ثامر الشهراني
حين تمر المنطقة بمرحلة تتصاعد فيها الصراعات وتتداخل فيها التهديدات، تصبح وحدة الصف الخليجي أكثر من مجرد قيمة سياسية أو شعار دبلوماسي؛ إنها ضرورة لحماية الأمن والاستقرار وصون المصالح المشتركة. ومن هذا المنطلق، تكتسب مخرجات الاجتماع التاسع والعشرين لوزراء الإعلام بدول مجلس التعاون الخليجي، الذي استضافته المنامة، أهمية تتجاوز حدود الاجتماع وبيانه الختامي.
الرسالة التي حملتها المخرجات واضحة: رفض قاطع لكل ما يستهدف شق وحدة الصف الخليجي أو الإساءة إلى دول المجلس ورموزها وشعوبها، مع التأكيد على تكثيف رصد وتوثيق المخالفات عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق مرتكبيها وفق الأنظمة المعتمدة في كل دولة.
وهنا تكمن أهمية الموقف؛ فالتعامل مع محاولات الإساءة والتحريض والتضليل لا ينبغي أن يظل في إطار الاستنكار، بل يتطلب آليات رصد وتوثيق ومساءلة تحفظ الحقوق وتصون العلاقات بين الدول والشعوب. فوحدة الخليج ليست مساحة للعبث، ولا ينبغي أن تتحول المنصات الإعلامية والرقمية إلى ساحات لتصفية الحسابات أو إثارة الانقسامات.
حقيقة، لا يمكن فصل الإعلام عن معادلة الأمن والاستقرار في هذه المرحلة؛ فالكلمة لم تعد مجرد رأي عابر، والمحتوى المتداول قد يؤثر في اتجاهات الرأي العام والعلاقات بين المجتمعات. ولذلك فإن مسؤولية الإعلامي الخليجي تقتضي تحري الدقة، واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، وعدم الانجرار وراء حملات التضليل والاستفزاز، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأمن دول المجلس ومصالحها.
في المقابل، فإن حماية وحدة الصف لا تعني مصادرة حرية الرأي أو إلغاء الاختلاف، فالنقد المسؤول حق، وتعدد وجهات النظر ضرورة، لكن الإساءة والتحريض ونشر المعلومات المضللة ممارسات لا يمكن تبريرها تحت مظلة حرية التعبير. ومن هنا تبرز أهمية ضبط التجاوزات في الساحات الرقمية وفق القانون، دون انتقائية أو تجاوز للحقوق.
المسؤولية هنا لا تقع على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تشمل كل إعلامي وكاتب ومؤثر ومستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي. فالحفاظ على البيت الخليجي مسؤولية مشتركة، تتطلب وعيًا بحساسية المرحلة، وتقديم المصالح العليا على الخلافات والحسابات الضيقة. كما تتطلب خطابًا خليجيًا أكثر اتساقًا في مواجهة التحديات، دون أن يعني ذلك إلغاء خصوصية كل دولة أو اختلاف مواقفها في المسائل التي تخصها.
إن ما تواجهه المنطقة من مخاطر يفرض على دول المجلس وشعوبه تعزيز التلاحم والتكاتف، وتجاوز كل ما يمكن أن يضعف الثقة أو يفتح المجال أمام استثمار الخلافات. فالمكتسبات الخليجية التي بُنيت عبر عقود لا تحميها البيانات وحدها، بل يحميها الوعي المشترك، والمسؤولية الإعلامية، والتكامل في المواقف.
وعليه، فإن مخرجات المنامة يجب أن تتحول إلى ممارسة مؤسسية مستمرة، تجمع بين حرية مسؤولة ومساءلة قانونية، وبين خطاب إعلامي واعٍ وموقف خليجي متماسك. ففي منطقة تواجه تحديات تهدد أمنها واستقرارها، هل ندرك أن حماية وحدة الخليج مسؤولية لا تقبل التأجيل، وأن العبث بتماسكه لا يخدم إلا من يراهن على انقسامه؟