صبحي شبانة
تتفق واشنطن وتل أبيب على أن إيران تمثل تحديًا استراتيجيًا لا بد من تحجيم قدراته، لكن هذا التوافق لا يحسم السؤال الأكثر خطورة في حسابات الحرب: هل المطلوب إضعاف إيران واحتواء نفوذها، أم الذهاب إلى إسقاط نظامها وإعادة تشكيل مستقبلها السياسي؟، هنا تحديدًا تكمن المسافة الفاصلة بين الرؤية الأميركية والحسابات الإسرائيلية، وهي مسافة لا تتعلق بمجرد اختلاف في الوسائل أو توقيت المواجهة، بل تمتد إلى تعريف النصر ذاته، والثمن المقبول لتحقيقه، والحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها العملية العسكرية، فبينما تتقاطع مصالح الطرفين عند منع طهران من امتلاك سلاح نووي، وتقليص قدرتها على تهديد المصالح الأميركية وأمن إسرائيل والتأثير في موازين القوة الإقليمية، تظل النتائج المترتبة على بلوغ هذه الأهداف موضع حسابات مختلفة؛ إذ قد ترى تل أبيب في إسقاط النظام الإيراني فرصة تاريخية لإنهاء تهديد تعتبره وجوديًا، فيما تدرك واشنطن أن إسقاط نظام بحجم إيران وتعقيداتها ليس هدفًا عسكريًا يمكن ضمانه بمجرد توجيه ضربات مدمرة، بل مغامرة استراتيجية قد تفتح أبواب حرب طويلة، وتستنزف الموارد الأميركية، وتهدد المصالح الدولية والإقليمية، وتطلق موجات من الفوضى يصعب التحكم في مساراتها أو احتواء تداعياتها، ومن ثم، فإن جوهر التباين المحتمل بين الحليفين لا يكمن بالضرورة في الاتفاق على مواجهة إيران أو الاختلاف حول خطورتها، وإنما في السؤال الذي يسبق الحرب ويحدد مآلاتها: هل تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تغيير سلوك النظام الإيراني، أم إلى إسقاطه؟، وهل تملكان، إذا اختارتا المسار الثاني، تصورًا واقعيًا لما سيأتي بعده؟.
إن قراءة المشهد من زاوية التصريحات المتباينة وحدها قد تقود إلى استنتاج متسرع بأن ثمة خلافًا أميركيًا إسرائيليًا جوهريًا حول إيران، لكن نظرة متأنية متعمقة إلى المصالح تكشف صورة أكثر تعقيدًا، فالعلاقة بين واشنطن وتل ابيب لا تقوم على تطابق كامل في الرؤى، وإنما على تداخل المصالح الاستراتيجية، مع احتفاظ كل طرف بحساباته وتقديراته الخاصة للمخاطر، والولايات المتحدة، بحكم موقعها الدولي واتساع شبكة مصالحها العسكرية والاقتصادية، لا تستطيع أن تنظر إلى أي حرب إقليمية باعتبارها مواجهة ثنائية محدودة بين إسرائيل وإيران، لأن تداعياتها قد تمتد إلى أمن الخليج، وأسواق الطاقة، والممرات البحرية، والقواعد العسكرية الأميركية، والعلاقات مع القوى الدولية، فضلًا عن انعكاساتها على الاقتصاد العالمي ومكانة واشنطن في النظام الدولي، أما إسرائيل، فتتعامل مع إيران من منظور أمني أكثر مباشرة، وتضع منع نشوء تهديد استراتيجي طويل الأمد على رأس أولوياتها، وهو ما يجعلها أكثر ميلًا إلى استخدام القوة لإزالة الأخطار التي تراها وشيكة أو محتملة، حتى عندما تظل نتائج هذا الاستخدام مفتوحة على احتمالات يصعب التحكم فيها.
غير أن الخلاف على مآلات المواجهة لا يتوقف عند حدود إسقاط النظام الإيراني أو الإبقاء عليه، بل يمتد إلى طبيعة الأهداف التي يمكن للحرب أن تحققها فعليًا، والفارق بين النجاح العسكري والإنجاز الاستراتيجي، فهناك فارق كبير بين تدمير منشآت نووية، وإضعاف القدرات الصاروخية، وتقليص النفوذ الإقليمي، وفرض قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي، وبين الذهاب إلى إسقاط النظام السياسي نفسه، قد تبدو هذه الأهداف متكاملة في الخطاب السياسي الذي يروّج للحرب، لكنها في الواقع تنتمي إلى مستويات مختلفة من الصراع، ولكل منها أدواته وشروطه ومخاطره، فتدمير منشأة عسكرية لا يعني بالضرورة محو المعرفة العلمية التي قامت عليها، وضرب منظومة صاروخية لا يعني القضاء نهائيًا على القدرة على إعادة بنائها، وإضعاف النظام لا يعني حتمًا انهياره، كما أن انهياره لا يضمن قيام نظام بديل أكثر استقرارًا أو أقل عداءً للولايات المتحدة وإسرائيل، وبين ما تستطيع القوة العسكرية تدميره وما تطمح السياسة إلى تغييره، تتسع فجوة استراتيجية لا يمكن للضربات الجوية، مهما بلغت قوتها، أن تضمن ردمها، ولعل هذا هو موضع التباين الأكثر أهمية بين الحسابات الأميركية والإسرائيلية، فإسرائيل ترى في الحرب فرصة تاريخية لتغيير البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، وإنهاء ما تعتبره تهديدًا إيرانيًا ممتدًا عبر البرنامج النووي والصواريخ والقوى الحليفة لطهران، بينما تنظر واشنطن إلى المسألة ضمن معادلة أشمل تتداخل فيها أهداف الردع مع اعتبارات الاستقرار الإقليمي، وحماية القوات والمصالح الأميركية، ومنع انزلاق المواجهة إلى حرب مفتوحة لا تملك الإدارة الحالية ضمانات كافية لإنهائها في التوقيت الذي تريده، وليس معنى ذلك أن واشنطن تستبعد الحرب، أو أنها ترفض بالضرورة الأهداف الإسرائيلية في جوهرها، وإنما يعني أن تأييد الهدف لا يلغي الخلاف حول الوسيلة، وأن قبول استخدام القوة في ظروف معينة لا يساوي تفويضًا مفتوحًا بالتصعيد حتى النهاية التي يرغب فيها الطرف الآخر.
وتتجلى هذه المعضلة بصورة أوضح عند الانتقال من هدف احتواء البرنامج النووي الإيراني إلى هدف إسقاط النظام، فإسقاط نظام سياسي ليس عملية عسكرية يمكن إعلان نجاحها بمجرد تدمير مراكز القيادة أو إضعاف القوات المسلحة، بل هو تحول عميق في بنية الدولة والمجتمع ومؤسسات السلطة، وقد يقود إلى فراغ سياسي، أو صراع داخل النخبة الحاكمة، أو تفكك مراكز القوة، أو إعادة إنتاج النظام نفسه في صورة أكثر تشددًا، وفي الحالة الإيرانية لا يمكن اختزال الدولة في شخص المرشد الأعلى أو في مجموعة من القيادات السياسية والعسكرية، لأن النظام يستند إلى مؤسسات أمنية وعسكرية ودينية وسياسية متشابكة، وإلى شبكات مصالح وقدرات تنظيمية تمتد داخل الدولة والمجتمع، ومن ثم، فإن استهداف رأس السلطة لا يكفي وحده لإثبات أن النظام فقد قدرته على الاستمرار، مثلما أن إضعاف مؤسساته لا يعني أن البديل سيكون بالضرورة أكثر قابلية للتفاهم مع الغرب، والأهم من ذلك أن إسقاط النظام، إذا تحول إلى هدف معلن أو ضمني للحرب، قد يمنح طهران فرصة لإعادة تعريف المواجهة باعتبارها معركة وجود، لا خلافًا على البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، ففي هذه الحالة تتراجع المساحة المتاحة للتسويات الجزئية، ويصبح أي تنازل قابلًا للتأويل داخل إيران باعتباره خطوة نحو الاستسلام، بينما يكتسب التشدد مبررات إضافية تحت ضغط الحرب، وقد يؤدي ذلك إلى نتيجة عكسية، تتمثل في تعزيز نفوذ التيارات الأكثر تمسكًا بالمواجهة، وإضعاف الأصوات التي ترى في التفاوض وسيلة لتخفيف العقوبات وتجنب تدمير الدولة، وهنا تظهر مفارقة استراتيجية لا يمكن تجاهلها، فالحرب التي تُشنّ بدعوى منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية قد تدفع بعض دوائر القرار الإيراني إلى اعتبار امتلاك مثل هذه القدرة ضمانة أخيرة لبقاء النظام ومنع تكرار الحرب، بما يعني أن الوسيلة المستخدمة لإزالة التهديد قد تزيد الحوافز التي تغذيه.
ولا يقل تعقيدًا عن ذلك الخلاف المحتمل بشأن توقيت الحرب، فالتوقيت ليس تفصيلًا إجرائيًا يمكن تأجيل النقاش حوله إلى اللحظة الأخيرة، وإنما عنصر جوهري في تحديد النتائج، وقد ترى إسرائيل أن نافذة الفرصة العسكرية تضيق، وأن استمرار البرنامج النووي الإيراني، أو إعادة بناء القدرات المتضررة، أو تغير الظروف السياسية، يجعل التحرك المبكر أكثر إلحاحًا، لكن واشنطن قد تنظر إلى النافذة نفسها من زاوية مختلفة، فتجد أن ما تعتبره إسرائيل فرصة لضربة حاسمة يمكن أن يتحول إلى بداية استنزاف طويل الأمد لايمكن التنبؤ بنهايته، وأن تأجيل المواجهة يتيح اختبار إمكانات الضغط والتفاوض، أو استكمال الاستعدادات العسكرية والدفاعية، أو بناء تفاهمات إقليمية تقلل من مخاطر الرد الإيراني، وفي الحالتين لا يكون الخلاف بالضرورة حول وجود الخطر، وإنما حول تقدير مدى استعجاله، ومدى قدرة القوة العسكرية على حسمه، وما إذا كانت كلفة الانتظار أقل من كلفة المبادرة إلى الحرب، وتكتسب هذه الحسابات أهمية إضافية عندما تتداخل مع الاعتبارات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وإسرائيل، فالرئيس الأميركي لا يتحرك في فراغ استراتيجي، وإنما يوازن بين تعهداته الأمنية، وموقف الرأي العام، وأولويات الاقتصاد، وكلفة الانتشار العسكري، وتداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، واحتمالات اتساع الخسائر البشرية، كما أن أي إدارة أميركية مطالبة بأن تفسر لمواطنيها لماذا دخلت حربًا جديدة في الشرق الأوسط، وما الذي تريد تحقيقه تحديدًا، وما الضمانات التي تملكها لمنع تحول العملية المحدودة إلى التزام عسكري مفتوح، أما القيادة الإسرائيلية، فتخضع بدورها لضغوط أمنية وسياسية داخلية، ولتقديرات تتعلق بمصداقية الردع، وبقدرة الحكومة على إظهار أنها أزالت التهديدات التي تعلن أنها تواجهها، وقد تتقاطع هذه الضغوط في اتجاه التصعيد، لكنها قد تنتج أيضًا تباينًا في حسابات التوقيت والمدة والأهداف، لأن ما يمنح أحد الطرفين مكسبًا سياسيًا مباشرًا قد يحمّل الطرف الآخر تكلفة استراتيجية ممتدة، ولا ينبغي في هذا السياق أن يُفهم أي تحفظ أميركي على توسيع الحرب باعتباره دليلًا كافيًا على رفضها، مثلما لا ينبغي تفسير استمرار التنسيق مع إسرائيل على أنه موافقة مسبقة على كل أهدافها، فالعلاقات الاستراتيجية لا تُقاس فقط بما يعلنه الحلفاء، بل أيضًا بما يضعونه من حدود لاستخدام القوة، وبما يطلبونه من ضانات، وبما يحاولون تجنبه من نتائج، وقد تتفق واشنطن وتل أبيب على ضرورة توجيه ضربة عسكرية، ثم تختلفان حول حجمها ومدتها، أو حول ما إذا كان ينبغي أن تستهدف منشآت محددة أم أن تمتد إلى البنية العسكرية والاقتصادية للدولة الإيرانية، أو حول اللحظة التي ينبغي فيها وقف العمليات والانتقال إلى المسار السياسي، وفي مثل هذه الحالات لا يكون التباين مجرد اختلاف في التفاصيل، لأن التفاصيل نفسها قد تحدد طبيعة الحرب، ومدى اتساعها، والجهة التي ستتحمل تبعاتها.
طهران من جانبها لا تدخل هذه المعادلة باعتبارها طرفًا ينتظر ما تقرره واشنطن وتل أبيب، بل باعتبارها دولة تسعى إلى إعادة تشكيل حسابات خصومها من خلال رفع كلفة المواجهة وتوسيع نطاق المخاطر وقد تستند طهران إلى قدراتها الصاروخية والعسكرية، وإلى شبكة علاقاتها الإقليمية، وإلى قدرتها على تهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز والبحر الاحمر، بوصفها أدوات للردع وإجبار الأطراف الأخرى على التفكير في النتائج التي قد تتجاوز ميدان المعركة المباشر، لكنها تدرك، في المقابل، أن توسيع نطاق الرد قد يحشد مزيدًا من القوى ضدها، وأن استهداف البنية التحتية المدنية أو تهديد حركة التجارة والطاقة قد ينقل المواجهة من صراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى أزمة دولية أوسع، ويمنح خصومها مبررات إضافية لتوسيع عملياتهم العسكرية، وفي هذا الإطار، لا تقتصر أهمية مضيق هرمز على كونه ممرًا حيويًا للطاقة، بل تمتد إلى موقعه في شبكة المصالح الاقتصادية العالمية، حيث يمكن لأي اضطراب واسع في الملاحة أن ينعكس على أسعار النفط والغاز، وتكاليف النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، ومعدلات التضخم في اقتصادات بعيدة جغرافيًا عن منطقة الصراع، كما أن تهديد البنية التحتية الرقمية وكابلات الاتصالات البحرية، أو تعطلها نتيجة العمليات العسكرية، يضيف بعدًا جديدًا إلى مفهوم الأمن في الحروب الحديثة، إذ لم تعد آثار المواجهة محصورة في المنشآت العسكرية والحدود الجغرافية، بل أصبحت قادرة على الانتقال إلى أنظمة الاتصالات والمعاملات المالية والخدمات الحيوية، ومع ذلك فإن تحويل هذه المخاطر إلى نتائج مؤكدة سيكون خطأ في التقدير، لأن حجم الضرر يتوقف على طبيعة الاستهداف، ووجود البدائل، وسرعة الاستجابة الدولية، والقدرة الفنية على الإصلاح وإعادة تشغيل الشبكات، فالتلويح بالقدرة على الإيذاء لا يعني امتلاك سيطرة مطلقة على نتائج التصعيد، تمامًا كما أن امتلاك القوة العسكرية لا يضمن التحكم في المسار السياسي للحرب.
وتكمن المفارقة في أن كل طرف قد يعتقد أنه يمتلك أوراقًا كافية لردع الطرف الآخر، بينما يؤدي تفاعل هذه الأوراق إلى رفع احتمالات سوء التقدير، فإسرائيل قد تراهن على تفوقها العسكري وعلى الدعم الأميركي لإضعاف القدرات الإيرانية، والولايات المتحدة قد تراهن على قدرتها على الجمع بين القوة والضغط السياسي لمنع إيران من تجاوز الخطوط التي تعتبرها حاسمة، فيما تراهن طهران على أن اتساع نطاق الرد وكلفته الإقليمية والدولية سيجعلان استمرار الحرب أكثر إيلامًا لخصومها من إنهائها، لكن الردع لا يعمل دائمًا وفق الحسابات التي يفترضها أصحابه، لأن كل طرف يقرأ رسائل الطرف الآخر من خلال مخاوفه وتوقعاته، وقد يفسر الاستعداد الدفاعي باعتباره تحضيرًا للهجوم، أو يفسر ضبط النفس باعتباره ضعفًا، أو يعتقد أن خصمه سيتراجع قبل أن يصل التصعيد إلى مرحلة يصعب احتواؤها، وعندئذ تصبح الحرب نتيجة لتراكم القرارات الخاطئة بقدر ما تكون نتيجة لقرار متعمد بشنها.
إن الحديث عن المفاوضات لا ينبغي أن يُختزل في اعتبارها بديلًا أخلاقيًا للحرب أو مجرد فرصة لتأجيلها، بل يجب النظر إليها باعتبارها أداة لاختبار إمكان تحويل التوازن العسكري إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار فالمفاوضات الجادة لا تقوم على افتراض أن أحد الطرفين سيتخلى عن مصالحه الأساسية، وإنما على تحديد ما يمكن لكل طرف أن يتنازل عنه من دون أن يعتبر ذلك هزيمة استراتيجية، وفي الملف النووي الإيراني، يظل التحدي الأساسي هو كيفية الجمع بين ضمانات قابلة للتحقق تمنع إنتاج سلاح نووي، وبين ترتيبات تعالج مخاوف الأطراف الأخرى من دون أن تترك لإيران حافزًا متزايدًا للانسحاب من القيود أو استئناف الأنشطة النووية المثيرة للقلق، ويتطلب ذلك التعامل مع مستويات التخصيب، ومخزون المواد المخصبة، وآليات التفتيش والرقابة، والضمانات المتعلقة باستمرار الاتفاق، إلى جانب قضايا العقوبات والأمن الإقليمي، وكلما اتسعت الفجوة بين ما تطلبه واشنطن وتل أبيب وما تستطيع طهران قبوله سياسيًا، تقلصت فرص التسوية، لكن ذلك لا يجعلها مستحيلة، بل يزيد الحاجة إلى صياغة تفاهمات مرحلية تتيح اختبار النيات وبناء الثقة والتحقق من الالتزامات.
غير أن نجاح أي مسار تفاوضي يظل مرهونًا بوضوح الغاية الأميركية نفسها، فإذا كانت واشنطن تريد منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإنها تحتاج إلى تحديد الشروط التي تحقق هذا الهدف، والضمانات التي تجعل الالتزام بها مستدامًا، والعقوبات التي يمكن رفعها أو إعادة فرضها وفق آليات واضحة، أما إذا أصبحت الغاية الفعلية هي إسقاط النظام، فإن المفاوضات تفقد معناها بالنسبة إلى طهران، لأنها لن تعود وسيلة لحل خلاف محدد، بل ستبدو مجرد مرحلة تمهيدية لإزالة السلطة القائمة، وهذه نقطة فارقة في حسابات الحرب والسلام، لأن الطرف الذي يعتقد أن خصمه يسعى إلى إنهائه سياسيًا لن يرى في التنازل ضمانة لأمنه، بل قد يراه إضعافًا لموقعه قبل جولة جديدة من الصراع، ومن ثم فإن غموض الأهداف لا يربك الخصم وحده، وإنما يربك الحلفاء أيضًا، ويجعل من الصعب بناء استراتيجية متماسكة تجمع بين العمل العسكري والدبلوماسية.
وتزداد أهمية هذا الأمر في ظل تعدد القوى المؤثرة داخل إيران، حيث لا يمكن افتراض أن جميع مراكز القرار تتبنى التقدير نفسه بشأن كلفة الحرب أو جدوى التفاوض، إذ إن طبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية، وتوزيع الصلاحيات فيما بينها، ومدى قدرة القيادة على فرض تسوية داخلية، كلها عوامل تؤثر في فرص الوصول إلى اتفاق، وقد يمنح تعدد مراكز القرار بعض الأطراف قدرة على تعطيل التسويات أو التشدد في شروطها، لكنه لا يثبت وحده أن الحرب أصبحت حتمية، كما أن غياب شخصية قيادية عن المشهد، أو عدم وضوح آليات اتخاذ القرار، لا يكفيان للجزم بأن مؤسسات الدولة فقدت قدرتها على إدارة الأزمة، إن مثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة مستقلة، لأن المبالغة في تقدير هشاشة الخصم قد تكون من أكثر الأخطاء خطورة في الحسابات العسكرية، وقد تدفع صانع القرار إلى الاعتقاد بأن ضربة محدودة ستنتج انهيارًا سياسيًا سريعًا، ثم يجد نفسه أمام دولة أكثر تشددًا وقدرة على الاستمرار مما كان يتوقع.
يتمثل الخطر الأكبر في احتمال أن تبدأ الحرب بأهداف متباينة، ثم يكتشف أطرافها أن لكل منهم تصورًا مختلفًا للنصر، وأن ما يراه أحدهم إنجازًا استراتيجيًا يراه الآخر بداية لمشكلة أكبر، فقد تنجح العمليات العسكرية في إلحاق أضرار جسيمة بالقدرات الإيرانية، من دون أن تنهي البرنامج النووي نهائيًا، أو تضمن تغيير سلوك النظام، أو تمنع إعادة بناء القدرات المتضررة، وقد يؤدي استمرار الحرب إلى استنزاف الموارد الأميركية، ورفع كلفة الطاقة، وتعريض دول المنطقة لمخاطر أمنية واقتصادية لا تتحكم فيها، فيما تظل إسرائيل أمام تحدي تحويل التفوق العسكري إلى أمن مستدام، وفي المقابل قد تتكبد إيران خسائر واسعة في بنيتها العسكرية والاقتصادية، لكنها تحتفظ بقدرة على مواصلة الصراع، بما يجعل الكلفة النهائية أعلى بكثير من التوقعات التي بُني عليها قرار الحرب، إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب تُقاس نتائجها بعدد المنشآت التي دُمّرت، بل إلى معادلة أمنية تمنع إعادة إنتاج أسبابها، فالتفوق العسكري مهما بلغ لا يصنع وحده نظامًا إقليميًا مستقرًا، والقدرة على توجيه الضربات لا تعني القدرة على تحديد شكل اليوم التالي، وإذا كانت واشنطن وتل أبيب تتفقان على أن إيران تمثل تحديًا استراتيجيًا، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرتهما على التمييز بين إزالة الخطر وتوسيع الحرب، وبين فرض الردع وفتح أبواب الاستنزاف، وبين تحقيق مكسب عسكري آني وبناء واقع سياسي أكثر أمنًا، وقد يكون من الممكن التوصل إلى تسوية تحد من القدرات التي تثير المخاوف، وتمنح الأطراف ضمانات قابلة للتحقق، وتفتح الباب أمام خفض التصعيد، لكن ذلك يتطلب وضوحًا في الأهداف واستعدادًا لقبول حلول لا تحقق كل ما يرغب فيه أي طرف.
وختاما، فالحرب قد تبدأ بقرار مشترك، لكنها نادرًا ما تنتهي وفق تصور واحد لدى جميع الأطراف المشاركة فيها، وقد تتفق واشنطن وتل أبيب على استخدام القوة ضد إيران، لكن هذا الاتفاق، إن تحقق، لا يضمن اتفاقهما على حدودها أو نهايتها أو شكل المنطقة بعدها، وبين من يرى الحرب وسيلة لإزالة تهديد، ومن يراها فرصة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، ومن يعتبرها معركة بقاء، تتسع المسافة بين الحسابات والنتائج، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، أن أخطر الحروب ليست بالضرورة تلك التي يدخلها أطراف لا يعرفون ماذا يريدون، بل تلك التي يدخلونها وهم يعتقدون أنهم متفقون على الهدف، قبل أن يكتشفوا أن كل طرف كان يقصد بالنصر شيئًا مختلفًا.