د.فيصل خلف
هل كل من يريد الثراء عليه أن يستثمر؟
عندما نتحدث عن بناء الثروة، غالباً ما تتجه أذهاننا مباشرة إلى الاستثمار.
نسمع عن الأسهم والعقارات والصناديق الاستثمارية والشركات والأصول، ونسمع نصائح متكررة عن أهمية استثمار الأموال بدلاً من تركها خاملة.
في المقابل، هناك من يرى أن التجارة هي الطريق الأسرع والأكثر قدرة على صناعة الثروات، وأن امتلاك مشروع تجاري ناجح قد يغيّر الوضع المالي للإنسان بصورة لا يستطيع الاستثمار التقليدي تحقيقها بالسرعة نفسها.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس أيهما أفضل الاستثمار أم التجارة؟ بل السؤال الأهم الاستثمار لمن؟ والتجارة لمن؟
في اعتقادي لا ينبغي التعامل مع الاستثمار والتجارة باعتبارهما طريقين متطابقين، ولا باعتبار أن أحدهما يصلح لجميع الناس بالدرجة نفسها، فلكل منهما طبيعة مختلفة ومتطلبات مختلفة، وأسلوب مختلف في التعامل مع المال والوقت والمخاطر.
أرى أن الاستثمار خصوصاً الاستثمار طويل الأجل، يكون أكثر ملاءمة لمن يمتلكون رؤوس أموال مرتفعة نسبياً، ولديهم القدرة على تجميد جزء من أموالهم سنوات طويلة، دون أن يضطروا إلى سحبها لتغطية احتياجاتهم اليومية.
أما التجارة فهي أكثر قابلية للدخول من جانب شرائح واسعة من المجتمع، حتى أصحاب رؤوس الأموال المحدودة، بشرط امتلاكهم المعرفة والمهارة والاستعداد للعمل والتعلم وتحمل المسؤولية.
لا أقصد هنا أن التجارة طريق مضمون للثراء أو أن الاستثمار حكر على الأثرياء؛ إنما أحاول التمييز بين ما يحتاجه كل طريق، ومن يستطيع الاستفادة منه بصورة أفضل.
أولاً: الاستثمار لمن؟
الاستثمار في جوهره هو توظيف المال في أصل أو مشروع أو أداة مالية بهدف تحقيق عائد مستقبلي، وقد يكون هذا الأصل سهماً في شركة أو عقاراً أو حصة في صندوق استثماري أو مشروعاً قائماً أو غير ذلك من الأصول التي يُتوقع أن تنمو قيمتها أو تحقق دخلاً.
لكن الاستثمار لا يقوم فقط على امتلاك المال، بل يقوم أيضاً على امتلاك الصبر والقدرة على الانتظار، وهنا أصل إلى إحدى أهم أفكاري.. الاستثمار يحتاج إلى نفس طويل، وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة غالباً ما يمتلكون مساحة أكبر لممارسة هذا النوع من الصبر.
لنفترض أن شخصاً يمتلك مليون ريال، وآخر يمتلك عشرة آلاف ريال.. إذا حقق الاثنان عائداً سنوياً افتراضياً قدره 8 % فإن الأول يحقق 80 ألف ريال، بينما يحقق الثاني 800 ريال فقط، قبل الرسوم والضرائب أو الزكاة حيث تنطبق، ودون ضمان استمرار العائد.
النسبة واحدة والفرصة الاستثمارية واحدة، لكن الأثر المالي مختلف تماماً.
هذه المقارنة تفسر لماذا قد يشعر صاحب رأس المال الكبير بأن الاستثمار مجدٍ بصورة واضحة، بينما لا يرى صاحب رأس المال المحدود أثراً مالياً ملموساً بالدرجة نفسها، رغم أنه يحقق النسبة ذاتها.
فالمشكلة ليست دائماً في الاستثمار نفسه، وإنما في حجم رأس المال الذي يعمل من خلاله.
من هنا يمكن القول إن الاستثمار طويل الأجل يكون أكثر جاذبية لمن يمتلكون فائضاً مالياً حقيقياً، أي أموالاً لا يحتاجون إليها لتغطية مصاريفهم الأساسية أو التزاماتهم القريبة.
فالشخص الذي يستثمر معظم مدخراته، ثم يجد نفسه مضطراً إلى بيع أصوله بسبب ظرف طارئ، قد يخسر ميزة الانتظار، وربما يبيع في توقيت غير مناسب.
أما صاحب الملاءة المالية الجيدة، فيستطيع عادة توزيع أمواله بين الاحتياجات والسيولة والاستثمار، ويكون أقل اضطراراً إلى اتخاذ قرارات متسرعة.
ثانياً: لماذا يحتاج الاستثمار إلى رأس مال وصبر؟
هناك ثلاثة عناصر رئيسية تجعل الاستثمار طويل الأجل مختلفاً عن التجارة اليومية
1. حجم رأس المال
كلما ارتفع رأس المال، أصبح من الممكن تحقيق مبالغ أكبر حتى عند وجود عوائد نسبية متواضعة، وهذا لا يعني أن صاحب رأس المال الصغير لا يستطيع بناء ثروة من الاستثمار، وإنما يعني أن الطريق قد يحتاج منه إلى سنوات أطول أو إلى مساهمات شهرية منتظمة أو إلى زيادة دخله قبل أن يصبح أثر العوائد واضحاً.
2. الزمن والتراكم
من أهم مزايا الاستثمار أن الأرباح يمكن أن يعاد استثمارها، فتبدأ الأرباح السابقة بالمساهمة في توليد أرباح جديدة.. وهذا ما يُعرف بالعائد المركب.
الفكرة تبدو بسيطة، لكنها قوية جداً على المدى البعيد.. فالمستثمر الذي يملك القدرة على ترك أمواله تعمل لمدة طويلة قد يستفيد من نمو تراكمي لا يستطيع تحقيقه من خلال الاعتماد على الأرباح النقدية وحدها.
وقد ناقش مورغان هاوسل هذه الفكرة في كتابه «سيكولوجية المال» موضحاً أهمية التراكم والزمن والسلوك المالي، وأن النجاح في التعامل مع المال لا يعتمد على المعرفة الحسابية وحدها، بل على القدرة على التصرف بحكمة والاستمرار دون الانجراف وراء القرارات العاطفية!
3. تحمل التقلبات
لا يتحرك الاستثمار دائماً في اتجاه صاعد.. قد ترتفع الأسواق وتنخفض، وقد تتراجع قيمة الأصول، وقد تمر الشركات بأزمات، وقد تتغير الظروف الاقتصادية.
لذلك يحتاج المستثمر إلى القدرة على تحمل التقلبات دون أن يتحول كل انخفاض إلى حالة من الخوف أو قرار بالبيع.
هذا لا يعني تجاهل الخسائر أو التمسك باستثمار فاشل، بل يعني التفريق بين التراجع المؤقت وبين تغير الأساسيات التي بُني عليها القرار الاستثماري.
في كتاب «المستثمر الذكي» يركز بنجامين غراهام على مفهوم هامش الأمان، وعلى أهمية تحليل قيمة الأصل وعدم دفع سعر مبالغ فيه لمجرد الحماس أو توقعات الآخرين.
هذه رسالة جوهرية..
المستثمر لا يشتري لمجرد أن الجميع يشترون، ولا يبيع لمجرد أن الجميع خائفون.
ثالثاً: التجارة لمن؟
إذا كان الاستثمار يعتمد بدرجة كبيرة على توظيف رأس المال وانتظار نموه، فإن التجارة تعتمد بدرجة أكبر على القدرة على اكتشاف الفرص وتحويلها إلى نشاط اقتصادي يحقق قيمة وإيرادات وأرباحاً.
التجارة ليست مجرد شراء سلعة وبيعها بسعر أعلى.
إنها منظومة تبدأ من فهم احتياج العميل، وتحديد المنتج أو الخدمة واختيار المورد والتسعير والتسويق وإدارة المصروفات وخدمة العملاء، ثم إعادة تدوير الأرباح وتوسيع النشاط.
من وجهة نظري التجارة أكثر انفتاحاً على الجميع مقارنة بالاستثمار الذي يتطلب أحياناً رأس مال كبيراً حتى يصبح العائد المالي مؤثراً في حياة صاحبه.
قد يبدأ الإنسان مشروعاً تجارياً صغيراً برأس مال محدود، وقد يبدأ من المنزل أو من متجر إلكتروني، وقد يعتمد في البداية على مهاراته الشخصية وعلاقاته وقدرته على الوصول إلى العملاء، وهنا تكمن إحدى نقاط قوة التجارة.. بأنها لا تتطلب بالضرورة أن يكون الإنسان غنياً حتى يبدأ، بل يمكن أن تكون إحدى الوسائل التي تساعده على تكوين رأس المال الذي سيستخدمه لاحقاً في الاستثمار.
فقد يبدأ شخص ببيع منتج واحد، ثم يضيف منتجات أخرى، ثم يطور علامته التجارية ثم يستعين بموردين وموظفين، وبعد ذلك يتحول نشاطه من تجارة صغيرة إلى شركة لها أصول وعملاء وتدفقات نقدية.
هذا التحول قد يستغرق سنوات، لكنه قد يخلق نقلة مالية كبيرة مقارنة بالبداية.
التجارة لمن لديه القدرة على صناعة الفرص، وليس فقط لمن لديه المال.
هذا فرق أساسي بين العقلية التجارية والعقلية الاستثمارية.. فالتاجر يسأل: ما الحاجة الموجودة في السوق؟ وكيف أستطيع تلبيتها؟ وما القيمة التي يمكن أن أقدمها؟ وكيف أحقق هامش ربح يسمح لي بالاستمرار والتوسع؟
بينما يسأل المستثمر: ما الأصل الذي يستحق أن أضع فيه أموالي؟ وما قيمته؟ وما المخاطر المحيطة به؟ وما العائد المتوقع؟ وكم أحتاج من الوقت حتى تتحقق أهدافي؟
رابعاً: التجارة طريق محتمل لتكوين الثروة خلال سنوات
أعتقد أن من يريد تكوين ثروة خلال سنوات، وليس بالضرورة خلال عقود، عليه أن ينظر بجدية إلى التجارة، وأستخدم هنا تعبير خلال سنوات عن قصد، لأنني لا أتحدث عن الثراء خلال أشهر، ولا عن الوعود التي تروّج لها بعض الحسابات التجارية، والتي تصور أن تأسيس متجر إلكتروني كافٍ لتحقيق ثروة سريعة!
التجارة تحتاج إلى وقت لبناء الثقة، وفهم العملاء واختبار المنتجات وتطوير العمليات وتكوين قاعدة من المشترين المتكررين.
قد يمر المشروع بسنة أولى صعبة، وربما لا يحقق خلالها صاحبه أرباحاً تُذكر، وقد يحتاج إلى سنتين أو ثلاث حتى يصل إلى نموذج تجاري مستقر، وربما يحتاج إلى وقت أطول حتى يصبح قادراً على التوسع.
لكن ما يميز التجارة أنها تمنح صاحبها فرصة التأثير المباشر في حجم الإيرادات من خلال تحسين المنتج والتسويق والتوزيع والتشغيل.
المستثمر الذي يملك أصلاً مالياً لا يستطيع عادة مضاعفة قيمته بقرار تشغيلي يومي كما يستطيع التاجر أن يضاعف مبيعاته عبر فتح قناة توزيع جديدة أو إطلاق منتج ناجح أو دخول سوق جديدة.
هذا لا يعني أن التاجر يتحكم في النتائج بصورة مطلقة، بل يعني أن لديه أدوات تشغيلية يستطيع التأثير فيها بصورة مباشرة.
لنتخيل شخصين..
الأول يمتلك 50 ألف ريال ويستثمرها في أصل يحقق عائداً سنوياً افتراضياً قدره 8 %. والثاني يستخدم 50 ألف ريال لتأسيس مشروع تجاري صغير.
الأول قد يحصل على عائد سنوي يقارب 4 آلاف ريال، إذا تحقق العائد المفترض.
أما الثاني فقد يحقق مبيعات سنوية مرتفعة، لكن المبيعات ليست أرباحاً.. عليه أن يدفع تكاليف المنتجات والشحن والتسويق والتشغيل، وقد يتعرض للخسارة أو يحتاج إلى تمويل إضافي، لكن إذا استطاع بناء مشروع يحقق أرباحاً صافية ويعيد استثمار جزء منها، فقد يصبح حجم نشاطه بعد عدة سنوات أكبر بكثير من حجم رأس ماله الأولي.
الفرق هنا أن الاستثمار يعتمد على نمو رأس المال المستثمر، بينما التجارة قد تتيح لصاحبها خلق قيمة اقتصادية جديدة من خلال العمل والإدارة والابتكار.
خامساً: لماذا التجارة ليست للجميع بالمعنى السهل؟
عندما أقول إن التجارة للجميع، لا أقصد أنها مناسبة لكل شخص، ولا أن كل من يفتح مشروعاً سيصبح تاجراً ناجحاً.
المقصود أن حاجز الدخول إليها قد يكون أقل من حاجز الدخول إلى بعض أنواع الاستثمار، وأن الإنسان يستطيع البدء بإمكانيات متواضعة ثم التدرج.
لكن التجارة تتطلب صفات ليست موجودة بالضرورة لدى الجميع.
فالتاجر يحتاج إلى الانضباط، والقدرة على التفاوض وفهم سلوك المستهلك وإدارة الوقت، ومواجهة المنافسة واتخاذ القرارات في ظروف غير مؤكدة، كما يحتاج إلى تقبل احتمال الفشل!
قد يشتري بضاعة لا تُباع أو يختار مورداً غير مناسب أو يطلق حملة تسويقية لا تحقق النتائج المطلوبة أو يواجه منافساً يبيع بسعر أقل.
قد يكتشف أن المنتج الذي كان يعتقد أن السوق يحتاج إليه ليس مطلوباً بالقدر الذي توقعه.
لهذا فإن التجارة ليست مجرد طريق أقصر إلى الثروة، إنها طريق يتطلب جهداً يومياً، وقد يكون أكثر استنزافاً للوقت والأعصاب من الاستثمار السلبي طويل الأجل.
في هذا السياق يقدم مايكل غيربر في كتابه «أسطورة ريادة الأعمال» أو «The E-Myth Revisited» فكرة مهمة، وهي أن إتقان الشخص للعمل الفني أو المهني لا يعني بالضرورة أنه قادر على إدارة شركة ناجحة.
فمن يجيد صناعة المنتج لا يجيد بالضرورة التسويق له، ومن يجيد البيع لا يجيد بالضرورة إدارة الحسابات أو الموظفين.
يشدد غيربر على أهمية الانتقال من مجرد العمل داخل المشروع إلى العمل على تطوير المشروع نفسه، وبناء أنظمة وعمليات تجعله قابلاً للنمو والاستمرار، وهذه نقطة أراها من أهم الفروق بين التاجر الذي يصنع لنفسه وظيفة، ورائد الأعمال الذي يبني مؤسسة يمكن أن تعمل وتتوسع حتى في غيابه.
سادساً: هل التجارة تحقق عوائد أعلى من الاستثمار؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.. أميل إلى الاعتقاد بأن التجارة الناجحة تتيح إمكانية تحقيق نمو مالي أسرع من الاستثمار التقليدي، خصوصاً عندما يبدأ الشخص برأس مال محدود ويستطيع بناء مشروع قابل للتوسع، لكن لا يمكن القول إن عوائد التجارة أقل أو أعلى دائماً من عوائد الاستثمار.
التجارة قد تحقق أرباحاً كبيرة، وقد تخسر كامل رأس المال، والاستثمار قد يحقق نمواً متدرجاً، وقد يحقق عوائد استثنائية، وقد يتعرض أيضاً لخسائر كبيرة.
من المهم التمييز بين ثلاثة أمور ألا وهي:
الإيرادات: الأموال التي تدخل إلى المشروع من المبيعات.
الأرباح: ما يتبقى بعد خصم التكاليف والمصروفات.
قيمة المشروع: القيمة الاقتصادية للنشاط التجاري وما يمتلكه من أصول وعملاء وسمعة وقدرة على توليد الأرباح.
قد يمتلك تاجر متجراً يحقق مليون ريال من المبيعات سنوياً، لكنه لا يحقق إلا 50 ألف ريال من الأرباح، وفي المقابل قد يمتلك مستثمر محفظة مالية أصغر، لكنها تحقق دخلاً جيداً دون الحاجة إلى إدارة يومية.
لذلك فإن مقارنة التجارة بالاستثمار لا تكون بمقارنة المبيعات بالعوائد الاستثمارية، وإنما بمقارنة الأرباح الصافية والعائد على رأس المال والمخاطر والوقت والجهد.
هناك أمر آخر قد تكون التجارة أكثر ربحية على رأس المال المستخدم، لكن هذا العائد ليس مجانياً؛ فهو في الغالب مقابل العمل والخبرة والمخاطرة والمسؤولية التي يتحملها صاحب المشروع.
ولهذا أرى أن العبارة الأدق هي أن التجارة تمنح فرصة أكبر لصناعة الثروة من خلال النشاط والعمل والتوسع، بينما يمنح الاستثمار فرصة أكبر لتنمية الثروة الموجودة والمحافظة عليها على المدى الطويل، وفقاً لنوع الاستثمار ومستوى مخاطره.
سابعاً: أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والاستثمار طويل الأجل
لماذا أرى أن أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة أكثر قدرة على الاستفادة من الاستثمار؟
لأنهم غالباً يستطيعون تحقيق عدة مزايا في الوقت نفسه ألا وهي:
التنويع
صاحب رأس المال الكبير يستطيع توزيع أمواله على أصول مختلفة، بدلاً من وضع معظم ثروته في أصل واحد.
الاحتفاظ بالسيولة
إذ يستطيع إبقاء جزء من أمواله متاحاً للطوارئ، دون أن يضطر إلى بيع استثماراته في أوقات غير مناسبة.
الاستفادة من التراكم
عندما تكون قيمة الاستثمار الأولية كبيرة، تصبح الأرباح المعاد استثمارها أكثر تأثيراً بمرور الزمن.
القدرة على تحمل فترات الانتظار
الشخص الذي يعتمد على عوائد استثماره لتغطية مصروفاته الشهرية قد يجد نفسه مضطراً إلى سحب الأموال، بينما يستطيع صاحب الدخل المستقل أو الثروة الكبيرة ترك استثماراته تنمو.
لكن لا بد من الإشارة إلى أن رأس المال الكبير لا يجعل صاحبه مستثمراً ناجحاً تلقائياً. فقد يتخذ قرارات سيئة، أو يبالغ في المخاطرة، أو يشتري أصولاً بأسعار مرتفعة، أو يفتقر إلى المعرفة اللازمة.
بل إن زيادة رأس المال قد تزيد حجم الخسارة إذا أسيء استخدامه.
هذا ما يجعل المعرفة وإدارة المخاطر عنصرين أساسيين، بصرف النظر عن حجم الثروة.
ثامناً: هل ينبغي لصاحب رأس المال الصغير أن يتاجر أولاً ثم يستثمر؟
هذه من أهم النقاط التي أريد التأكيد عليها.
من وجهة نظري قد يكون من المنطقي لمن يمتلك رأس مال محدوداً أن يركز في البداية على زيادة قدرته على توليد الدخل، سواء من خلال التجارة أو تطوير مهاراته أو تأسيس نشاط مهني مستقل.
فإذا كان شخص يمتلك خمسة آلاف ريال فقط، فقد لا يكون من الحكمة أن يتوقع من استثمار هذا المبلغ وحده أن يصنع له ثروة كبيرة خلال فترة قصيرة.
لكن يمكنه أن يستخدم جزءاً مدروساً من المال في مشروع صغير، أو يبدأ بنشاط يعتمد على مهاراته ويعمل على تحقيق دخل إضافي، ثم يعيد استثمار جزء من الأرباح في المشروع، ويخصص جزءاً آخر لبناء مدخراته واستثماراته.
بهذه الطريقة.. لا يكون أمامه خيار واحد، بل يبني مسارين متكاملين.
المسار الأول: تنمية الدخل من خلال التجارة والعمل والإنتاج.
المسار الثاني: تنمية رأس المال من خلال الاستثمار طويل الأجل.
هنا أعتقد أن أفضل استراتيجية لبناء الثروة ليست بالضرورة اختيار التجارة أو الاستثمار، وإنما معرفة متى تستخدم كل واحد منهما.
التجارة قد تكون وسيلة لبناء رأس المال، والاستثمار قد يكون وسيلة لتنمية هذا الرأس المال وحمايته وتنويعه.
تاسعاً: من يناسبه الاستثمار؟ ومن تناسبه التجارة؟
الاستثمار
يناسب أكثر من يمتلك فائضاً مالياً لا يحتاج إليه في المدى القريب..
من يستطيع الانتظار سنوات دون الحاجة إلى تحقيق عائد سريع..
من يفضل إدارة أمواله بصورة أقل انشغالاً بالتشغيل اليومي..
من يمتلك معرفة بتحليل الأصول والأسواق وإدارة المخاطر أو يستعين بمتخصصين..
من يريد تنمية ثروة موجودة وتوزيعها على أصول متنوعة..
التجارة
تناسب أكثر من يمتلك رأس مال محدوداً ويريد بناء مصدر دخل قابل للنمو..
من لديه مهارة في البيع والتفاوض والتسويق والإدارة..
من يستطيع اكتشاف احتياجات السوق وتقديم منتجات أو خدمات تلبيها..
من لديه استعداد للعمل اليومي وتحمل المسؤولية..
من يريد بناء مشروع قابل للتوسع، وربما تحويله إلى شركة مستقلة عن جهده الشخصي مستقبلاً..
هناك فئة ثالثة أراها الأكثر قدرة على بناء ثروة متوازنة، وهي الفئة التي تجمع بين الاثنين.
تبدأ بالتجارة وتتعلم كيف تحقق الأرباح، ثم تستثمر جزءاً منها في أصول أخرى.. ومع مرور الوقت، لا تعود ثروتها مرتبطة بمشروع واحد أو مصدر دخل واحد.
عاشراً: ماذا تقول الكتب عن الاستثمار والتجارة؟
هناك عدد من الكتب التي تدعم الأفكار الأساسية في هذا النقاش، وإن لم تكن جميعها تقارن مباشرة بين الاستثمار والتجارة.
1. كتاب المستثمر الذكي – بنجامين غراهام
يُعد من أهم الكتب في الاستثمار، ويركز على التحليل، والانضباط، وهامش الأمان، وعدم الانسياق وراء تقلبات السوق.
من أبرز ما يمكن استخلاصه منه أن الاستثمار الناجح لا يعتمد على التوقعات المتفائلة وحدها، بل على شراء الأصول وفق تقييم منطقي، مع وجود مساحة تحمي المستثمر من الخطأ، وهذا يدعم فكرة أن الاستثمار يحتاج إلى نفس طويل، ومعرفة، وقدرة على عدم اتخاذ القرارات تحت ضغط الخوف والطمع.
2. كتاب سيكولوجية المال – مورغان هاوسل
يركز على العلاقة بين السلوك المالي والنجاح في بناء الثروة.
من أهم أفكاره أن تكوين الثروة والاحتفاظ بها أمران مختلفان، فقد ينجح الإنسان في كسب المال، لكنه يفشل في الحفاظ عليه بسبب المخاطرة المفرطة أو عدم الانضباط.
كما يناقش قوة التراكم وأهمية الوقت، وهي أفكار جوهرية لفهم لماذا يكون الاستثمار طويل الأجل جذاباً لمن يمتلكون القدرة على الانتظار.
3. كتاب The E-Myth Revisited – مايكل غيربر
هذا الكتاب مهم جداً لمن يفكر في التجارة.
فهو يحذر من الاعتقاد بأن امتلاك مهارة معينة يكفي لإنجاح المشروع التجاري، ويشرح ضرورة بناء نظام تشغيلي وإداري وتسويقي واضح، بحيث لا يبقى المشروع معتمداً بالكامل على صاحبه، والدرس الذي أراه مهماً هنا هو أن التجارة الناجحة لا تعني أن تعمل أكثر كل يوم، بل أن تبني نشاطاً يستطيع النمو من خلال أنظمة وعمليات وأشخاص.
4. كتاب The Millionaire Fastlane – إم جي ديماركو
يتناول هذا الكتاب فكرة ريادة الأعمال بوصفها وسيلة محتملة لتسريع بناء الثروة مقارنة بالاعتماد على الادخار والاستثمار التقليدي وحدهما. يركز المؤلف على خلق القيمة، وحل المشكلات، وبناء أنشطة قابلة للتوسع، بدلاً من الاعتماد فقط على بيع الوقت مقابل المال، لكن ينبغي التعامل مع أطروحته باعتبارها وجهة نظر ريادية، لا باعتبارها قاعدة مالية مثبتة أو ضماناً للثراء السريع.
5. كتاب The Richest Man in Babylon – جورج كلاسون
يقدم الكتاب مبادئ مالية مبسطة تتعلق بالادخار، وضبط المصروفات، وتنمية المال، والاستفادة من الخبرة قبل اتخاذ القرارات المالية.
من الدروس التي يمكن الاستفادة منها أن بناء الثروة لا يبدأ دائماً برأس مال كبير، بل يبدأ بالقدرة على الاحتفاظ بجزء من الدخل وتوظيفه بصورة حكيمة، وهذا الدرس يصلح للتاجر والمستثمر على حد سواء.
حادي عشر: الخطأ الذي يقع فيه كثيرون عند الحديث عن الثراء
أحد الأخطاء الشائعة هو الاعتقاد بأن كل شخص يجب أن يكون مستثمراً، وأن كل شخص يجب أن يمتلك محفظة مالية، وأن الطريق الصحيح لبناء الثروة واحد للجميع، لكن الواقع أن الناس يختلفون في قدراتهم وظروفهم ومهاراتهم والتزاماتهم.
هناك من يجيد تحليل الأسواق لكنه لا يجيد إدارة الموظفين أو التعامل مع العملاء..
وهناك من يمتلك قدرة ممتازة على البيع والتسويق، لكنه لا يمتلك الصبر الكافي لمتابعة استثماراته سنوات طويلة..
وهناك من لا يمتلك رأس مال كبيراً، لكنه يمتلك فكرة تجارية جيدة، وقدرة على التنفيذ، وعلاقات تساعده على الوصول إلى السوق..
لذلك لا ينبغي أن نقيس نجاح الإنسان بمدى دخوله إلى سوق الأسهم أو امتلاكه عقارات، كما لا ينبغي أن نقيسه بعدد المتاجر التي يفتحها.
المعيار الحقيقي هو قدرته على بناء وضع مالي مستدام يتناسب مع ظروفه وأهدافه.
من الأخطاء أيضاً الخلط بين الدخل والثروة، فالشخص الذي يحقق دخلاً مرتفعاً قد لا يكون ثرياً إذا كانت مصروفاته تستهلك دخله بالكامل، والتاجر الذي يحقق مبيعات ضخمة قد لا يكون ناجحاً إذا كانت التكاليف والديون تلتهم أرباحه.
الثروة الحقيقية ليست مجرد أموال تمر عبر الحساب البنكي، بل هي أصول وحقوق وقيمة مالية متراكمة، مع قدرة على الاستمرار ومواجهة الأزمات.
ثاني عشر: التجارة والاستثمار ليسا خصمين!
قد يبدو من العنوان أنني أضع التجارة في جهة والاستثمار في جهة أخرى، لكنني لا أعتقد أن النجاح يتطلب الوقوف مع أحدهما ضد الآخر، بل أرى أن العلاقة بينهما تكاملية.
التاجر الناجح يستطيع تحويل جزء من أرباحه إلى استثمارات، حتى لا تبقى ثروته مرتبطة بمشروعه وحده، والمستثمر يستطيع تأسيس مشروع تجاري أو امتلاك حصة في شركة، بدلاً من الاكتفاء بالأصول المالية التقليدية، بل إن كثيراً من الثروات الكبيرة نشأت من نشاط تجاري أو صناعي، ثم تحولت لاحقاً إلى محافظ استثمارية متنوعة، وهنا تظهر أهمية الانتقال من مرحلة صناعة المال إلى مرحلة إدارة المال.
في البداية قد يحتاج الإنسان إلى العمل والتجارة لزيادة دخله. وبعد أن تتكون لديه قاعدة مالية، يصبح من المهم أن يتعلم كيف يحافظ عليها وينميها ويقلل اعتمادها على مصدر واحد.
وهذا الانتقال قد يكون من أهم القرارات المالية في حياة الإنسان.
خاتمة: الاستثمار لتنمية المال، والتجارة لصناعة المال
لا أرى أن الاستثمار أفضل من التجارة على الإطلاق، ولا أن التجارة أفضل من الاستثمار في كل الظروف، أرى أن الأفضل هو الطريق الذي يتناسب مع حجم رأس المال، والقدرة والمهارة والأفق الزمني ومستوى المخاطرة الذي يستطيع الإنسان تحمله.
الاستثمار يحتاج إلى مال وصبر، والتجارة تحتاج إلى عقلية ومهارة وعمل، وقد تكون التجارة هي البداية التي تمنح الإنسان رأس المال الذي يحتاج إليه ليصبح مستثمراً عظيمًا في المستقبل.