قادها طلاب الجامعات، وفي البرازيل أخفق فلافيو بولسونارو في استعادة الرئاسة لتيار والده، إثر خسارته أمام الرئيس اليساري لولا دا سيلفا.
وجاءت النتيجتان على وقع انتكاسات شهدتها قوى يمينية وشعبوية في بلدان أخرى، في مشهد يثير التساؤلات حول مستقبل تيارات صعدت بقوة خلال العقد الماضي، وبدا بعض قادتها عصياً على الهزيمة.
في صربيا، بدأت الحكاية بكارثة انهيار مظلة محطة قطارات عام 2024، وما أعقبها من احتجاجات طلابية واسعة تطالب بالمحاسبة ومكافحة الفساد.
وتحولت الحركة تدريجياً إلى قوة سياسية استطاعت استقطاب شرائح اجتماعية ومهنية، قبل أن تحقق انتصاراً انتخابياً أنهى سنوات من هيمنة حلفاء فوتشيتش على البرلمان.
والمثير أن الحركة لم تعتمد على زعيم جماهيري واحد أو خطاب أيديولوجي صاخب، وإنما جعلت استقلال القضاء وحرية الإعلام ومحاسبة الفساد قضايا تتجاوز الانقسامات الحزبية، ونجحت في تحويل الاحتجاج الشعبي إلى أغلبية انتخابية.
أما البرازيل، فقد شهدت مواجهة بين لولا دا سيلفا وفلافيو بولسونارو، وريث الحركة اليمينية التي أسسها والده جايير.
ورغم تقدم بولسونارو في الجولة الأولى، استطاع لولا قلب النتيجة في الإعادة، ليحصل على ولاية رئاسية جديدة، فيما رفض منافسه الاعتراف بالهزيمة، وأثار مزاعم عن مخالفات انتخابية دون تقديم أدلة، وفرّ إلى أمريكا حيث حليفه دونالد ترامب.
وتستحضر هذه التطورات هزيمة فيكتور أوربان في المجر خلال أبريل الماضي، بعد 16 عاماً من الحكم، أمام حزب «تيسا» بقيادة بيتر ماغيار.
وفي رومانيا خسر مرشح اليمين القومي جورج سيميون الانتخابات الرئاسية عام 2025، فيما تلقت حكومة جورجيا ميلوني في إيطاليا ضربة برفض الناخبين إصلاحاتها القضائية.
وتراجع حزب «ديمقراطيو السويد» في الانتخابات البرلمانية، كما فقد حزب الحرية بزعامة خيرت فيلدرز موقعه المتصدر في هولندا.
ولم تقف آثار هذه الانتكاسات عند الداخل السياسي لتلك البلدان، لتطال شبكة التحالفات الدولية التي نسجتها حكومة بنيامين نتنياهو مع رموز اليمين الشعبوي، وفي مقدمتهم أوربان وبولسونارو وفيلدرز، الذين مثّلوا سنداً مهماً للمواقف الإسرائيلية خلال السنوات الماضية.
أما نتنياهو نفسه فلم يكن بعيداً عن هذه الرياح؛ إذ خرج معسكره من انتخابات الكنيست الأخيرة بـ53 مقعداً، دون الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، فيما عززت الأحزاب العربية حضورها بحصولها على 19 مقعداً، ما زاد تعقيد حساباته السياسية.
فهل بدأ المزاج الانتخابي العالمي ينقلب على الشعبوية؟
ثمة مؤشرات على ذلك، لكن الصورة أكثر تعقيداً. فاليمين لا يزال يحتفظ بقواعد شعبية واسعة، وقد يخسر زعيمه الانتخابات دون أن تتداعى الأفكار التي يمثلها.
ففي البرازيل، حصل بولسونارو على أكثر من 48% من الأصوات، وهو ما يصعب معه الحديث عن انهيار تياره السياسي. وحتى في المجر، جاء البديل المنتصر من يمين الوسط، لا من اليسار.
لكن النتائج المتلاحقة تكشف أن الخطاب الشعبوي، مهما بلغت قدرته على التعبئة، لا يوفر حصانة دائمة أمام الناخبين، خصوصاً إذا تراكمت الأزمات الاقتصادية، وتراجعت الثقة بالمؤسسات، وتبين أن الوعود الكبرى مجرد سراب.
يُضاف إلى ذلك تأثير الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل المنافسة السياسية، بعدما استطاعت قوى معارضة وحركات شبابية توظيف المنصات ذاتها التي استفادت منها الشعبوية في صعودها، للوصول إلى الناخبين وتوسيع المشاركة وتقديم بدائل سياسية وتنظيمية مختلفة.
ولا تبدو الولايات المتحدة بعيدة عن هذه الاختبارات؛ إذ تمثل الانتخابات النصفية للكونغرس صداعاً جديداً لإدارة ترامب، الغارق في معضلات إيران والطاقة وارتباك القرار والاستقطاب الداخلي الحاد، وستنعكس نتائجها على قدرته على تنفيذ أجندته خلال ما تبقى من ولايته.
ولعل الدرس الأهم من هذه التجارب أن صعود الشعبوية ليس قدراً سياسياً دائماً، مثلما أن تراجعها لا يعني اختفاءها. فالناخب الذي يمنح ثقته لقائد مؤثر يستطيع استعادتها منه، وقد تكون قوة الخطاب الذي حمل ذلك القائد إلى السلطة هي ذاتها مصدر ضعفه، إذا عجز عن ترجمة أقواله إلى نتائج يلمسها الناس.