نجلاء العتيبي
عند الساعة الواحدة وثمانٍ وخمسين دقيقةً انطلق التحذير على هواتفنا من هجوم مُعادٍ، قرأنا الرسالة، وانتبهنا إلى التعليمات، وترقَّبنا ما سيأتي بعدها، وعند الثانية وست دقائق أُعلن زوال الخطر، فحمدنا الله وعُدنا إلى النوم، ثماني دقائق فقط عبرت فيها رسالة التحذير إلى البيوت، وتبعتها رسالةٌ أخرى تحمل الاطمئنان، وبينهما عملت جهات مختصَّة، وتابع رجالٌ مسؤولياتِهم، حتى وصلنا الإعلان الذي أذن لنا بالعودة إلى راحتنا.
استلقيت من جديد، وفكَّرت في تلك العودة الهادئة، لم أحتج إلى البحث طويلًا عما يحدُثُ، فقد وصلتني المعلومة من الجهة المعنيَّة واضحة ومباشرة، وفي البيوت من تابع مثلما تابعت ثم اطمأنَّ على أهله وأكمل ليلته، تفاصيلُ يسيرةٌ في ظاهرها، تحملُ قيمة كبيرة لمن يتأمَّلها.
فالأمان لا يقتصر على شعور يُرافقنا داخل منازلنا؛ إنه يمتدُّ إلى تفاصيل حياتنا كلها، نخرج لأعمالنا، ونُودّع أبناءنا وهم يمضون إلى مدارسهم، ونزور من نحب، ونضعُ خططنا للغد ونحن نرجو من الله التوفيق، هذه الحياة المنتظمة نعمة نحمده عليها، ونسأله أن يحفظها للمملكة العربية السعودية وأهلها والمقيمين على أرضها.
ولأن سلامة الإنسان موضعُ عنايةٍ، تصل التعليمات إليه أينما وُجد؛ فيستطيع قراءتها، ومعرفة المطلوب منه؛ لهذا الاتصال المباشر قيمتُهُ؛ فهو يضع الخبر بين يدي صاحبه، ويُعينه على التصرُّف دون الاعتماد على روايات متناقلة قد تزيد حيرته.
أما الذين يعملون خلف تلك الرسائل، فلهم منَّا التقدير والدعاء، يحملون مسؤوليات تستدعي الاستعداد والمتابعة، ويُؤدّون واجباتهم في أوقات يستريح فيها كثير من الناس، قد لا نرى أعمالهم، ولا نعرف أسماءهم، لكننا نُدرك أثر حرصهم على سلامتنا، ونعتزُّ برجال يضعون أداء الواجب في مقدمة اهتماماتهم.
وللأمن وجهٌ نراه في الثقة التي تجمع المجتمع بمؤسَّساته؛ فالمواطن والمقيم يعرفانِ أين يجدانِ التوجيه، والجهات المعنيَّة تواصل أداء مهامها وَفْق مسؤولياتها، هذه العلاقة تمنح حياتنا انتظامها، وتُتيح لكل فرد أن يؤدي عمله، ويعتني بأسرته، ويشارك في بناء وطنه، وما نراه من عنايةٍ لم يأتِ من فراغ، وإنما يستند إلى استعداد وجهود متواصلة تستحقُّ التقدير، وكلما تأمَّلنا ما توفره بلادنا من حماية وخدمات، ازددنا شكرًا لله، وحرصًا على أداء دورنا بإخلاص، ومحبةً لوطنٍ نعيش فيه، ونرجو له دوام الخير والرفعة في كل وقتٍ.
ولنا دورٌ يبدأ من الإصغاء إلى التوجيهات والالتزام بها، والرجوع إلى المصادر الرسمية لمعرفة المستجدات؛ فالكلمة المتسرعة قد تنتقل بين الناس أسرع من تصحيحها، وتضع في قلب أسرة قلقًا لم يكن له داعٍ، ومن الحكمة أن نتثبَّت قبل أن ننقل، وأن نترك للجهات المعنية مهمة الإعلان عما يهم الجميع.
وفي هذه الدقائق قد نُفكّر في أُمٍّ تسكُنُ وحدها، أو أبٍ يحتاج إلى من يقرأ له الرسالة، أو جارٍ ينتظر اتصالًا يطمئنه، سؤالنا عنهم ومساعدتهم على فهم التعليمات تعبيرٌ صادقٌ عن الترابط الذي نعتزُّ به؛ فالعناية بالآخرين تظهر في المبادرة، وفي الانتباه لمن قد يحتاج إلينا.
ويتعلَّم الأبناء من هدوء الكبار أكثر مما يتعلَّمونه من كثرة الكلام، نشرح لهم ما يُناسب أعمارهم، ونجيب عن أسئلتهم، ونُؤكّد لهم أهمية اتباع التوجيهات، بهذه العناية نمنحهم فهمًا يُعينهم على التصرُّف، ونحفظ في قلوبهم الطمأنينة التي يحتاجون إليها.
حفظ الله المملكة العربية السعودية وقيادتها وشعبها، وأدام عليها الأمن والاستقرار، ووفَّق رجالها في كل موقع، وجزاهم عن إخلاصهم خير الجزاء، عُدنا تلك الليلة إلى النوم شاكرين الله على حفظه، ممتنّين لكل من أدَّى واجبه، ولبلادٍ تضع سلامة الإنسان في مقدمة عنايتها.
ضوء
«امتازت بلاد الحرمين باجتماع الكلمة، ووحدة الصف، وتحكيم الشريعة، والدفاع عن التوحيد؛ لذا فإن أمن هذه البلاد هو أمن للأمة الإسلامية جمعاء».