د. منى بنت سعيد القحطاني
من نعم الله علينا أن نعيش في وطن تتقدم فيه سلامة الإنسان ومصلحته أولويات القرار؛ عناية نشعر بها حين تتغير الظروف، فنجد ما يحفظ أمننا، ويطمئن أسرنا، ويصون فرص أبنائنا في المستقبل. وفي التعليم، تأخذ هذه العناية معنى قريبًا من القلب؛ فكل طالب يغادر منزله إلى المدرسة يحمل معه شيئًا من قلب أمه وأبيه، وحلمًا يكبر مع كل يوم يتعلم فيه.
ومن هذا المنطلق، يأتي قرار تمديد الدراسة عن بُعد في مدارس مدينة الرياض ومحافظة الدرعية حتى الخميس الحادي عشر من جمادى الأولى، ليجدد تأملنا في العلاقة بين سلامة الإنسان واستمرار تعليمه. فالقرار الذي يحفظ أبناءنا، وتسانده منظومة تتيح مواصلة تعلمهم، يجسد رعاية تمتد من أمنهم اليوم إلى أحلامهم غدًا، ويكشف قيمة الاستعداد الذي يسبق الأزمة.
وهنا يتضح معنى المرونة التعليمية؛ قدرة المنظومة على الاستجابة للمتغيرات، ومواصلة التعليم بجودة، والتعلم من خبراتها لتصبح أكثر استعدادًا. وهذه القدرة تنمو في الأيام المستقرة؛ بتأهيل المعلمين، وتنمية مهارات الطلبة، ومراجعة الخطط. وحين يأتي الظرف الاستثنائي، تظهر ثمرة ما بُني، وتصبح الجاهزية سندًا للقرار، وطمأنينة للأسرة.
وقد هيأ الاستثمار السعودي في التعليم الرقمي أدوات تدعم هذه المرونة، وتبرز منصة «مدرستي» بما توفره من فصول افتراضية، ومقررات ومصادر تعليمية، وواجبات واختبارات، وأدوات للتواصل والمتابعة؛ لتبقى للمدرسة نافذة مفتوحة على يوم الطالب، وللمعلم وسيلة يصل بها إلى طلابه، وفي هذه الإمكانات أثر جهود الدولة ووزارة التعليم، وجهود العاملين الذين يمنحونها حضورها في الميدان.
وتستحق هذه الجهود التقدير لأثرها في حياة الناس؛ أم تطمئن إلى سلامة أبنائها، وطالب يجد مصادر تعلمه متاحة، ومعلم يستطيع مواصلة رسالته؛ فالقيمة التي يحملها التحول الرقمي تتجلى في حفظ فرص التعلم، وتيسير الوصول إليها حين تتعذر السبل.
ويبدأ التصميم التربوي للتعلم عن بُعد من خبرة المتعلم؛ ماذا سيفكر فيه الطالب؟ وما الذي سيطبقه؟ وكيف سنتحقق من فهمه؟ ومن هذه الأسئلة تنشأ حصة تتخللها مشاركة، ومشكلة تستحق التأمل، ومهمة تكشف الفهم، وتغذية راجعة ترشده إلى خطوته التالية، ويصبح معيار النجاح ما يستطيع الطالب تفسيره وتطبيقه باستقلال، وما يضيفه التعلم إلى قدرته على الفهم والعمل.
ويتيح التعلم عن بُعد فرصة لتنمية التنظيم الذاتي؛ أن يحدد الطالب ما سينجزه، ويدير وقته، ويراقب فهمه، ويطلب المساعدة عند الحاجة، وهي قدرات تنمو بالتدرج والمساندة، بسؤال يدعوه إلى تفسير اختياره، أو تأمل يكتب فيه ما تعلمه وما استعصى عليه. ومع تكرار الممارسة، يكتسب أدوات تعينه على التعلم.
ويفتح الذكاء الاصطناعي فرصًا لتعزيز الاستعداد للأزمات؛ بمساندة المعلم في إعداد بدائل تعليمية، وتنويع الأنشطة بحسب احتياجات الطلبة، وتقديم تغذية راجعة. وتحتاج هذه الاستخدامات إلى أدوات معتمدة وإشراف بشري يحفظ الخصوصية ويتحقق من الدقة؛ فجودة الإجابة المولّدة لا تثبت وحدها حدوث التعلم، والعبرة بما يفهمه الطالب ويستطيع أداءه باستقلال.
وفي الظروف الاستثنائية، يزداد احتياج التعلم إلى بعده الإنساني. فقد يحضر الطالب في الحصة بينما يشغله قلق لا نراه، ويصبح صوت المعلم الهادئ، ووضوح توقعاته، وتفهمه، جزءًا من البيئة التي تعين على التعلم؛ فالطمأنينة تفسح للتفكير مكانًا، والشعور بالانتماء يشجع المشاركة، والعلاقة القائمة على الثقة تُشعر الطالب بأن تعثره سيُقابل بالمساندة.
وتتسع مسؤولية القيادة المدرسية لرعاية هذه البيئة، ودعم المعلمين، ومتابعة من يتعثر وصولهم. ويتجسد الإنصاف في تنويع سبل المشاركة؛ بمصدر متاح للمراجعة، أو نشاط ميسر، أو بديل يستجيب لصعوبة تقنية. فخلف الغياب حكاية محتملة، والوعي التربوي يبدأ بالإصغاء إليها، والبحث عن المساندة التي تمكّنه من الاستمرار.
وتحضر الأسرة شريكًا في بناء الاستقلال والطمأنينة؛ تهيئ ما تستطيع، وتنظم اليوم، وتترك للأبناء مساحة للمحاولة وتحمل المسؤولية. وتكتمل الشراكة بتواصل واضح يحترم ظروف البيوت، ويعينها على مساندة أبنائها.
إن الوفاء لهذه الجهود يقتضي حسن استثمارها، والتأمل في أثرها: من تعلم؟ ومن تعثر؟ وما الذي ينبغي تحسينه؟ هكذا تصبح كل تجربة معرفة نستعد بها لما بعدها، وتتحول الجاهزية إلى قدرة مستدامة.
ولأنها السعودية، وطننا الذي نحب، فإن عنايتها بأبنائنا تزيدنا حبًا لها وامتنانًا لقيادتها.
نحمد الله على وطن نطمئن في كنفه، ونحمل الوفاء له عهدًا يتجدد، وعطاءً يليق بما منحه لنا ولأبنائنا.