د. صالح العبدالواحد
أطلقت ميليشيات الحوثي على المملكة العربية السعودية عدداً كبيراً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، واستهدفت المطارات المدنية، وأسفرت اعتداءاتها عن سقوط شهداء وجرحى من المدنيين، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بالمرافق والممتلكات.
ولم تسلم حتى حرمة الأماكن المقدسة من مخاطر هذه الاعتداءات، حيث استهدف الحوثيون منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة.
فكيف يجرؤ من يرفع شعارات الإسلام على تعريض مكة المكرمة والمدينة المنورة، بما تضمانه من أقدس مقدسات المسلمين، لمخاطر الصواريخ والمسيّرات؟
وهل كان الحوثي سيقبل تعريض مراقد كربلاء للخطر نفسه الذي عرّض له منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة؟
إن حرمة المقدسات ودماء الأبرياء لا تتجزأ، ولا يجوز أن تكون قدسية المكان مرهونة بمذهب المعتدي ومعتقده؛ فيحترم ما يقدسه هو، ويستهين بحرمة ما يقدسه غيره. فالمقدسات لا تفقد حرمتها لأن المعتدي لا يشارك الآخرين اعتقادهم بمكانتها، ولا يجوز أن تخضع حمايتها للاعتبارات المذهبية أو المصالح السياسية.
لقد جعلتنا الصواريخ والإنذارات نعيد النظر في تفاصيل حياتنا التي اعتدناها حتى كدنا نعدّها من المسلّمات. كنا نستيقظ، ونذهب إلى أعمالنا، ونجلس مع أسرنا، ونسافر بين مدننا، ونمارس حياتنا اليومية دون أن نفكر كثيرًا في حجم الجهد الذي يُبذل حتى تستمر هذه الحياة بهذه الطمأنينة.
لم نكن نرى الجندي الذي يقف على حدود الوطن، ولا ندرك دائمًا حجم الاستعداد الذي يبذله رجال الدفاع الجوي، ولا المسؤوليات الجسيمة التي تتحملها القيادة في التعامل مع الأزمات وحماية ملايين البشر. لكن حين ينطلق الإنذار، وحين نسمع خبر اعتراض صاروخ، ثم نرى الحياة تستمر، والأسواق تفتح أبوابها، والأبناء يذهبون إلى مدارسهم، ندرك حقيقة ربما غابت عنا طويلًا: الأمن لا يقتصر على الإشعار الذي يصلنا بعد الإنذار معلنًا زوال الخطر، بل يتجلى في وجود دولة قادرة على مواجهته.
إن شعورنا بالأمان رغم التهديدات ليس أمرًا عابرًا، بل ثمرة دولة متماسكة، ومؤسسات تعمل، ورجال يسهرون، وقيادة تتحمل مسؤولياتها مهما كانت الظروف.
وهذا لا يعني أن الخطر غير موجود، أو أن الخسائر البشرية أمر هيّن. فكل روح بريئة تُزهق خسارة لا يعوضها شيء، وكل مصاب وكل أسرة فقدت عزيزًا تستحق منا الدعاء والمواساة.
حين تفقد الأوطان أمنها
ولعل ما يجري حولنا يجعلنا أكثر إدراكًا للفارق بين دولة تواجه التهديدات وهي متماسكة، ودول أنهكتها الصراعات والحروب، وتضررت مؤسساتها، وتحول أبناؤها إلى ضحايا لحروب تأكل حاضرهم ومستقبلهم. وها هو اليمن، وقد زجّت به ميليشيات الحوثي المسلحة في صراع طويل، دفع الشعب اليمني ثمنه من أمنه واستقراره وأرزاقه.
انظروا إلى السودان، وما خلفته الحروب فيها من قتلى وملايين النازحين واللاجئين، ودمار طال البيوت والاقتصاد ومؤسسات الدولة.
وانظروا إلى سوريا، وما عاشه شعبها من سنوات الحرب والتهجير وفقدان الأرواح والممتلكات، وإلى لبنان وما عاناه من صراعات وأزمات أنهكت اقتصاده ومؤسساته.
هذه ليست مجرد أخبار نتابعها عبر الشاشات، بل مآسٍ إنسانية حقيقية؛ وراء كل واحدة منها أسرة فقدت عائلها، وطفل حُرم من طفولته، وإنسان اضطر إلى مغادرة بيته بحثًا عن الأمان.
الحروب لا تقتل البشر وحدهم؛ إنها تلتهم الأموال، وتدمر الاقتصاد، وتفكك المؤسسات، وتسرق من الأجيال حاضرها ومستقبلها.
وفي الوقت الذي تمد فيه بلادنا يد العون إلى الشعوب العربية، وتسعى إلى التخفيف من معاناتها، فإننا ننظر إلى آلامهم بقلوب رحيمة، ونحمد الله ونشكره على نعمة الوطن المستقر.
نعمة الوطن المتماسك
حين نتأمل هذه المشاهد، نزداد تقديرًا لما نعيشه في المملكة العربية السعودية.
يجب ألا نسمح لتفاصيل حياتنا اليومية بأن تحجب عنا الصورة الكبرى: نعمة أن نعيش في دولة متماسكة، لها مؤسساتها، وقيادتها، وجيشها، وأجهزتها الأمنية، واقتصادها الذي يواصل العمل رغم التحديات.
نعمة أن تكون لنا دولة نعود إليها، ومؤسسات نلجأ إليها، وحدود يحرسها رجال، وقيادة تعمل على حماية مصالح الوطن وشعبه. هذه النعم ندرك قيمتها، ونسأل الله أن يمدّ بالعون والقوة كل من يساهم في الحفاظ عليها.
لقد علمتنا الأزمات أن الاستقرار ليس أمرًا مضمونًا، وأن المحافظة عليه مسؤولية مشتركة، وأن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بما تمتلكه من السلاح والمال، بل أيضًا بتماسك شعبها، وكفاءة مؤسساتها، وحكمة قيادتها.
بعد كل صاروخ.. نزداد إيمانًا بوطننا
الحمد لله أننا، بعد كل صاروخ، وبعد كل جرس إنذار، نستطيع أن نطمئن على أهلنا، وأن نعود إلى أعمالنا، وأن نواصل حياتنا، ونحن نثق بأن وراء أمننا رجالًا يسهرون لحمايتنا، ودولة تملك القدرة والإرادة لمواجهة التحديات.
وإذا كان المعتدي يريد بصواريخه أن يزرع الخوف في نفوسنا، فقد ذكّرتنا كل صافرة إنذار بقيمة وطننا، وزادتنا اعتزازًا بدولتنا، وتقديرًا لرجالها، وثقة بقيادتها.
لقد جعلتنا هذه الاعتداءات ندرك أن الطمأنينة التي نعيشها ليست أمرًا بسيطًا، وأن استمرار الحياة رغم الأخطار إنجاز عظيم قد لا نشعر بقيمته إلا حين نرى ما حل بالشعوب التي فقدت أمنها واستقرارها.
فقوة الدولة لا تُقاس بقدراتها العسكرية وحدها، بل إن أعظم مظاهر هذه القوة أن تُسخّر تلك القدرات لتمكين المواطن من الذهاب إلى عمله، والعودة إلى أسرته، وممارسة حياته بكل طمأنينة، وكأن شيئًا لم يحدث.