د. عبدالمحسن الرحيمي
تكتسب التحركات الدبلوماسية الأخيرة أهميتها من جمعها بين مسارين متزامنين: تنسيق إقليمي ودولي في إسطنبول، وحوار أمني وسياسي في طهران. ففي إسطنبول، يوم الجمعة 23 أكتوبر، اجتمعت السعودية ومصر وتركيا وباكستان مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، وناقشت النزاع مع إيران، والهجمات الحوثية، وأمن الملاحة، والقضية الفلسطينية. وفي طهران، يوم الاثنين 26 أكتوبر، ترأّس صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، بتوجيه من القيادة، وفد المملكة إلى اجتماع دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع المسؤولين الإيرانيين، لفتح مسارات تخفض التصعيد وتدعم فرص الحل الدبلوماسي.
ويجمع المسارين هدف واحد هو التأثير في اتجاه الأزمة قبل أن تفرض المواجهات العسكرية نتائجها على الجميع. فالدول تتحرك اليوم في بيئة تتشابك فيها حسابات السيادة والنفوذ والاقتصاد، وتنتقل فيها تداعيات الصراع من جبهة إلى أخرى. ولا تكفي قراءة ما يجري بوصفه خلافًا جغرافيًا، لأن التنافس يمتد إلى تحديد قواعد الأمن وتوزيع الأدوار والقدرة على التأثير في القرار الإقليمي.
في هذا السياق، تتجسد سياسة المملكة بقيادة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في حماية السيادة وتوسيع الخيارات، ومنع الأزمات الخارجية من التحكم في مستقبل الوطن. فالمملكة تحمل مشروعًا تنمويًا كبيرًا يحتاج إلى قدرة مستمرة على إدارة المخاطر وحماية الموارد، وإلى علاقات تمنح القرار الوطني مجالًا أوسع للحركة.
ولتركيبة الوفد الذي ذهب إلى طهران دلالة واضحة: وزير الدفاع السعودي، والمشير عاصم منير رئيس أركان الجيش الباكستاني، وإبراهيم قالن رئيس الاستخبارات التركية. فالدول الثلاث هي أطراف اتفاقية مكة للدفاع المشترك، وذهابها معًا يعني أن الحوار يجري على مستوى يتصل مباشرة بحسابات الأمن وأدواته، وأن القوة المجتمعة اختارت أن تبدأ بطاولة التفاوض. وقد حدد البيان السعودي غاية التحرك بخفض التصعيد، وتشجيع الحلول الدبلوماسية، ودعم الوساطة القطرية والباكستانية، تمهيدًا لاتفاق ينهي الأزمة. والاتفاق هنا غاية يُعمل للوصول إليها، وليس نتيجة أُعلنت.
ويرتبط ثقل الذهاب إلى طهران بحجم الخلافات المتصلة بدورها الإقليمي. فالحوار المباشر مع طرف مؤثر يتيح طرح مصادر القلق دون وسيط، واختبار قدرته واستعداده للمساهمة في معالجتها. أما قيمة هذا المسار فتُقاس بما ينتجه من تغيّر في السلوك، والتزامات قابلة للمتابعة، واحترام لسيادة الدول وأمن مجتمعاتها.
واليمن هو الاختبار العملي لهذه المعادلة. فدعم الشرعية اليمنية يتصل باستعادة الدولة قدرتها على حماية مجتمعها ومؤسساتها، في حين تمثل الهجمات الحوثية تهديدًا مباشرًا للأمن السعودي. وفي العلاقة مع إيران، تدخل طبيعة دعمها للجماعة ونفوذها عليها في حسابات التهدئة، مع التمييز بين التأثير وبين افتراض التحكم في كل قرار ميداني. فالتفاهم القابل للتنفيذ يُبنى على تقدير دقيق لمصادر القوة.
وتجد هذه التحركات صداها في المواقف الأوروبية المعلنة. فقد عبّر الاتحاد الأوروبي عن دعمه للحكومة اليمنية، وطالب الحوثيين بوقف الهجمات داخل اليمن وخارجه، بما فيها الاعتداءات على المملكة والملاحة التجارية. وأشاد بدور الشركاء الإقليميين، وأبدى استعداده لدعم المفاوضات، وحذر من تداعيات الاضطراب على إمدادات الطاقة والأسمدة والغذاء. وتلتقي هنا حماية الأمن السعودي بمصلحة دولية في استقرار المنطقة وحركة التجارة، فأمن الخليج صار يمس اقتصادات ومجتمعات بعيدة عنه.
وفي إسطنبول، اتفقت الدول الثماني على معالجة النزاعات بالحوار وخفض التصعيد، ومواصلة التشاور بشأن آثارها الأمنية والاقتصادية والتجارية. وهذه المشاركة تمنح الجهد الإقليمي امتدادًا دوليًا، ويبقى التحدي في تحويل التوافق على المبادئ إلى خطوات عملية.
وفي موازاة ذلك، تحافظ دولة قطر على قناة تفاوضية بين واشنطن وطهران. فقد أكدت خارجيتها استمرار تبادل الرسائل والمقترحات بالتنسيق مع الشركاء، ودعت إلى إطار للأمن الإقليمي يقوم على احترام السيادة، وربطت إظهار حسن النية بوقف التهديدات وضمان حرية الملاحة. فالوساطة تقرّب المواقف، والتنسيق الإقليمي يربط أي تفاهم بمصالح الدول المتأثرة بالأزمة.
ومن هنا يكتسب التكامل السعودي القطري أهميته، إذ يعزز التشاور الخليجي قدرة دول المجلس على التأثير في الملفات التي تمس أمنها. ويتيح التعاون مع باكستان وتركيا والشركاء الدوليين تنويع أدوات التحرك، بحيث تعمل قنوات الاتصال والحسابات الأمنية والضغوط السياسية نحو غاية واحدة.
ولم تغب فلسطين عن المشهد. فقد تناول اجتماع إسطنبول الحاجة إلى حل تفاوضي يقوم على دولتين، وأشار الاتحاد الأوروبي إلى استجابة قرابة مئة دولة لدعوة المملكة والاتحاد الأوروبي والنرويج إلى اجتماع التحالف العالمي خلال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة. فاحتواء التصعيد مع إيران يجري جنبًا إلى جنب مع حشد التأييد للحق الفلسطيني.
وقد تسهم هذه التحركات في إعادة تشكيل ترتيبات الأمن الإقليمي، وربما يمتد أثرها إلى توزيع الأدوار دوليًا. فاجتماع قوى إقليمية مع أطراف الخلاف، وتواصلهما مع شركاء أوروبيين، يعكسان سعيًا إلى امتلاك القدرة على إدارة الأزمات بدل الاكتفاء بتلقي نتائجها.
غير أن بناء نظام إقليمي جديد يحتاج إلى ما هو أبعد من اللقاءات: قواعد تحترم السيادة، وآليات تعالج الخلاف، والتزامات تصمد عند الاختبار.
وقد اتفق المجتمعون في طهران على مواصلة النقاشات لتعزيز التعاون في السلام والأمن، وفق ما نقلته التغطيات عن البيان الختامي. وهي بداية مسار سيُحكم عليه بقدرته على خفض التهديد، وحماية المدنيين والممرات البحرية، ومنع استخدام أراضي الدول ومقدراتها في دورات استنزاف متجددة.
وهنا يتضح معنى القيادة الذي يحمله عنوان المقال: أن تبادر حين تتعقد الخيارات، وأن تجمع بين حماية الوطن والعمل لاستقرار محيطه. وهذه المسؤولية جزء من مشروع ولي عهدنا في بناء قوة وطنية تتسع أدواتها الاقتصادية والمعرفية والسياسية، وتزداد قدرتها على المشاركة في صياغة المستقبل. فالقوة التي لا تعرف إلا السلاح تُستنزف، أما القوة التي تعرف متى تذهب إلى طاولة السلام فتصنع الاستقرار وتحميه.
ويستمد هذا الدور عمقه من التماسك الوطني في الداخل. وما عبّرتُ عنه في مقالي «تاريخنا عظيم، وثقافتنا عظيمة، وقادتنا عظماء، ووطننا عظيم» يجد امتداده في شعب طويق، الشعب الذي يدعم قيادته بالثقة والعمل، ويحمل نصيبه من مسؤولية الوطن. فلأبطالنا في ثغور الدفاع مقام التضحية، وعلى المواطنين واجب صون الوعي من الشائعات والتضليل. ويكتسب تعبير «الجيش السلماني» معناه المجازي من هذا الالتفاف؛ فهو لا يشير إلى تشكيل عسكري، وإنما إلى وطن يقف صفًا واحدًا خلف قيادته: الجندي في ثغره، والعالم في مختبره، والمعلم في فصله، والشاب في ميدان عمله، وكلٌّ منهم يحرس الوطن بما يحسن.
بهذا الوعي تمضي المملكة، قوية بما يكفي لتحمي، وحكيمة بما يكفي لتختار السلام.